تمت الإضافة بتاريخ : 10/05/2014
fiogf49gjkf0d

الإدريسي.. ذاكرة المسلمين الجغرافية

 

رسم خريطة شاملة للعالم كانت أدق ما وصل إليه علم الجغرافيا وفن الخرائط

أتقن الجغرافيا والفلك والحساب والهندسة وأيضا الطب والصيدلة والنبات

محمد عبدالعزيز

إلى الحسن بن علي وفاطمة الزهراء بنت النبي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ينتهي نسبه، ومن هنا جاء لقبه بالشريف نسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم.. إنه العالم العربي المسلم أبو عبدالله محمد بن محمد ابن عبدالله بن إدريس الصقلي، ذاكرة المسلمين الجغرافية وأحد كبار المؤسسين لعلم الجغرافيا، العالم الموسوعي الذي امتدت إسهاماته إلى التاريخ، الأدب، الشعر، النبات، الفلسفة، الطب، النجوم.. تعالوا نتعرف إلى رحلة هذا العالم التي لم تخل من ظلم وإجحاف.

يعتبر "الإدريسي ـ الذي ولد في مدينة "سبته" المغربية عام 493هـ  1100م ـ أكبر جغرافي عرفته الحضارة الإسلامية، بل أكبر جغرافي على الإطلاق حتى عصر الكشوف الجغرافية الأوربية أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر الميلاديين.. ينتسب للأسرة الإدريسية العلوية التي يمتد نسبها إلى الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ ولذلك يلقب عادة بالشريف الإدريسي، كما يلقب بالصقلي لكونه أمضى سنوات طويلة من حياته في "صقلية" الإيطالية، ويلقب أيضا بـ"سطرابون العرب" تشبيها بالجغرافي الإغريقي الشهير "سطرابون".

رحلات وانجازات

بدأ تعليمه في سبته وفاس المغربيتين، ثم انتقل إلى قرطبة ليدرس على علماء عصره من أساتذة جامعتها، وأمضى بقرطبة عدة سنوات حيث نشأ وتثقف، ولم تكن الأوضاع في قرطبة في تلك الأيام كما هي عليه اليوم، إذ كانت مركز معرفة للعالم الإسلامي في أوروبا، كما أن دور جامع قرطبة كان فعَّالاً، حيث كان يجتمع فيه كل مسلمي قرطبة في أوقات الصلاة، بالإضافة إلى كونه مكاناً للعبادة، لعب الجامع دور الجامعة التي خرَّجت عدداً من العلماء المسلمين وفي شتى الحقول. فحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، واكتسب المعرفة، خاصة في حقل الجغرافيا، لقد أكسبته معرفته الواسعة احترام العالمين الإسلامي والأوروبي.

وأتقن فيها الجغرافيا والفلك والحساب والهندسة ودرس أيضا الطب والصيدلة والنبات، وإلى جانب دروس أساتذته استقى قاعدة معلوماته الجغرافية من دراسة ما توفر لديه من مؤلفات كبار الجغرافيين مثل بطليموس وابن حوقل وغيرهما، فأحاط إحاطة شاملة بانجازات من سبقه من الجغرافيين. طاف بلداناً كثيرة في الأندلس، والمغرب، والبرتغال، ومصر. وعرف سواحل أوروبا الغربية من فرنسا وإنجلترا، كما عرف القسطنطينية وسواحل آسيا الصغرى. وانتهى إلى صقلية، فاستقر في بلاط صاحبها، روجه الثاني النورماني، المعروف عند العرب باسم رجار، ومن هنا لقب بالصقلي. استعان به رجار، وكان من العلماء المعدودين في صنع دائرة الأرض من الفضة ووضع تفسير لها.

زودت الرحلات التي قام بها الإدريسي في بلاد حوض البحر المتوسط والبلاد القريبة منه بالكثير من المعلومات، وأكسبت معارفه الجغرافية بُعدا عمليا قلما توافر لغيره ممن توقفت رحلاتهم عند حد الانتقال بين صفحات الكتب. فقد زار مصر والشام والقسطنطينية، ومكث بقرطبة زمنا، كما تنقل بين أقاليم الأندلس والشمال الاسباني ومدنهما، وزار البرتغال  الذي كان ما يزال جزءا من الدولة الأموية، وزار الشاطئ الفرنسي وجنوب انجلترا وأخيرا زار صقلية عندما دعاه ملكها روجر الثاني وحل عليه ضيفا في بلاد العاصمة "باليرمو" ومكث بها قرابة عشرين عاما..

وأثمرت هذه الرحلات إنجازات كبيرة، منها الخرائط: التي قسم فيها النصف الشمالي للكرة الأرضية إلى سبع مناطق مناخية متباينة. ثم قسم كلا منها بدوره إلى عشر قطاعات متساوية في عدد خطوط الطول بها، ورسم لكل قطاع من هذه القطاعات السبعين خريطة مستقلة، بحيث كونت الخرائط السبعون في مجموعها خريطة شاملة للعالم عرفت بـ"خريطة الإدريسي" وهي أدق ما وصل إليه علم الجغرافيا وفن رسم الخرائط حتى ذلك العصر. وتميزت هذه الخرائط بأنها كانت مبنية على معرفة راسخة بكروية الأرض، وبأنها توضح الملامح الجغرافية لأوربا بدقة غير مسبوقة في أية خريطة أخرى، كما أن هذه الخرائط كانت تظهر تفاصيل البحر المتوسط بدقة عالية غير مسبوقة أيضا.

كرة من الفضة

كما صنع الإدريسي لـ"روجر الثاني" حاكم صقلية كرة من الفضة رسم على سطحها خريطة العالم، لتصبح بذلك ممثلة للكرة الأرضية، وكان قطر الكرة يبلغ المترين طولا، ووزنها يقدر بوزن رجلين.. إلا أن هذه الكرة فقدت فيما بعد عصر النورمان الأولين.

وللإدريسي إنجازات أخرى لا تقل أهمية تتمثل في مؤلفاته الجغرافية ومنها: كتاب "صفة بلاد المغرب": عن جغرافية وأحوال بلاد المغرب، وكتاب "روضة الأنس ونزهة النفس" ولم يبق من هذا الكتاب إلا مختصره المعروف بـ"الإدريسي الصغير".. وكتاب "نزهة المشتاق في اختراق الأفاق" الذي يعتبر أضخم وأفضل مشروع جغرافي أنتجته أوروبا في العصور الوسيطة، وقد اكتسب أهمية خاصة لأوصافه التي قدمها عن منطقة البحر المتوسط وشبه جزيرة البلقان. ويعتبر وخريطة العالم أعظم أعمال الإدريسي، ويطلق على هذا الكتاب اسم "كتاب روجار" أو" الكتاب الروجاري" نسبة إلى الملك روجر الثاني الذي ألف الإدريسي كتابه في كنفه وأهداه إليه. كما ألف كتبا غير جغرافية، ففي الطب ألف "الأدوية المفرجة" عدد فيه أسماء بعض العقاقير باثنتي عشر لغة. وفي علم النبات ألف كتاب "الجامع لأشتات النبات".

كما حدد الإدريسي مصدر نهر النيل، ففي موقع معين وضع نقطة تقاطع النهر تحت خط الاستواء، وهذا هو موقعه الصحيح. قبل دخول مصر تلتقي روافد نهر النيل في الخرطوم عاصمة السودان، يتشكَّل نهر النيل من نهرين هما النيل الأبيض والنيل الأزرق، يجري هذان النهران عبر أراضي السودان ويلتقيان في الخرطوم التي تقع تحت خط الاستواء، وهذا التحديد يُلغي نظرية "بطليموس" التي تقول بأن مصدر نهر النيل هو تلة في القمر.

جحود

كانت حياة الإدريسي نموذجاً نمطياً لحياة العلماء العرب في العصور الوسطى. فقد كان حسن التعليم وكثير الترحال.. ولم تشفع الإنجازات والإسهامات العديدة التي قدمها لدى الغرب، بل واجه جحودا ذميما، على الرغم من أنه يعتبر أحد الأعمدة الأساسية التي استندت إليها النهضة الأوربية، ولعل من أنصف ما ذكر في حق الإدريسي من الغربيين مقولة "جاك ريسلر" في كتابه الحضارة العربية: "لم يكن بطليموس الأستاذ الحقيقي في جغرافية أوربا ،بل كان الإدريسي الذي ولد عام 1100م وتخرج من قرطبة، والذي عاش في باليرمو: فمصورات الإدريسي التي تقوم على معرفة كروية الأرض كانت تتويجا لعلم المصورات الجغرافية في العصر الوسيط بوفرتها وصحتها وشمولها".

أما "البارون دي سيلان" فيقول عن كتاب الإدريسي "نزهة المشتاق": إنه كتاب لا يقارن به أي كتاب جغرافي قبله، وهو لا يزال دليلنا إلى بعض أنحاء الأرض.

وفاته

توفي الإدريسي في صقلية عام 561هـ (1166م).. غير أن تركته وأثره العلميين عاشا طويلاً. فقد كان أشهر جغرافي عربي ومسلم عرفه الأوروبيون، وربما كان هذا يعود في وجه منه إلى وجوده في صقلية واتصال الجزيرة الدائم مع البحارة والتجار القادمين من إقليم المتوسط وسواحل الأطلسي وبحور الشمال. وفي القرن الحادي والعشرين أُطلق اسم "إدريسي" على أحد برامج الحاسوب تكريما للإدريسي لمساهمته الكبيرة في علم الجغرافيا، وهو نظام معلومات جغرافي يستخدم بشكل واسع في كل أنحاء العالم.

fiogf49gjkf0d