المشرف العام
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل نطاق الأسرة (1)
تمت الإضافة بتاريخ : 25/11/2017م
الموافق :

د. عبدالرب نواب الدين آل نواب

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سِمة المؤمنين؛ قال - تعالى -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71].

 

وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن النكر، كما أنها شعارُ المجتمع الإسلامي كله - إذ يجب أن تكونَ بين المسلمين أُمةٌ تقوم بهذا الواجب الجليل؛ عملاً بقول الباري - جل ذكره -: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104] - فإن هذه الفريضةَ كذلك في حق الأبوين وغيرهما من أفراد الأسرة آكَدُ، كلٌّ بحسب استطاعته وولايته، لا سيما الأب بمقتضى قوامته على مَن جعله الله تحت ولايته من النساء والذرية؛ لأن الاستطاعةَ والقدرة في حقِّه مُتحققة في الأغلب.

 

وهذا باب عظيمُ الأثر، كثيرُ الجدْوى والنفع؛ إذ لو قام كل مسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل بيته وفي نطاق ولايته وأُسرته - لاختَفتِ المنكرات الظاهرة من المجتمع، ولأصبح مجتمعًا هو أقرب إلى التقوى والإحسان.

 

وأُجمِل فيما يلي أهمَّ أبواب المعروف الذي يؤمَر به داخل البيوت، مما يغلِبُ وقوعُه وتَمَسُّ الحاجة إليه:

إحياء السُّنة وإماتة البدعة:

فلقد درَج على هذا السلفُ الصالح، ونشأ عليه أولادُهم وذراريُّهم، ومهمة المسلم الصادق اتِّباعُ السُّنة في كلِّ شؤونه، وترْك البِدع، وفي ذمِّ البدع حديثُ عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن عمِل عملاً ليس عليه أمرُنا، فهو ردٌّ))، وفي رواية: ((من أحدَث في أمرِنا هذا...))[1].

 

وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كَلِمه - صلى الله عليه وسلم - فإنه صريحٌ في ردِّ كل البدع والمخترعات، وفيه ردُّ كل المُحدثات؛ سواء أحدَثها الفاعلُ، أو سُبِقَ بإحداثها[2].

 

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أبغض الناس إلى الله ثلاثة: مُلحد في الحرَم، ومُبتغٍ في الإسلام سُنة جاهلية، ومُطَّلِب دَمِ امرئٍ بغير حقٍّ؛ ليُهَرِيق دمَه))[3].

 

وفي إحياء السُّنة حديثُ جرير بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من سنَّ في الإسلام سنة حسنة، فعُمِل بها، كُتِب له مثلُ أجر مَن عمِل بها، ولا يَنقص من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيِّئة، فعُمِل بها بعده، كُتِب عليه مثلُ وِزرِ مَن عمِل بها، ولا يَنقص من أوزارهم شيءٌ))[4].

 

والسنن المتروكة تختلف باختلاف البيئة ونمَط الثقافة وأسلوب الحياة، وكذلك البدع، فهي على دَرَكات، والأب الحصيف يعالج المشكلةَ بأسلوب حكيمٍ، وسَعةِ صدرٍ، وتدرُّجٍ وتأنٍّ، وهو يدرك أهمية إحياء السُّنن وآثار إهمال البدع، وأنه ما ظهرت بدعة إلا ونُسِيت مكانها سُنة، وتلك ثُلْمة في الدين، يُوشك - إن أُهمِلت - أن تَضِيعَ معالِمُ الدين كله.

 

الكسل عن أداء العبادات:

وهو عامة المنكرات في البيوت، وأهم العبادات التي يؤمَر بها: إقامة الصلوات المفروضة في أوقاتها، بكامل أركانها وشروطها وواجباتها، يؤمَر لها الولدُ من الجنسين منذ سنِّ التمييز كما سبق ذكرُه، وتأمَّل قول الله - تعالى -: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه: 132]، وقوله عن لقمان: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: 17].

 

ومما يتعلق بالصلاة: إيقاظُ الأولاد لصلاة الفجر باتِّخاذ الأساليب والأسباب المناسبة لذلك، ومنها: التربية والتعويد على الأذكار المشروعة الواردة في ذلك، ومنها ما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يَعقِد الشيطانُ على قافية أحدكم - إذا هو نام - ثلاثَ عُقَدٍ، يضرب على كل عُقدة مكانها: عليك ليلٌ طويل، فارقُد، فإذا استيقَظ فذكَر الله، انحلَّت عقدة، فإن توضَّأ انحلَّت عقدة، فإن صلَّى انحلَّت عُقَدُه كلها، فأصبح نشيطًا، طيِّبَ النفس، وإلا أصبح خبيثَ النفس، كسلانَ))[5].

 

فيأخذ الأب أبناءَه إلى المسجد؛ ليتربَّوا على أداء هذه العبادة الجليلة في جماعة المسلمين في المساجد، وتُراقب الأمُّ كذلك بناتِها، تأمُرهنَّ بالصلاة في البيت.

 

إن الاهتمام بأمر الصلاة وإلزام الأولاد بأدائها وإقامتها على الوجه المطلوب - من كبرى دعائم استقرار البيوت وصلاحها، وإن إهمال ذلك يجرُّ الخيبة والحَسرة على مَن تسبَّب فيه، لا سيما الشباب المراهق من الجنسين، وغالبًا ما يحصل التساهل معهم، على الأخص الفتاة المسلمة البالغة التي يجب تعليمُها أحكامَ الطهارة والصلاة.

 

وانظر كيف عُنِي العلماءُ بهذا الجانب من الدين؛ فهذا ابن تيميَّة - رحمه الله - يقول: "والمرأة الحائضُ إذا انقطَع دمُها في الوقت، ولم يُمكنها الاغتسالُ إلا بعد خروج الوقت، تيمَّمت وصلَّت في الوقت، ومن ظنَّ أن الصلاة بعد خروج الوقت بالماء خيرٌ من الصلاة في الوقت بالتيمُّم، فهو ضالٌّ جاهلٌ"[6].

 

وقال: لا يجوز لأحدٍ أن يؤخِّر صلاة النهار إلى الليل، ولا صلاة الليل إلى النهار لشُغلٍ من الأشغال؛ لا لحصدٍ، ولا لحَرثٍ، ولا لصناعة، ولا لجَنابة، ولا نجاسة، ولا صيدٍ، ولا لَهْوٍ، ولا لَعِبٍ، ولا لخدمة أستاذٍ، ولا غير ذلك، بل المسلمون كلهم متَّفقون على أن عليه أن يصلي الظهر والعصر بالنهار، ويصلي الفجر قبل طلوع الشمس، ولا يترك ذلك لصناعة من الصناعات، ولا للهوٍ، ولا لغير ذلك من الأشغال.

 

ثم ساق - رحمه الله - أدِلَّته، وهي حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن فاتَته صلاةُ العصر، فكأنما وُتِر أهله وماله))[7]، وحديث بُريدة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن ترَك صلاة العصر، حبِط عمله))[8].

 

وفي وصية أبي بكر - رضي الله عنه - لعمرَ بن الحطاب - رضي الله عنه - قال: "إن لله حقًّا بالليل لا يَقبله بالنهار، وحقًّا بالنهار لا يقبله بالليل"[9].

 

وهكذا بيَّن أهلُ العلم أهميَّة المحافظة على الصلاة والمُداومة على إقامتها، وكذا أمر الزكاة والصوم والحج، وسائر الفروض والسنن، لا سيما السُّنن المؤكَّدة؛ كركعتَي الفجر، وفي حديث عائشة - رضي الله عنها -: "لم يكنِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على شيءٍ من النوافل أشدَّ منه تعاهُدًا على ركعتي الفجر"[10].

 

ولو استرسَل القلم في إيراد الأبواب جميعها، لطال الحديث، وحسبُنا هذا القدر، والله الموفِّق، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه.

 

منكَراتٌ تتعلق بالنساء:

وهي كثيرة متنوعة، تختلف باختلاف البيئة والثقافة، أذكر منها:

أ- الاختلاط بين الرجال الأجانب والنساء، وهو محرَّمٌ، سواءٌ كان داخل البيت أو خارجه، وصُوَره كثيرة؛ منها: النظر، ومنها المصافحة، ومنها الخَلوة، ومنها الكلام غير البريء، ومنها التساهل مع الرجال الأقارب؛ كابن العم، وابن الخال، وأخي الزوج، وهو الحَمْو، و"الحمو الموت"؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم؛ رواه عُقبة بن عامر - رضي الله عنه[11].

 

وفي تحريم الخَلوة حديثُ ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأة، ولا تُسافِرَنَّ امرأةٌ إلا ومعها مَحرَم))[12].

 

ومنها أيضًا: التبرُّج والسفور، وهو خروج المرأة من بيتها مُتبرِّجة مُتعطِّرة، فاتنة مفتونة، تُظهر ما أمر اللهُ بسَتره من زِينتها وعَورتها، فتَخرُج لغير حاجة، أو تخرُج مع سائقٍ ونحوه، وليس من محارمها، وقد قال الله - تعالى -: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ [الأحزاب: 33].

 

ب- منكرات الزينة:

منها: الوشم والنَّمص، والفَلْج، ووصْل الشعر، وتَندرج كلها في الزينة المَنهي عنها، والوَشْم: حَشو الكُحل ونحوه تحت الجلد في أشكال مُعينة ليبقى زمنًا مديدًا.

 

والنَّمص: الأخذ من شعر الحاجبين ليَبدوَ رقيقًا.

 

والفَلْج: استخدام المِبْرَد بين الأسنان لتتباعَد، وقد ورَد في كل من هده الأفعال التجميلية لَعْنٌ؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسولُ - صلى الله عليه وسلم -: ((لعَن اللهُ الواشمة والمُستوشمة، والنامصة والمُتنمصة))[13].

 

وفي حديث عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "لعَن اللهُ الواشمات والمُستوشمات، والمُتنمِّصات والمُتَفَلِّجات للحُسْن، المُغيِّرات خلْقَ الله تعالى، ما لي لا ألْعَن مَن لعَن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم"[14].

 

وعلى العموم، فإن فتنة النساء اليوم على أشُدِّها، وعلاج هذه الفتنة يبدأ من داخل البيت؛ بحُسن التربية والتأديب، وبالحكمة في أسلوب التقويم والتهذيب؛ لتكون المسلمةُ مُقبلةً على تعاليم الدين الحنيف وأخلاقه وآدابه عن رضًا وقناعة وإيمانٍ، ولو أُهمِل هذا الجانب من حياة المسلمين، لعمَّت الفتن، وطمَّت المِحن، وكيف وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرِّجال من النساء))؛ رواه أسامة بن زيد - رضي الله عنه[15]؟!

 

وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((صِنفان من أهل النار لم أرَهما؛ قوم معهم سِياط كأذناب البقر، يَضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات، مائلات مُميلات، رؤوسهن كأسْنِمة البُخت المائلة، لا يَدخُلْنَ الجنة، ولا يَجِدْنَ رِيحها، وإن ريحها ليُوجَد من مسيرة كذا وكذا))[16].

 

وفتنة النساء اليوم على أشُدِّها، لا سيما أن جيلَنا يعيش عصر الإعلام المؤثِّر بكل صُوَرِه؛ المقروءة والمسموعة والمرئية، وأصبحت السلامة من هذه الفتنة أمرًا عسيرًا، إلا مَن رحِم الله، واستغلَّ ذلك أعداءُ الإسلام، فتفنَّنوا في تزيين الشهوات بكل صُوَر الإغراء؛ لتفكيك وإغواء الأسرة المسلمة، وإضعاف المجتمع الإسلامي، ومن ثَمَّ تقويض صرْح الإسلام، والله بما يعملون مُحيط؛ لذا كان قيامُ أفراد الأسرة المسلمة - كل بحسَب قدرته وموقعه ومسؤوليته - بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمناصحة والتذكير، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر؛ أمرًا لا مَندوحة عنه؛ سلوكًا لنهْج المسلمين، ودَرءًا للأخطار الاجتماعية والأخلاقية، والاقتصادية والثقافية المدمرة، التي تَحيق بالأسرة، فالمجتمع، فالأمة، إن توانَى المسلمون في إقامة هذه الشعيرة الإسلامية الجليلة.

___________________

[1] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الصُّلح (2697)، ومسلم في كتاب الأقْضِيَة (1718).

[2] المنهاج؛ للنووي (12/ 257).

[3] رواه البخاري في كتاب الدِّيَات (6882).

[4] رواه مسلم في كتاب العلم (1017)، والترمذي في كتاب العلم (2599)، والنسائي في كتاب الزكاة (2554)، وابن ماجه في المقدمة (203)، وأحمد في مسند الكوفيين (18367).

[5] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب بَدء الخلق (3269) واللفظ له، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين (776).

[6] مجموع الفتاوى (22/ 35).

[7] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة (552)، ومسلم في كتاب المساجد (626)، واللفظ لمسلم.

[8] رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة (594)، والنسائي في كتاب الصلاة (474)، وابن ماجه في كتاب الصلاة (694)، وأحمد في مسند الأنصار (21879).

[9] مجموع الفتاوى (22/ 27/ 28).

[10] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الجمعة (1163)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين (724).

[11] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب النكاح (5232)، ومسلم في كتاب النكاح (2172).

[12] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الجهاد (3006)، ومسلم في كتاب الحج (1341)، واللفظ للبخاري.

[13] رواه النسائي في كتاب الزينة، حديث (5101)، والبخاري في كتاب اللباس، حديث (5934)، ومسلم في كتاب اللباس (2124)، واللفظ للنسائي.

[14] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب اللباس (5931)، ومسلم في كتاب اللباس، حديث (2125).

[15] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب النكاح (5096)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء (2740).

[16] رواه مسلم في كتاب اللباس، حديث (2128)، وأحمد في مسند المكثرين، حديث (8311).

         أضف تعليق