تمت الإضافة بتاريخ : 13/02/2014
fiogf49gjkf0d

الشيخ الشعراوي أشهر من فسر القرآن في عصرنا

 

حسام أبو جبارة

عُرف بأسلوبه الميسر والبسيط في تفسير القرآن الكريم، فكان كلامه سهلًا ومفيدًا وعميقًا، يفهمه الأمي قبل المتعلم، والغني كما الفقير، ما جعله يصل إلى قلوب وعقول الناس بسلاسة ومودة ومحبة، وكل ذلك انطلاقًا من قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} (النحل:125).. إنه إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي، أشهر من فسر القرآن الكريم في عصرنا.  

ولد فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي في إبريل 1911م بقرية «دقادوس»، في مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، في مصر، وحفظ القرآن الكريم في الحادية عشرة من عمره.

وفي عام 1922م التحق بمعهد الزقازيق الابتدائي الأزهري، وأظهر نبوغًا منذ الصغر في حفظه للشعر والمأثور من القول والحكم، ثم حصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية عام 1923م، ودخل المعهد الثانوي، وزاد اهتمامه بالشعر والأدب، وحظي بمكانة خاصة بين زملائه، فاختاروه رئيسًا لاتحاد الطلبة، ورئيسًا لجمعية الأدباء بالزقازيق.

حياته العملية

بعد حصوله على إجازة التدريس، عمل الشعراوي مدرسًا في معهد طنطا الأزهري، ثم نُقل إلى الإسكندرية، وبعدها عمل في معهد الزقازيق، قبل أن يعود إلى معهد طنطا مرة أخرى. وفي عام 1951م أعير للتدريس في السعودية، حيث عمل مدرسًا للتفسير والحديث بكلية الشريعة في جامعة الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة.

وفي عام 1960م عاد إلى مصر وعيّن وكيلًا لمعهد طنطا الأزهري، ثم عمل مديرًا للدعوة الإسلامية بوزارة الأوقاف في محافظة الغربية. وبعدها عيّن مفتشًا للعلوم العربية بالأزهر الشريف. وفي عام 1964م اختاره شيخ الأزهر حسن مأمون مديرًا لمكتبه. وعقب حصول الجزائر على استقلالها عام 1966م ابتعث رئيسًا لبعثة الأزهر الشريف في هذا البلد، وأشرف خلال مدة بعثته بالجزائر على وضع مناهج دراسية للغة العربية للطلاب الجزائريين.

وفي عام 1970م عيّن أستاذًا زائرًا بكلية الشريعة في جامعة الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة، ثم رئيسًا لقسم الدراسات العليا فيها. وبعد ذلك بثلاث سنوات، برز اسمه كداعية إسلامي عندما قدمه الإذاعي أحمد فراج في برنامجه «نور على نور» الذي استمر عشر سنوات، كان الضيف الدائم فيه هو الشيخ الشعراوي، مفسرًا للقرآن الكريم. ثم بدأت محاضراته تبث أسبوعيًا عبر شاشة التلفزيون المصري.

في عام 1976م اختاره رئيس مجلس الوزراء المصري السابق ممدوح سالم وزيرًا للأوقاف، ثم أُعيد اختياره في التشكيل الجديد للوزارة عام 1977م. وبعد أن قدم الكثير لبلده ولأمته، رأى الشعراوي أن الأفضل له ولدعوته أن يكون حرًا في عمله فقدم استقالته من مهام الوزارة في 15 أكتوبر 1978م.

داعية حول العالم

بعد استقالته من الوزارة، انطلق الشعراوي إلى مشارق الأرض ومغاربها داعيًا الى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وموضحًا سماحة الإسلام ووسطيته، مفندًا لما يحاول البعض أن يلصقه بالإسلام من مفاهيم ضالة، فقام بزيارة الهند عام 1977م، وباكستان عام 1978م، والولايات المتحدة الأميركية وكندا عام 1983م، وخلال تواجده في أميركا زار مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وألقى خطبة الجمعة في المسجد الملحق بمبنى الجمعية، كما زار المركز الإسلامي في لوس أنجلوس وألقى محاضرة عن قضايا المسلمين والمجتمعات الإسلامية.

وفي عام 1984م قام بجولة في أوروبا شملت فرنسا وسويسرا وألمانيا وبريطانيا والنمسا وغيرها، حيث ألقى سلسلة من المحاضرات، وأجاب على استفسارات أبناء المسلمين هناك، ووضع حجر الأساس للمركز الإسلامي والمسجد الكبير في روما بحضور رئيس جمهورية إيطاليا وعمدة روما ومندوب عن الفاتيكان.

وفي عام 1985م شارك في أعمال مؤتمر السنة النبوية الثاني في لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأميركية، وفي ديسمبر 1986م، اختير رئيسًا لمؤتمر السنة النبوية المنعقد بلوس أنجلوس وألقى محاضرات عديدة في أماكن شتى بالمراكز الإسلامية، ثم سافر إلى النمسا بمناسبة إنشاء مصرف إسلامي في العاصمة «فيينا»، حيث تكلم عن الفكر الاقتصادي الإسلامي، وفي عام 1987م اختير عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

أسرة صالحة

تزوج الشيخ الشعراوي وهو في المرحلة الابتدائية بناءً على رغبة والده الذي اختار له زوجته، ووافق الشيخ على اختياره، وكان اختيارًا طيبًا لم يتعبه في حياته، ورزقه الله بخمسة أبناء: سامي، وعبدالرحيم، وأحمد، وفاطمة، وصالحة.

تقي كريم

تميزت حياة الشيخ الشعراوي بالورع والتقوى والخوف من الله تعالى في كل تصرفاته وسلوكاته إلى أبعد الحدود، وكذلك السعي بكل ما منحه الله عز وجل من قوة ونفوذ لعمل الخير ومساعدة المحتاجين، ويُشهد له أنه أنفق جميع ماله على أهل قريته، وأسس لهم دورًا للعلم ورعاية الأيتام والعلاج، وكان بيته مفتوحًا للفقراء.

أضف إلى ذلك علمه القرآني ومداركه التفسيرية المتميزة وأسلوبه الجذاب في إقناع الآخرين، حتى أصبح صاحب مدرسة خاصة في الفكر والتفسير القرآني، لقد كان حجة قرآنية تعلم منها الكثيرون في جميع أنحاء العالم.

كتبه ومؤلفاته

عدا عن الكثير من المحاضرات والدروس الدينية التي جاد بها الشيخ الشعراوي على المسلمين، مشاهدين ومستمعين، فقد قدم عددًا من الكتب كان من أشهرها وأعظمها «تفسير القرآن الكريم»، حيث منّ الله تعالى عليه بتفسير الأجزاء من 1-27 من كتاب الله الكريم وانتهى أجله قبل أن يتم تفسير الأجزاء الثلاثة المتبقية منه.

من أهم مؤلفاته: «هذا هو الإسلام»، «معجرة القرآن»، «أسرار بسم الله الرحمن الرحيم»، «لبيك اللهم لبيك»، «المرأة كما أرادها الله»، «الشورى والتشريع في الإسلام»، «القضاء والقدر»، «أمثال القرآن الكريم»، «أوصاف أهل الجنة»، «مشاهد يوم القيامة»، «الشيطان والإنسان»، «الأدلة المادية على وجود الله»، «الإسلام والفكر المعاصر». وهذه الكتب هي تفسير موضوعي لآيات من القرآن الكريم جمعت بعناية فائقة، ورتبت ترتيبًا جيدًا، وروجعت مراجعة علمية دقيقة.

جوائز وتقديرات

تقديرًا لنشاطاته الدعوية وجهوده في تفسير القرآن الكريم، مُنح الشيخ الشعراوي العديد من الجوائز والتقديرات، كان من أهمها: وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، الذي منحه إياه الرئيس المصري الراحل السادات عام 1976م بمناسبة بلوغه سن التقاعد، وجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1978م، ووسام الشيخ زايد من الدرجة الأولى، والدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعتي المنصورة والمنوفية، كما منحه الرئيس مبارك وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عام 1988م خلال الاحتفال بيوم الدعاة، وحصل على جائزة الدولة التقديرية عام 1988م، واختارته محافظة الدقهلية شخصية مهرجانها الثقافي لعام 1989م، واختير رحمه الله عام 1997م شخصية العام الإسلامية في الدورة الأولى من جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم.

شاعر يعشق اللغة

عشق الشيخ الشعراوي اللغة العربية، فعُرف ببلاغة كلماته، وبساطة أسلوبه، وجمال تعبيره، وكان له باع طويل مع الشعر، فكان يجيد التعبير به في المواقف المختلفة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بآمال الأمة، حيث كان يشارك في العمل الوطني بالكلمات القوية المعبرة، وكان رحمه الله يستخدم الشعر أيضًا في تفسير القرآن الكريم، وتوضيح معاني الآيات.

وعن منهجه في الشعر قال: «حرصت على أن أتجه في قصائدي إلى المعنى المباشر من أقصر طريق، بغير أن أحوم حوله طويلا، لأن هذا يكون الأقرب في الوصول إلى أعماق القلوب، خاصة إذا ما عبّرت الكلمات بسيطة وواضحة في غير نقص، وربما هذا مع مخاطبتي للعقل هو ما يغلب على أحاديثي الآن للناس».

كيف عرفه الناس؟

في عام 1973م وبعد عودته من السعودية، ظهر الشيخ الشعراوي في التلفزيون المصري، حيث تم تقديمه من خلال عدة برامج كان من أهمها «نور على نور»، وهو أول برنامج تلفزيوني يظهر فيه الشيخ بعد العودة إلى مصر. بعد ذلك تم تقديم الشعراوي من خلال اللقاءات الأسبوعية المنتظمة والتي كان من خلالها يلقي بخواطره حول القرآن الكريم، ونستطيع أن نقول إنه المفسر القرآني الوحيد الذي قام بعملية التفسير من خلال إطار شفهي مرئي عبر شاشات التلفزيون في ذلك الوقت.

وبعد أن انتشرت حلقات الشعراوي وانتظمت أسبوعيًّا على مدار السنين، صدرت هذه الخواطر مطبوعة في أجزاء باسم «تفسير الشعراوي»، وقد انتشر هذا التفسير انتشارًا واسعًا، ولاقى إقبالًا جماهيريًّا كبيرًا، وهذا بالطبع شيء متوقع نتيجة انجذاب الجماهير وحرصهم على مشاهدة وتسجيل حلقاته الأسبوعية.

إلا أنه تكررت كثيرا على ألسن قراء «تفسير الشعراوي» حقيقة أن هناك فرقًا كبيرًا بين عملية مشاهدة وسماع الشعراوي وهو يفسر القرآن، وعملية قراءة تفسيره المكتوب والمطبوع، وظهر شبه اتفاق على أن الشيخ «يُسمع ولا يُقرَأ»، وترمي هذه العبارة إلى فقدان إمام الدعاة للجاذبية من خلال النص أو التفسير المكتوب. وتتجلى من هذه الملاحظة الفجوة بين النص المرئي والنص المكتوب. ويرجع ذلك إلى أن من قام بإعداد التفسير وكتابته هو شخص آخر غير الشيخ الشعراوي، حيث قام هذا الشخص بتفريغ التسجيل التلفزيوني على الورق ثم راجعه الشيخ قبل الطباعة.

ومن مآثر الشعراوي الأخرى دوره الكبير في إنشاء البنوك الإسلامية بمصر مثل المصرف الدولي الإسلامي للاستثمار، وبنك فيصل الإسلامي، حيث وقف الدكتور حامد السايح، وزير الاقتصاد والمالية المصري آنذاك، في مجلس الشعب وأشاد بتجربة التعامل بأحكام الشريعة الإسلامية في الاقتصاد المصري، وفوَّض الشيخ الشعراوي لوضع خطوات إنشاء مؤسسات مالية تعمل وفق أحكام الإسلام.

وفاة إمام الدعاة

في فجر يوم الأربعاء 17 يونيو 1998م توفي الشيخ الشعراوي في منزله بالهرم، بعد رحلة مع المرض، ودفن بمسقط رأسه في دقادوس، وكان يومًا مشهودًا اتسعت فيه القرية لاحتضان مئات الألوف من الناس الذين حضروا من شتى أنحاء مصر وبعض الدول الأخرى لتوديع شيخهم الى مثواه الأخير.

fiogf49gjkf0d