المشرف العام
الداعية الصغير
متي نرتقي إلي هذا الأدب النّبويّ الرفيع؟
 
تمت الإضافة بتاريخ : 02/01/2020م
الموافق : 7/05/1441 هـ

متي نرتقي إلي هذا الأدب النّبويّ الرفيع؟

ابراهيم التركماني

ما استحقّ أحد من خلق الله -سواء كانوا من الأنبياء المرسلين أو من الملائكة المقربين- كما استحقّ النّبي محمد ( صلي الله عليه وسلم)، ثناء ربه -عز وجل- عليه بقوله تعالي: “وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ” (القلم:4)

لنعش في ظلال هذا الثناء الرباني للنّبي -صلي الله عليه وسلم- مع صاحب الظلال -رحمه الله-: (.. ثم تجيء الشهادة الكبرى والتكريم العظيم: {وإنك لعلى خلق عظيم}، وتتجاوب أرجاء الوجود بهذا الثناء الفريد على النبي الكريم ؛ ويثبت هذا الثناء العلوي في صميم الوجود! ويعجز كل قلم، ويعجز كل تصور، عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من رب الوجود، وهي شهادة من الله، في ميزان الله، لعبد الله، يقول له فيها: {وإنك لعلى خلق عظيم}.

ومدلول الخلق العظيم هو ما هو عند الله مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين!

ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد صلى الله عليه وسلم تبرز من نواح شتى:

تبرز من كونها كلمة من الله الكبير المتعال، يسجلها ضمير الكون، وتثبت في كيانه، وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء الله.

وتبرز من جانب آخر، من جانب إطاقة محمد صلى الله عليه وسلم لتلقيها. وهو يعلم من ربه هذا، قائل هذه الكلمة. ما هو؟ ما عظمته؟ ما دلالة كلماته؟ ما مداها؟ ما صداها؟ ويعلم من هو إلى جانب هذه العظمة المطلقة، التي يدرك هو منها ما لا يدركه أحد من العالمين.

إن إطاقة محمد صلى الله عليه وسلم لتلقي هذه الكلمة، من هذا المصدر، وهو ثابت، لا ينسحق تحت ضغطها الهائل ولو أنها ثناء ولا تتأرجح شخصيته تحت وقعها وتضطرب.. تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن.. وهو ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل.. ) ا.هـ

وتتجاوب الغاية من بعثة النّبي مع هذا الثناء الرباني الفريد “وإنك لعلى خلق عظيم”، في قوله -صلي الله عليه وسلم-: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) (السلسلة الصحيحة للألباني:45).

وقوله -صلي الله عليه وسلم-: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، يمثّل القمة السامقة -التي لا تطاول- في مكارم الأخلاق !

تأمّل قوله -صلي الله عليه وسلم- “لأتمّم”، إنه يشير -صلي الله عليه وسلم- إلي الالتقاء مع إخوانه السابقين من الأنبياء في الدعوة إلي القيم العالية، ومكارم الأخلاق، مع أن رسالات السماء انتهت إليه وما اكتملت إلا به، وشريعته نسخت ما قبله من الشرائع، وجمع الله له كل ما تفرق في إخوانه الأنبياء من محاسن الخصال ومزايا الفعال.. ولكنّه الأدب الجمّ، والذوق الرفيع، والخلق العظيم..!

إنّ الإنسان ما جاء إلي الدنيا ليهدم ما بناه غيره، ولا ليرتفع علي أنقاض الآخرين، ولا ليتجاهل ما قدّمه السابقون من خير للإنسانية..

إنّ فلسفة النظرة الأحادية المُشبَعة بالأنانيّة أورثت العالَم – أفرادا وجماعات ودولا – العداوة والبغضاء، وجعلت الاختلاف في الفكر وتعدد الرؤي، اختلاف تضارب وتناقض، لا اختلاف تنوع وتكامل..!

فهل تتعلم الأمة -لتتعلم البشرية من بعدها- هذا الأدب الرفيع والخلق العظيم من نبيّها -صلي الله عليه وسلم- مع إخوانه الأنبياء، فتتعالي علي خلافاتها، وتلتقي عند القضايا المصيرية، والهموم المشتركة، فتتعاون فيما بينها، ليكمل بعضها بعضا، ويشدّ بعضها أزر بعض، ولتكون كما أرادها الله -عز وجل- في كتابه: “إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ” (الأنبياء: 92)؟!!

وهل يتعلم عقلاء العالم وأتباع الرسالات من نبيّ الإنسانية -صلي الله عليه وسلم- في أدبه مع إخوانه الأنبياء، فيتعاونون علي تثبيت الإيمان، وعلي محاربة الإلحاد، وعلي محاربة الظلم والإباحية والتحلل..؟!!

وما أسّسه الحديث النبوي السابق من أدب رفيع وخلق عظيم، أكّده وعزّزه حديث آخر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَال:

 (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ, فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ, وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ. وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ). (البخاري ومسلم)

النبيُّ محمد -صلي الله عليه وسلم- الذي ختم الله به المرسلين، وأكمل به شرائع الدين، في تواضعه الجمّ، وأدبه العالي، وخلقه الرفيع، يمثّل لبنة في هذا الصرح الكبير،الذي شيّده إخوانه الأنبياء من قبل!

إنّ الإنسان الكريم -كبير الهمة، عظيم الشأن- لا يتطاول علي غيره بما عنده من المواهب وإنْ عظمت، ولا يستخفّ بما عند الغير من المواهب وإنْ صغرت!

ما أجدر الإنسان اليوم وهو يري صرح الإنسانية الكبير -الذي بناه الأنبياء جميعا- يحترق بنيران الجشع والظلم والعداوة والبغضاء، أن يصغي لنبي الرحمة ورسول الإنسانية – صلي الله عليه وسلم – فيصبّ ولو قليلا من الماء ليطفئ ما يستطيع أن يطفئ، وليكون لبنة صالحة تسد ما ثلم من البناء..!

وصدق الله العظيم إذ يقول: “.. وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة: 2)

ويبقي السؤال: متي نرتقي إلي هذا الأدب النّبوي الرفيع؟!

         أضف تعليق