المشرف العام
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.المعوقات والحلول
تمت الإضافة بتاريخ : 30/11/2017م
الموافق :

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.المعوقات والحلول

سيد نوح

المعوقات الخارجية

يُراد بالمعوقات الخارجية: ما يعترض طريق الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر من عقبات ليست من صنعه، وإنما من صنع الآخرين وأهمها:

أ- مصادرة بعض الحكومات لشعيرة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والضرب بيد من حديد على كل من يحاول كسر هذه المصادرة!!

فقد ابتليت الأمة ببعض حكومات استعبدتها الأهواء والشهوات، وأثرت فيها الشبهات، والتخويفات من تطبيق الإسلام والعمل بأحكامه وآدابه، فرأت أن أمنها، وسلامتها في مصادرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والضرب بيد من حديد على كل من يحاول كسر هذه المصادرة.

 

ويمكن للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر تخطي هذا المعوق، وتلك العقبة بمراعاة هذه الجوانب:

1- توثيق الثقة بذوي الوجاهة، والنفوذ لدى هذه الحكومات لإفهامها أن الإسلام لا يحرمها الشهوات، ولا يمنعها من التقدم، والصدارة، غاية ما في الأمر أنه يطلب منها: أن تشبع الشهوة بالحلال، وأن تكون وسطاً بين الغلو وبين الإسراف وألا يحمل إشباع هذه الشهوات على الجور، والظلم، وتضرب لهم الأمثلة من حياة الخلفاء والأمراء في الماضي، وكيف أنهم مُتعوا بكل شيء في ظل خضوعهم للإسلام، ونزولهم على حكمه. فلعل وقوف هؤلاء على هذه الحقائق يحملهم على فتح الباب للقيام بواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على أن تراعى فيه شروطه وآدابه.

2 - تفهيم هذه الحكومات أن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إنما يعملون لمصلحتهم في الدنيا والآخرة، وحتى لو فاتت مصلحة الدنيا، فإن مصلحة الآخرة هي الأهم والأبقى والأعظم، وفي الأمثلة التالية ما يوضح هذا الجانب:

كتب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - إلى فقهاء العراق أن يأتوه فاعتل الحسن أصيب بعلة بفتق في بطنه وكتب إليه: \"يا أمير المؤمنين: إن استقمت استقاموا، وإن ملت مالوا، يا أمير المؤمنين: لو أن لك عمر نوح، وسلطان سليمان، ويقين إبراهيم، وحكمة لقمان، ما كان لك بد من أن تقتحم العقبة: الجنة أو النار، فمن أخطأته هذه دخل هذه\"، فلما أتاه الكتاب أخذه فوضعه على عينه، ثم بكى، ثم قال: كيف لي بعمر نوح، ويقين إبراهيم، وسلطان سليمان، وحكمة لقمان؟! ولو نلت ذلك لم يكن لي بدُّ أن أشرب بكأس الأولين.

 

ودخل خالد بن صفوان مرة على عمر بن عبد العزيز، فقال له: عظني يا خالد، فقال: إن الله لم يرض أحداً أن يكون فوقك، فلا ترض أن يكون أحد أولى بالشكر منك، قال: فبكى عمر حتى غشي إليه، ثم أفاق، فقال هيا يا خالد: لم يرض أن يكون أحد فوقي، فو الله لأخافنه خوفاً، ولأحذرنه حذراً، ولأرجونه رجاء، ولأحبنه محبة، ولأشكرنه شكراً، ولأحمدنه حمداً يكون ذلك غاية طاقتي، ولأجتهدن في العدل، والنصفة، والزهد في فاني الدنيا، وزوالها، والرغبة في بقاء الآخرة ودوامها، حتى ألقى الله - عز وجل - فلعلي أن أنجو مع الناجين، وأفوز مع الفائزين، وبكى حتى غشي عليه(2).

وهذا شقيق البلخي يقول له هارون الرشيد أوصني، فيقول له:

يا أمير المؤمنين: إن الله - تعالى -قد أجلسك مكان الصديق، وإنه - تعالى - يطلب منك مثل صدقه، وإنه - تعالى -أعطاك مكان الفاروق، وهو يطلب منك مثل عدله، وإنه - تعالى -أجلسك مكان عثمان، وهو يطلب منك مثل حيائه وخوفه، وإنه أعطاك مكان علي وهو يطلب منك مثل علمه وحكمه، فقال له هارون الرشيد: زدني يا شقيق، فقال شقيق: يا أمير المؤمنين: إن لله داراً تعرف بجهنم، وإنه جعلك بواباً عليها، وأعطاك ثلاثة أشياء لترد عباده عنها، أعطاك بيت المال والسوط، والسيف، وأمرك أن تمنع الناس عن دخول النار، فمن جاءك محتاجاً إلى طعام حلال، فلا تمنع حقه في بيت المال، حتى لا يسرق، ويقتل، ومن خالف أمر الله وخرج على حدود الله فأدبه بالسوط، ومن قتل نفساً بغير حق فاقتله بالسيف، إلا أن يعفو ولي المقتول، فإن لم تفعل في ملكك بدين الله، فأنت زعيم أهل النار، فقال له الرشيد: زدنا. فقال له شقيق: يا أمير المؤمنين، إن مثلك كمثل منبع الماء، والعلماء، والأمراء هم السواقي على منبع الماء، فإذا كان المنبع صافياً نقلت السواقي الماء صافياً، وإن كان النبع كدراً، كان ماء السواقي كدراً، فبكى هارون الرشيد من قوله، وأمر له بمال، فأبى أن يأخذه، وتركه وانصرف.

3 - تنبيه هذه الحكومات أنها إن صادرت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واضطهدت أهله، فإن المنكرات تتفشى، ويصبح الناس غير آمنين في دينهم، ودمائهم، وعقولهم، وأعراضهم، وأموالهم، وقد يحمل ذلك العلماء على توجيههم سراً إن لم يكن علانية، وحينئذ تنهب الثروات وتكون الفوضى، ويقع ما لا يحمد عقباه.

استدعى المندوب السامي الفرنسي في سورية: الشيخ عبد الحميد الجزائري وقال له: إما أن تقلع عن تلقين هذه الأفكار، وإلا أرسلت جنوداً لإغلاق المسجد الذي تنفث فيه هذه السموم، وإخماد أصواتك المنكرة، فأجاب الشيخ عبد الحميد: أيها المسيو الحاكم، إنك لا تستطيع ذلك، استشاط المسيو غضباً، وقال: كيف لا؟

قال الشيخ: إذا كنت في عرس علَّمت المحتفلين، وإذا كنت في مأتم وعظت المعزين، وإن جلست في قطار علمت المسافرين، وإن دخلت السجن أرشدت المسجونين، وإن قتلتموني ألهبت مشاعر المواطنين، وخير لك أيها المسيو ألا تتعرض للأمة في دينها ولغتها.

4 - تذكير هذه الحكومات بمصائر الظالمين، وأنها إن لم تعدل فإن الله لها بالمرصاد، وإذا تأخر العقاب فليس عن غفلة أو نسيان، وإنما هو استدراج من ناحية، وقد جعل الله لكل أجل كتاباً من ناحية أخرى، وصدق الله إذ يقول: ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون (123) (هود)، وإذ يقول: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار 42 (إبراهيم).

إذ لعل هذا التفكير يحمل على رجوع هذه الحكومات إلى صوابها، وإفساح المجال لكلمة الحق تقال، فتحيا هذه الشعيرة، ويكون الأمن والأمان.

5 - حرص الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر على التسلح بالعلم الصحيح مع قوة الحجة وسلامة المنطق، إذ ربما كانت مصادرة هذه الحكومات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واضطهاد أهله نابعة عن شبهات، وتأويلات يمكن القضاء عليها بالعلم الصحيح القائم على قوة الحجة وسلامة المنطق، وربما تكون ناشئة عن الجدل، فيكون الفصح والإفحام وإلزام الحجة.

عن الشعبي قال: كنت عند الحجاج، فأتي بيحيى بن يعمر فقيه خراسان من بلخ مكبلاً بالحديد، فقال له الحجاج: أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله {، فقال: بلى، فقال الحجاج: لتأتيني بها واضحة بيّنة من كتاب الله، أو لأقطعنَّك عضواً عضواً، فقال: آتيك بها يا حجاج، فقال له الحجاج، ولا تأتيني بهذه الآية: ندع أبناءنا وأبناءكم (آل عمران: 61)، فقال: آتيك بها واضحة من كتاب الله وهو قوله: ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى\" وهارون وكذلك نجزي المحسنين 84 وزكريا ويحيى\" وعيسى\" وإلياس كل من الصالحين 85 (الأنعام)، فمن كان أبو عيسى وقد ألحق بذرية نوح؟ قال: فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله، حلوا وثاقه، وأعطوه من المال كذا وكذا(3).

6 - الدعاء لهذه الحكومات بالصلاح والهداية فإن صلاحها وهدايتها صلاح وهداية للأمة، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -: لو كانت لي دعوة مستجابة لادخرتها للسلطان، ومعلوم أثر الدعاء إن خرج من قلب تقي نقي، يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه، أنه قد يحول القلب القاسي إلى قلب لين وجل، يحمل الجوارح على فعل كل بر، والكف عن كل شر.

 

ب - استنكار العلماء الرسميين، وذوي القرابة والأتراب وغيرهم، إذ قد يستنكر هؤلاء على القائمين بهذه الشعيرة بدافع أنها تجلب عليهم ضراً، وتعرضهم للمحنة، وكان أجدر بهم أن يسكتوا، وأن ينعموا براحة البال كما ينعمون، ويمكن تجاوز هذا المعوق بما يلي:

1 - إفهام هؤلاء المستنكرين بأن ما أنكروه إنما هو واجب عليهم، كما وجب على المستنكَر عليهم سواء بسواء، وكان أجدر بهم أن يسهموا في تقوية هذه الشعيرة بدل الاستنكار، وتثبيط العزائم.

2 - تذكير هؤلاء بالثمرات المترتبة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومنها توفير الأمن لهم، ولذويهم والناس أجمعين في العقيدة، والدم، والعقل، والعرض، والمال، وكذلك الإعذار إلى الله - عز وجل - قال - تعالى -: وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى\" ربكم ولعلهم يتقون 164 (الأعراف).

3 - تذكير هؤلاء كذلك بأن الأمور قد جرى بها القضاء والقدر أزلاً، وتبعاً لذلك فإنه ليس بمقدور أهل الأرض أن يصيبوا المرء بما لم يقدره الله، وليس بمقدورهم كذلك أن يدفعوا عنه ما قدره الله، وأن ما يصيب المرء من وراء القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكفر عنه ما اقترفت يداه، أو يرفع من درجاته، ويجعله في مصاف الصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

4 - أن يدرك هؤلاء أنه ليس من الأخلاق، والمروءة، والآداب رؤية المنكرات، وعصب العيون، وصم الآذان، وتكميم الأفواه، فلا ذمَّ، ولا إنكار، بحيث يستشري الشرٌّ، ويعمٌّ الفساد. فكيف لو كان إنكار المنكرات ديناً، وعبادة تقرب العبد بها إلى الله - عز وجل -؟!

5 - إيقاف هؤلاء على سير القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكيف أنهم نجحوا في أداء واجبهم، رغم ما أصابهم في أنفسهم، وأهليهم، وأولادهم، وذويهم، ولم يكونوا يلوون على شيء إلا على رضا الله - عز وجل -!

تلكم أهم معوقات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه سبيل تجاوز هذه المعوّقات، وتلك العقبات.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) انظر: صلاح الأمة في علو الهمة، د. سيد العفاني، 3-161.

(2) المصدر السابق.

(3) التفسر الكبير للفخر الرازي.

         أضف تعليق