تمت الإضافة بتاريخ : 12/11/2018

مقتضيات نجاح أسلوب القدوة

هند شريفي

الأساليب الدعوية تشكل ركنا مهما من أركان الدعوة، والأساليب لغة: جمع أسلوب: وهو الوجه والمذهب. يقال: هم في أسلوب سوء، ويقال: قد سلك أسلوبه - أي طريقه وكلامه - على أساليب حسنة.

والأسلوب: الفن والطريقة. ويقال: أخذ فلان في أساليب من القول: أي أفانين منه[1]، ويكون في القول والعمل[2].

والأسلوب في مصطلح علم الدعوة: هو العلم الذي يتصل بكيفية مباشرة التبليغ، وإزالة العوائق عنه[3]، فأسلوب الدعوة هو المفتاح الذي يفتح به الداعية مغاليق القلوب والعقول، وبغيره يكون عاجزاً عن حمل الدعوة وتبليغها، وإن توفرت لدى الداعية صفة العلم والمعرفة، ولم يملك الأسلوب الذي به يقدر على مخاطبة الناس وتجميعهم حول الدعوة، فإن ذلك نقص في تبليغه لها، فعرض الدعوة علم وفن عظيم يجب على الداعية أن يتقنه ليتمكن من القيام بأعبائها، وذلك لما لحسن العرض من أثر قوي في اجتذاب المدعوين، يفوق أحياناً تأثرهم بمبادئ الدعوة وشرائعها[4].

ومن أهم الأساليب الدعوية التي ظهرت في غزوة الفتح ما يلي:

أسلوب القدوة:

وهو من الأساليب الدعوية الناجحة، حيث يتمثل الداعية أمام ناظري المدعو صورة حية، ونموذجا صادقا، وتطبيقا واقعيا، للأفكار والمبادئ التي يدعو لها الداعية، فإنه مهما عمل الداعية على توضيح منهج الإسلام المتكامل، أو رسم صورة مثالية للمسلم، فإن ذلك لن يحقق ذات النتائج ، ولن يغني عن وجود واقع حقيقي يمثله إنسان صادق، يحقق بعمله وسلوكه هذه الصورة.

ومعنى القدوة أن يكون الداعية صورة صحيحة وصادقة لكل ما يدعو إليه، ويريد غرسه في المدعو، بل أن يكون فعله وسلوكه صادقاً قبل كلامه[5]، ولا ريب أن الدعوة بالفعل والعمل، أقوى وأوقع في النفس، وأعون على الحفظ والفهم، وأدعى إلى الاقتداء والتأسي، من الدعوة بالقول والبيان، فالدعوة بأسلوب القدوة هو الأسلوب الملائم للفطرة، وقد كان من أعظم وأبرز أساليب النبي صلى الله عليه وسلم[6].

والقدوة الحسنة لها أثر بعيد المدى في نفوس المدعوين، لأنها عرض للنماذج البشرية الصالحة التي يراد محاكاتها والاقتداء بها، وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي برسله الذين تقدموه فقال تعالى ? أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ? [الأنعام: 90][7]، كما جعله مثلا أعلى للمسلمين، وهو رسول الله الذي جمع ما تفرق في غيره من خصال الخير كلها، فقال تعالى ? لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ? [الأحزاب: 21][8].[9]

وقد تكون القدوة مثالاً حسياً مشاهداً ملموساً يقتدى به، كما أنها قد تكون مثالاً حاضراً في الذهن بأخباره وسيرته ، وصورة مرتسمة في النفس بما أُثر عنه من أقوال وأفعال[10].

مقتضيات نجاح أسلوب القدوة:

1- حسن الخلق، تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ونتيجة لتطلعه إلى مرتبة الكمال التي بلغها عليه الصلاة ولسلام من الكمال الأخلاقي، فيكون الداعية قدوة أخلاقية متجسدة، صالحة للاقتداء بها.

وأصول السيرة الحسنة التي بها يكون الداعي المسلم قدوة طيبة لغيره ، ترجع إلى أصلين كبيرين: حسن الخلق، وموافقة القول العمل، فإذا تحقق هذان الأصلان، حسنت سيرة الداعي، وكانت سيرته الطيبة دعوة صامتة للإسلام، وإن فاته هذان الأصلان أو أحدهما، ساءت سيرته، وصارت دعوة صامتة منفرة عن الإسلام[11].

2- موافقة قول الداعية عمله: بأن تكون الدعوة بلسان حال الداعية ، وممن يقتدى بهم في ذلك، نبي الله شعيب عليه السلام القائل فيما يحكيه عنه تعالى: ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ? [هود: 88] [12].

وتطبيق الداعية لهذا الشرط من دواعي قبول ما يدعو إليه، وتصديق أقواله، وترسيخها في قلوب المدعوين، فإن من خالف فعله قوله، فإن ذلك تكذيب لقوله، وعائد إليه بالإبطال، كما أنه منفر للناس من دعوته والانتفاع بكلامه[13].

قال الإمام الشاطبي رحمه الله:( إن المفتي إذا أمر بالصمت - مثلاً - عما لا يعني، فإن كان صامتاً عما لا يعني، ففتواه صادقة، وإن كان من الخائضين فيما لا يعني، فهي غير صادقة... وإن دلك على المحافظة على الصلاة وكان محافظا عليها، صدقت فتواه... ومثلها النواهي، فإذا نهى عن النظر إلى الأجنبيات والنساء، وكان في نفسه منتهيا عنها، فهو الصادق الفتيا، والذي يقتدى بقوله ويقتدى بفعله، وإلا فلا، لأن علامة صدق القول مطابقة العمل، بل هو الصدق في الحقيقة عند العلماء، ولذلك قال تعالى ? رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ? [الأحزاب: 23][14]، وحسب الناظر في ذلك سيد البشر صلى الله عليه وسلم... حيث كانت أفعاله مع أقواله على الوفاء والتمام)[15].

وتهاون الداعية بهذا الأمر مما ينفر المدعوين ويصدهم عن الإتباع، أو على أقل افتراض استهانتهم بما يدعو إليه، أو التقليل من شأنه، وعدم أخذه بالجدية المناسبة.

3- الابتعاد عما يخدش القدوة أو يجرحها: بأن يبتعد الداعية ما استطاع عن مواطن الزلل بالقول أو بالفعل، لأن أعين الناس معقودة عليه، وخطواته محسوبة ومراقبة ممن يدعوهم، فمرتبة الدعوة إلى الله تقتضي من صاحبها أن يلاحظ أفعاله من حيث أنه قدوة منظور إليها، ومتأس بها، فلا يسترسل كما قد يسترسل غيره ممن لا يقتدى بهم، بل يزن أفعاله دائما بميزان الشرع، ويحاسب نفسه على كل كلمة وتصرف، حتى يكون على مستوى القدوة[16].

وهذا ما كان يلحظه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد كان يتجنب مواضع التهم، ولا يفعل شيئا يتضمن نقص مروءة، أو ما يستنكر ظاهرا، وإن كان جائزا باطنا، فإنه يعرض نفسه للتهمة، ويعرض عرضه للوقيعة، ويوقع الناس في الظنون المكروهة[17].

ومن ذلك كراهيته صلى الله عليه وسلم للإشارة بالخفاء إلى قتل ابن أبي السرح رضي الله عنه ثم تعليل فعله للصحابة بقوله: ((ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين))[18].

4- الحرص على يسر الفعل المُظهر، إذا كان الداعية في مقام تعليم، لئلا يكون فيه مشقة وعسر، ولئلا يأخذ الأتباع أنفسهم بالشدة كما يأخذ نفسه بها، ومن ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس، فرجع إلي وهو حزين، فقلت له، فقال: (( إني دخلت الكعبة ، وددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي))[19] [20]، فكان صلى الله عليه وسلم يعلم حرص أصحابه على اتباعه، فخشي أن ينشأ عن دخوله الكعبة، اقتداؤهم به، فينتج عن ذلك مشقة وأذى وضرر خاصة عند تزاحمهم.

وكذلك لما صام صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى مكة، وصام الناس معه، فلما عرف ما أصابهم من الجهد بسبب اقتدائهم به أفطر، فقد روي أن( النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال: (( تقووا لعدوكم)). فصام النبي صلى الله عليه وسلم.. فقيل: يا رسول الله، إن طائفة من الناس صاموا حين صمت، فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكَديد، دعا بقدح فشرب، فأفطر الناس)[21].

5- الحرص على إعلان تطبيق شرائع الإسلام أمام الناس ليقتدوا به ويتعلموا منه، وكثيرا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل العمل في الأماكن البارزة ليسترعي التفات الناس إليه[22]، كما فعل حين أفطر وهو في طريقه إلى مكة، كما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنهم لما خرجوا إلى مكة، قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت. فدعا بقدح من ماء بعد العصر)[23].

وكذلك طوافه حول البيت على بعيره، واستلامه الركن بمحجن، فعن صفية بنت شيبة رضي الله عنهما، قالت: ( لما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح، طاف على بعيره يستلم الركن بمحجن في يده. قالت: وأنا أنظر إليه)[24].

قال الإمام الخطابي رحمه الله:( معنى طوافه على بعير أن يكون بحيث يراه الناس، وأن يشاهدوه فيسألوه عن أمر دينهم، ويأخذوا عنه مناسكهم، فاحتاج إلى أن يشرف عليهم)[25].

6- الحرص على إتقان العمل وتجويده، خاصة إذا كان في مقام التعليم، فلا يرضى لنفسه من الأفعال الظاهرة والباطنة، بالجائز منها، بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها، فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع في الأحكام، وقد يراقبهم للأخذ عنهم من حيث لا ينظرون، كما قد يقتدي بهم من لا يعلمون، وإذا لم ينتفع العالم بعلمه، فغيره أبعد عن الانتفاع به[26].

ومن ذلك صلاته صلاة الضحى أمام أم هانئ رضي الله عنها، ( فإنها ذكرت أنه يوم فتح مكة اغتسل في بيتها، ثم صلى ثماني ركعات. قالت: لم أره صلى صلاة أخف منها، غير أنه يتم لركوع والسجود)[27].

7- الامتثال لأوامر الله تعالى ونواهيه، فهذا هو أساس ما يدعو إليه الداعية، خاصة حين تظهر منه المسارعة إلى الالتزام بالحق بعد معرفته، ومن ذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من الامتثال لأمر الله تعالى بعد نزوله عليه مباشرة، وخاصة إذا كان سبب النزول متعلقا بذلك[28]، كقوله تعالى ? إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ? [النساء: 58][29]، نزلت في عثمان بن طلحة رضي الله عنه ، حين قبض النبي صلى الله عليه وسلم منه مفتاح الكعبة ودخلها، ثم خرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان، فدفع إليه المفتاح وقال: ((خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلا ظالم))[30].

وكذلك امتناعه عن النزول في دور المشركين ممن ظن المسلمون أنه له حق الإرث، فقال: (( لا يرث المؤمن الكافر، ولا الكافر المؤمن))[31].

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الصحاح فصل السين باب لباء 1 /149. وتاج العروس فصل السين من باب الباء 1 /302.[2] بتصرف، المنجد ص 343.[3] بتصرف، أصول الدعوة ص 411.[4] بتصرف، ركائز الدعوة في القرآن: محمد إبراهيم شقرة من ص 31 - 32، ط : 1 المكتبة الإسلامية عمان الأردن، 1403 هـ 1983 م.[5] بتصرف، فقه الدعوة الفردية ص 55.[6] بتصرف، الرسول المعلم وأساليبه في التعليم: عبد الفتاح أبو غدة ص 65، مكتبة المطبوعات الإسلامية حلب، ط:1، 1417هـ 1996م.[7] سورة الأنعام جزء من آية 90.[8] سورة الأحزاب آية 21.[9] بتصرف، دعوة الإسلام: سيد سابق ص 69.[10] بتصرف، الأخلاق الإسلامية وأسسها 1 /214.[11] بتصرف، أصول الدعوة ص 486.[12] سورة هود جزء من آية 88.[13] بتصرف، أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية 1 /64.[14] سورة الأحزاب جزء من آية 23.[15] باختصار: الموافقات 4/ 252- 253.[16] بتصرف، أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية ص 66 - 67. وانظر المصفى من صفات الدعاة: عبد الحميد البلالي ص 28، دار الدعوة الكويت، ط:2، 1406هـ 1985م.[17] بتصرف، تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم ص 20.[18] سبق تخريجه ص 131.[19] سبق تخريجه ص 259، وقد أورده الشيخ الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه ص 241 ح 656.[20] بتصرف، أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية 1/68.[21] سبق تخريجه ص 248.[22] بتصرف، أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية ص 70.[23] صحيح مسلم كتاب الصيام باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان من غير معصية.. الخ 2 /786 ح 1114.[24] سبق تخريجه ص 127 و ص 414.[25] معالم السنن 2 /376.[26] بتصرف، تذكرة السامع والمتكلم ص 21.[27] سبق تخريجه ص 259.[28] بتصرف، أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية ص 309.[29] سورة النساء جزء من آية 58.[30] بتصرف، أسباب النزول: أبو الحسن النيسابوري ص 105.[31] سبق تخريجه ص 121 و ص 220.