المشرف العام
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل نطاق الأسرة (2)
تمت الإضافة بتاريخ : 25/11/2017م
الموافق :

د. عبدالرب نواب الدين آل نواب

من منكَرات البيوت فيما يتعلق بالأخلاق والآداب:

أ- الانشغال باللهو، وقد أضحى اللهوُ في عصرنا (فنًّا) يَنال كلَّ أحدٍ، واللهو منه المحرَّم، ومنه المكروه، ومنه المباح، لكن بقدرٍ، ولئن كان الدين الحنيف لم يَنْهَ عن اللهو المباح والترفيه والترويح في حدود الشرع، إلا أنه يَحرُم الخلودُ إليه، والاشتغال به اشتغالاً تَضيع معه الصلوات، ويَنغمِس المرء في الشهوات، فيُصبح كمُدمن خمرٍ، أو عابد وثَنٍ، لا يَكتَرث بالمصير ولا الجزاء، ولا يَعرِف موتًا ولا حياة ولا نشورًا؛ كما قال - تعالى -: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ [مريم: 59 - 60].

 

والخَلْف: قال الطبري: فحدَثَ مِن بعد هؤلاء الذين ذكرتُ مِن الأنبياءِ الذين أنعمتُ عليهم، ووصفتُ صِفتَهم في هذه السُّورةِ، خَلْفُ سَوْءٍ في الأرضِ؛ أضاعوا الصلاةَ.

 

وإضاعة الصلاة: تأخيرُها عن وقتْها، وقيل: ترْكها، وقيل: الإخلالُ بشروطها[1].

 

وهذا كلُّه يحصل بالانغماس في اللهو والشهوات، والافتتان بزخارف الدنيا.

 

فمن مسؤوليات الوالدينِ - لا سيما الأب - العملُ الدائب على وقاية الأولاد مساوئَ الانغماس في اللهو وإدمانه، وهو ما يصير إليه الولد إن أُهمِل في نشأته، ولم يُبَصَّر بالصالح والطالح مما يَفِد إلينا عبر قنوات الإعلام من المجتمعات غير الإسلامية، الأمر الذي يؤدي بالتدريج إلى الانسلاخ من الدين، كما أشارت الآية الشريفة بإضاعة الصلوات أولاً، وباتِّباع الشهوات والانغماس فيها بعد ذلك.

 

وقد أصبح منْعُ هذا الغزو الفكري - المُقنَّن بالكلية - غيرَ مقدورٍ عليه، فلم يبقَ معه إلا التربية الإسلامية السويَّة، بدءًا من داخل البيت مما هو من مسؤوليات الآباء، تضافُرًا مع المؤسسات التربوية الأخرى، وإلاَّ فإن عاقبة الإهمال وخيمة، وقد أشار إليها حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ليَكونَنَّ من أُمتي أقوامٌ يَستحِلون الحِرَ - أي: الفرْج - والحرير، والخمر، والمعازف، وليَنزِلَنَّ أقوام إلى جَنْب عَلَمٍ - أي: جبل - يَروح عليهم بسارحة لهم - يعني: الراعي بغنَمهم - يأتيهم - أي: الفقير - فيقولون: ارجِع إلينا غدًا، فيُبيِّتهم الله، ويضع العلَم، ويَمسَخ آخرين قِردةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة))[2].

 

ب- ومن المنكرات: قطيعة الرَّحم، وهجْر الأقارب:

وقد تمضي أشهر دون أن يعرِف عنهم شيئًا، فضلاً عن أن يتفقَّد حاجاتهم ويَصِلَهم، وقد يكون ذلك على مستوى الأفراد أو الأُسَر، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يدخل الجنةَ قاطعُ رحمٍ))؛ رواه جُبير بن مُطعم عن أبيه - رضي الله عنه[3].

 

ج- ومنها آفات اللسان:

وصورها كثيرة؛ كالسبِّ واللعن، والغِيبة والكذب، والطعن في النسَب أو المهنة، ونحو ذلك كثير، وكل ذلك فِسق؛ ففي حديث عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((سِباب المسلم فُسوق، وقتاله كُفر))[4].

 

وفي حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((المسلم مَن سلِم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر مَن هجَر ما نهى الله عنه))[5].

 

ومن آفات اللسان التي تُعَد من أوخمِ المنكرات: الكذب، وهو من صفات المنافقين، ولا يكون المسلم الصادق الإسلام كاذبًا أبدًا؛ ولهذا لَمَّا سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أيكون المؤمن جبابًا، قال: ((نعم))، قيل: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: ((نعم))، قيل: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: ((لا))؛ رواه صفوان بن سُليم - رضي الله عنه[6].

 

إن تربية الذرية على فضيلة الصدق، وتقويم أخلاقهم عليها، وتحذيرهم من منكر الكذب - وهو جامع القبائح والخسائس - من أهم مسؤوليات الآباء نحو الأبناء.

 

وفي حفظ اللسان حديثُ أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: ((ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليَصمُت))[7].

 

وما من ريبٍ في أن الأبوينِ هما القدوة العملية المباشرة للأولاد في حُسن التأني في القول، وفي تجنُّب آفات اللسان كلها؛ فالطفل يرى الأخلاق والمُثُل والقِيَم، وكل المعاني الشريفة من خلال أبويه، فيُحاكيهما ويُقلدهما، ويتعلم منهما، ويرى أن ما عليه أبواه هو الصواب الذي لا مَحيد عنه؛ لذا وجَب على الأبوين أن يقُوما بدورهما التربوي هذا خيرَ قيامٍ، وأن يَحتَرِزا من الوقوع في زَللٍ؛ كيلا يُتابَعا عليه، وتَصوَّر أن ولدًا سمِع أباه يَلعَن ويَسُبُّ بأقبح الأسماء - كالكلب والحمار - وجرَّب عليه كذبًا، فكيف ينشأ سليمَ النفس قويمَ اللسان؟!

وقديمًا قالوا:

وينشأُ ناشئُ الفِتيان فينا

على ما كان عوَّده أبوهُ

 

وسيأتي حديث آخرُ عن أخلاق وآداب البيوت في الفصل التالي - إن شاء الله.

 

د- ومن منكَرات البيوت: إهمال النظافة:

والمسلم الراشد نظيفُ البدن، طاهر الثياب، نقيُّ القلب، تقيٌّ حَفِيٌّ، والإسلام - وهو دين النظافة - شرَع سلسلةً من التدابير الشرعية التي تجعل المسلم طاهرًا وَدودًا؛ منها: الوضوء للصلاة، وفيه غسْل الأعضاء الظاهرة التي هي مَظنة الأوساخ ونقْل الجراثيم، كما أوجب الغُسل من الجَنابة ومن الحَيض والنِّفاس؛ قال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾ [المائدة: 6].

 

وأرشد ووجَّه ورغَّب في غُسل يوم الجمعة؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((غُسل يوم الجمعة واجبٌ على كل مُحتلم، وأن يَسْتنَّ وأن يَمَسَّ طِيبًا))[8].

 

والاستنان: هو السِّواك الذي هو مَطهرة للفم، مَرضاة للربِّ، وفي أهميَّته حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لولا أن أَشُقَّ على أُمتي، لأمرتُهم بالسِّواك مع كل صلاة))[9].

 

فالمسلم طيِّب الريح، نظيف الثياب، طاهر القلب، يَجمَع بين الطهارة الحسيَّة والمعنوية، إن نسِي شيئًا من ذلك، ذُكِّر، فتذكَّر، وإن ترَكه - تهاوُنًا - أُنكِر عليه بالأسلوب الحكيم، وبالتي هي أحسن، وتأسيس هذا المفهوم التربوي يبدأ - ولا ريبَ - من داخل البيت المسلم الراشد.

 

هـ - ومن المنكَرات: الإغلاظ في معاملة الخدم ومَن في حُكمهم:

وكذلك التواصي بالشِّدة عليهم، وهو ما يحصل غالبًا بين النساء ربَّات البيوت، وتأخير مستحقَّاتهم، والمُماطلة فيها، وهو ينافي أخلاقيات المسلم الواعي المُستبصر؛ فالاستخدام لا يكون إلا لحاجة وضرورة، ولا بد من التعامل الحسن بالتلطُّف والرِّفق؛ اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم، وقد قال أنس - رضي الله عنه -: "خدَمت النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنوات، فما قال لشيءٍ صنعتُه: ((لِمَ صنعت كذا؟))، ولا لشيءٍ لم أصنعْه: ((ألا صنعتَ كذا))"[10].

 

ومن منكَرات الاستخدام: استقدام خدمٍ غير مسلمين، وتقديمهم على المسلمين؛ سواء كانوا خدمَ منازلَ، أو سائقين، أو مُربِّيات، ونحو ذلك، وهذا خلاف الأَولى.

 

ويتأكَّد النهي إن كان في جزيرة العرب التي حضَّ الدين الحنيف على أن تظَلَّ أبدَ الدهر طاهرةً من المشركين، لا يَقطُنونها ولا يستوطنونها إلا لحاجة وإلى أجَلٍ؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أخرِجوا المشركين من جزيرة العرب))؛ رواه ابن عباس - رضي الله عنهما[11].

 

وفي حديث عمر - رضي الله عنه - مرفوعًا: ((لا يَجتمع دينانِ في جزيرة العرب))[12].

 

وقد تساهَل الناس في هذا، وتساهَل كثيرٌ منهم في الاختلاط بالخدم والسائقين والمُربِّيات؛ فقد تخرج المرأة العفيفة المَصونة مع سائق الأُسْرة في سيارة بمفردهما، وهذه خَلوة لا يُقِرها الشرع ولا المُروءة، وقد يختلي رجلٌ بخادمة الأسرة أو بالمُربية، وقد يتورَّط مراهقٌ في مغازلة خادمة ونحوها، وهذه كلها من منكَرات البيوت التي يجب على الأبوين إنكارُها والعملُ على إزالتها، وتوقِّيها قبل استفحال خطرها.

 

وتأمَّل كيف منَع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُخنَّثًا من الدخول على النساء؛ كما في حديث أمِّ سلَمة - رضي الله عنها - أنه - صلى الله عليه وسلم - كان عندها وفي البيت مُخنَّث؛ فقال المُخنث لأخي أمِّ سلَمة - عبدالله بن أُمية -: إن فتَح اللهُ عليكم الطائف غدًا، أَدُلَّك على ابنة غيلان، فإنها تُقبل بأربعٍ، وتُدبر بثمان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يَدخُل هذا عليكُنَّ))[13].

 

ومن منكَرات البيوت مما يتعلق بالجانب الاقتصادي:

أ- الإسراف في المطعم والمشرب، والملبس والمَركْب والأثاث، والإسراف والتبذير مَنهيٌّ عنه في كلِّ شيء؛ قال - تعالى -: ﴿ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 26 - 27]، وقال: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31]، ودعا إلى التوسُّط والاعتدال في الإنفاق، فقال: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29].

 

ومن صُور الإسراف: الإسراف في ولائم الزواج، وفي حفلات التكريم، وفي الموائد اليومية، وفي مائدة الإفطار في شهر رمضان، وفي تغيير أثاث البيت كلَّ عام، ونحو ذلك، وفي تغيير (موديل) السيارة دون حاجة مُعتبرة سوى التجديد، وفي اتخاذ النمارِق والسُّتور التي فيها تصاويرُ، وفي استخدام عددٍ من الخدم والسائقين دون حاجةٍ إليهم، بل للمُباهاة، وصور الإسراف عديدة، ولو رُحنا نُعددها ونَضرِب عليها الأمثلة، لطال بنا المقام.

 

ولئن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كَرِه سترًا يُذكِّره بالدنيا ودَعتها، فكيف بما هو أشد من ذلك؟!

 

تقول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -: "كان لنا سترٌ فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبَله، فقال لي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((حولِّي هذا؛ فإني كلما دخلتُ فرأيتُه، ذكَرت الدنيا))[14].

 

هذا ومنكَرات البيوت كثيرة، تختلف بحسب البيئة ونمَط الحياة، ودرجة التأثر بروافد الغزو الثقافي، كما يختلف أسلوب تغيير تلك المنكرات والنهي عنها بحسَب المدارك الثقافية، وأنماط المؤثرات اليومية التي يتعرَّض لها الناشئة، وقوة الإيمان الذي يَنعَم به الأبوانِ المسلمانِ.

 

والتوفيق من الله الكبير المُتعال، لا رادَّ لفضله، ولا مُعَقِّب لحُكمه، وهو العليم الخبير.

______________________

[1] النكت والعيون (3/ 379).

[2] رواه البخاري في كتاب الأشربة، باب فيما جاء فيمَن يستحلُّ الخمر (10/ 51).

[3] مسلم في كتاب البر والصِّلة (2556).

[4] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الإيمان، حديث (48)، ومسلم في كتاب الإيمان (64).

[5] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الإيمان، حديث رقم (10)، ومسلم في كتاب الإيمان، حديث (40).

[6] رواه مالك في الموطأ، كتاب الجامع، حديث (1571).

[7] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الأدب، حديث (6018)، ومسلم في كتاب الإيمان (47).

[8] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الجمعة (880) واللفظ له، ومسلم في كتاب الجمعة (846).

[9] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الجمعة (887) واللفظ له، ومسلم في كتاب الطهارة (252).

[10] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الأدب، حديث (6038)، ومسلم في كتاب الفضائل، حديث رقم (2309).

[11] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الجهاد، حديث (3053)، ومسلم في كتاب الوصية، حديث (1637)، وهو جزء من حديث.

[12] رواه مالك في الموطأ في كتاب الجامع، حديث (1388)، وأصلُه في الصحيحين: البخاري في كتاب الشروط، حديث (2730)، ومسلم في كتاب المُساقاة، حديث رقم (1551).

[13] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب النكاح (5235)، ومسلم في كتاب السلام (4069).

[14] رواه مسلم في كتاب اللباس، حديث رقم (2107).

         أضف تعليق