المشرف العام
الداعية الصغير
الابتسامة من شعب الإيمان
 
تمت الإضافة بتاريخ : 09/03/2020م
الموافق : 15/07/1441 هـ

الابتسامة من شعب الإيمان

د. نايف بن أحمد الحمد

فهذا حديث عن عبادة غفل عنها الكثير، وأصبحت لا تُبذل إلا لمن يُرجى نفعه، عبادة يسيرة البذل، عظيمة الأجر، كثيرة النفع، أنثر بين يدي القارئ ما سيفتح له بابًا لها ليلِجه، والسعادةُ في ولوجه، ولن أخوض في تعريفها؛ لكيلا أُلبسها عباءة تشينها؛ فتعريف الواضحات من الفاضحات، وستبنى المقالة على عنوان وحديث أو أثر وشعر، فأقول مستعينًا بالله تعالى:

? الابتسامة أجر وثواب: فباذل الابتسامة مع مكاسبه النفسية والبدنية لن يعدم أجرها متى احتسب في ذلك؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ)[1].

? عدم احتقار الابتسامة واستقلالها: تعجب من حالنا ساعة نبخل ببذل الابتسامة متقالين أجرَها وأثرها؛ عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ)[2]،[3]، وفي رواية: (لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، فَإنْ لَمْ تَجِدْ، فَلَايِنِ النَّاسَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِمْ مُنْبَسِطٌ)[4].

لَنْ تَسْتَتِمَّ جَميلاً أَنْتَ فاعِلُهُ *** إلا وأَنْتَ طَليقُ الْوَجْهِ بُهْلولُ[5]

? سَعة الناس بالابتسامة: فالابتسامة ثوان معدودة، لكنها تشمل خَلقًا كثيرًا، ومحبةُ الناس لها لا تقل عن محبة غيرها من الملذات، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ)[6].

بشاشة وَجه الْمَرْء خير من القِرى *** فَكيف بِمن يَأْتِي بِهِ وَهُوَ ضَاحِك[7]

? تكرار التبسم عند كل لقاء: فالابتسامة ليست مخصوصة باللقاء الأول، بل تُثنَّى كلما تعددت اللقاءات؛ قال جرير بن عبدالله رضي الله عنه: "ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي"[8] بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم: ? وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ? [القلم: 4].

أَخُو البِشْرِ مَحْبُوْبٌ عَلَى حُسْنِ بِشْرِهِ *** وَلَنْ يَعْدَمَ البَغْضَاءَ مَنْ كَانَ عَابِسَا[9]

? مشاركة المتحدثين الابتسامة: ومن هديه صلى الله عليه وسلم مشاركة أصحابه الابتسامة متى رآهم يتحدثون ويضحكون، فلكل مقام مقال، ولكل حادث حديث؛ عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة رضي الله عنه: أكنتَ تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم كثيرًا، «كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح، أو الغداة، حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسَّم»[10].

? كثرة تبسمه صلى الله عليه وسلم: فلم يأت مثله صلى الله عليه وسلم في كثرة تبسُّمه مما تواترت به الأحاديث؛ قال عبدالله بن الحارث رضي الله عنه: "ما رأيت أحدًا كان أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم"[11].

? التبسم حال الغضب: ومن عجيب حاله صلى الله عليه وسلم في علاقته مع أصحابه ممن لهم سابقة في الإسلام ما رواه كعب بن مالك رضي الله عنه في حادثة تخلفه: فجئته فلما سلمت عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثم قال: (تَعَال)، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: (مَا خَلَّفَكَ، أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ)[12].

? التبسم حتى مع المسيء: لم يخص نبينا صلى الله عليه وسلم ابتسامته بالمقربين من أصحابه، بل عمَّ ببذلها القريب والبعيد والمحسن والمسيء؛ عن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْدٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدرَكه أعرابي، فجذَبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صَفْحَةِ عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثَّرت به حاشية الرداء من شدة جَذْبَتِهِ، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم «أمر له بعطاء»[13].

ضم المحاسن والإحسان نائله *** من كف بدر منير الوجه مبتسِم[14]

? الابتسامة سلاح بارد:

قال ابن عيينة رحمه الله تعالى: "البشاشة مصيدة المودة"؛ ا.هـ[15].

ثَارَ بِهِ الجَهلُ فَابتَسَمْتُ لَهُ

وَرُبَّ جَانٍ عِقابُهُ الضَّحِكُ[16]

****

وَإِنِّي لأَلْقَى المَرْءَ أَعْلَمُ أَنَّهُ

عَدُوٌّ وفي أَحْشَائِهِ الضِّغْنُ كَامِنُ

فَأَمْنَحُهُ بِشْرِي فَيَرْجع ودُّهُ

سَلِيْمًا وَقَدْ مَاتَتْ لَدَيْهِ الضَّغَائِنُ[17]

? ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ? [فصلت: 34، 35].

?التبسم لم يفارق نبينا صلى الله عليه وسلم حتى في مرض الموت: فقد ختم صلى الله عليه وسلم حياته في آخر لقاء له بأصحابه متبسمًا، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: إن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسَّم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة، «فأشار إلينا النبي صلى الله عليه وسلم أن أتِمُّوا صلاتكم وأرخى الستر، فتوفِّي من يومه»[18].

تَجافَى النَّومُ بَعْدَكَ عَنْ جُفُونِي

ولكِنْ ليسَ يَجفُوها الدُّموعُ

يُذَكِّرُني تَبَسُّمُكَ الأَقاحي

ويَحكي لي تَوَرُّدَكَ الرَّبيعُ

يطيرُ إليكَ مِن شَوْقٍ فُؤادِي

ولكنْ ليسَ تَترُكُهُ الضُّلوعُ

كأَنَّ الشَّمسَ لمَّا غِبْتَ غابَتْ

فليسَ لها على الدُّنيا طُلوعُ[19]

? ضحك المؤمنين في عرصات يوم القيامة: وللمؤمنين مواقف مشهودة في ساعة الموقف العظيم ذكره ربنا تعالى: ? وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ? [عبس: 38، 39]، "مِن ما عرفوا من نجاتهم، وفوزهم بالنعيم"؛ ا.هـ[20]، أما في علاقتهم مع مَن أساء لهم في الدنيا، فقال تعالى: ? فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ? [المطففين: 34].

? وأختم بما رواه أبو رزين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عَبْدِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ)، قال: قلت: يا رسول الله، أَوَيضحَك الرب عز وجل؟ قال: (نَعَم) قال: لن نَعْدَمَ من رب يضحك خيرًا[21].

وعن نُعيم بن هَمَّارٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا، فَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ)[22]، اللهم أكرِمنا ووالدينا بذلك بفضل منك ورحمة، والحمد لله رب العالمين.

____________________________

[1] رواه البخاري في الأدب (891) والترمذي (1956)، وحسَّنه، وصححه ابن حبان (474).[2] رُوِي طلق على ثلاثة أوجه: إسكان اللام وكسرها، وطليق، ومعناه: سهل منبسط.[3] رواه مسلم (2626).[4] رواه ابن حبان (468).[5] لمنصور الكريزي؛ كما في روضة العقلاء، 76، وقيل: لأبي العتاهية رحمه الله تعالى؛ مجموعة القصائد الزهديات، 2/ 259.[6] رواه أبو يعلى (6550)، والبزار (9319)، وصحَّحه الحاكم (428)، قال الحافظ: "وللبزار بسند حسن"؛ ا.هـ الفتح، 10/ 459.[7] غذاء الألباب، 2/ 150 موارد الظمآن لدروس الزمان، 3/ 510.[8] البخاري (3035)، ومسلم (2475).[9] للأبرش، روضة العقلاء، 75، والدر الفريد، 2/ 238.[10] رواه مسلم (670).[11] رواه أحمد (17704)، والترمذي (3641)، وصحَّحه الألباني في مختصر الشمائل (194).[12] رواه البخاري (4418)، ومسلم (2769).[13] رواه البخاري (3149)، ومسلم (1057).[14] نفح الأزهار في منتخبات الأشعار، 124.[15] بريقة محمودية، 3/ 254.[16] الدر الفريد، 5/ 463.[17] التذكرة الحمدونية، 2/ 188، والدر الفريد، 10/ 189، والمستطرف، 127.[18] رواه البخاري (680)، ومسلم (419).[19] لابن عبد ربه، العقد الفريد، 6/ 298.[20] تفسير السعدي، 911.[21] رواه أحمد (16187)، وابن ماجه (181)، والطبراني، 19/ 207، رقم (469)، وحسَّنه الألباني في السلسلة الصحيحة، (2810)، وانظر في بيان معناه مجموع الفتاوى لابن تيمية، 5/ 51، و6/ 121.[22] رواه أحمد (22476)، وسعيد بن منصور (2566)، والطبراني في مسند الشاميين (1167)؛ قال المنذري: "رواه أحمد وأبو يعلى ورواتهما ثقات"؛ ا.هـ؛ الترغيب والترهيب 2/ 319، وصحَّحه الألباني في صحيح الترغيب (1371)، ورواه الطبراني من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال المنذري: "رواه الطبراني بإسناد حسن"؛ ا.هـ؛ الترغيب والترهيب 2/ 319، وقال الألباني: "حسن صحيح"؛ ا.هـ؛ صحيح الترغيب (1372).

         أضف تعليق