المشرف العام
الداعية الصغير
الرِّفْق واللين
 
تمت الإضافة بتاريخ : 23/10/2019م
الموافق : 24/02/1441 هـ

الرِّفْق واللين

قال الله تعالى: {فبما رحمةٍ من الله لِنتَ لهم ولو كنتَ فظّاً غليظَ القلبِ لانفَضُّوا من حولكَ فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاوِرهُم في الأمرِ فإذا عزمتَ فتوكَّل على الله إنَّ الله يُحِبُّ المتوكِّلينَ(159)} سورة آل عمران(3)

وقال أيضاً: {لقد جاءَكُم رسولٌ من أنفسِكُم عَزيزٌ عليه ما عَنِتُّمْ حريصٌ عليكم بالمؤمنين رَؤوفٌ رحيم(128)} سورة التوبة(9)

ومضات:

ـ القانون الإلهي قائم على الرحمة لأنها مفتاح كلِّ خير لاسيَّما في مقام الدعوة. فالداعية الناجح هو من يُوغِل برفق في القلوب، ويتعهَّد بذور الخير فيها بالرعاية واللطف واللين إلى أن تنمو وتزهر.

ـ المؤمن يألف ويؤلف، والفظاظة تنفِّر القلوب وتبعثر الطاقات.

ـ ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، ثمَّ عزم وقرَّر، متوكِّلاً على رعاية الله وحفظه وعنايته.

في رحاب الآيات:

يحتاج الناس الشاردون عن الحقِّ، البعيدون عن جادَّة الصواب، التائهون في صحراء الجاهلية، يحتاج هؤلاء وأمثالهم إلى قلب كبير يحتويهم، وكَنَف رحيم يشملهم برعايته وحمايته وهدايته، إنهم بحاجة إلى العناية الفائقة والتوجيه الرشيد؛ بالرفق والإحسان والترغيب. والسبيل إلى ذلك الكلمة الطيِّبة، والوجه الطلق والثغر الباسم، والصدر الواسع الحليم، فلا يضيق بهم ذرعاً بل يصبر على جهلهم وطفولة عقولهم، ويزيل همومهم، ويمسح دموعهم، ويقدِّم لهم العلاج الروحي الَّذي ينقلهم من المعاناة إلى السعادة، ومن المرض إلى الشفاء. إنهم بحاجة إلى الأسلوب الحكيم حيث يُخاطَبُون على قدر عقولهم، وفوق كلِّ ذلك فلابدَّ من قلب منوَّر بنور الله، يمدُّ قلوبهم وأرواحهم بالطاقة النورانية الإلهية، الَّتي تحرك فيهم القُدُرات، وتبعث فيهم الطاقات، فتتهيَّأ النفوس لقبول الدعوة والتفاعل معها، ومن ثمَّ جني ثمارها وخيراتها، هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا كانت حياته مع الناس جميعاً. والآية الكريمة تشير إلى الرحمة الَّتي ألقاها الله في حنايا قلبه عليه السلام وتُثْني على أخلاقه السامية، وقيادته الحكيمة، فعلى الرغم من مخالفة بعض الصحابة لأوامره في بعض المواقف فقد وسعهم بخلقه الكريم، وقلبه الرحيم، ولم يخاطبهم بالقسوة والشدَّة بل باللين والرحمة، لذلك اجتمعت القلوب حول دعوته، وتوحَّدت تحت قيادته.

إن القانون الإلهي يوضح أنه لا يمكن للناس أن يستجيبوا لتعاليم السماء، إذا قُدِّمت لهم بشكل فظٍّ وأسلوب مستهجن، وإن كانت مقدَّمةً من الأنبياء أنفسهم، فلابدَّ من الرحمة والرفق ليدخل شعاع النور الإلهي إلى قلوبهم. وفي هذا تعليم لجميع الدعاة ليكونوا مع الناس متراحمين متآلفين متآخين، لأنَّ المقصود من عمل الدعوة تبليغُ شرائع الله إلى الناس كافَّة، ولا يتمُّ ذلك إلا إذا مالت قلوب المدعوين إلى الدعاة، وسكنت نفوسهم إليهم، وهذا ما يوجب أن يكون الداعي رحيماً حليماً، أُسوة بالمثل الأعلى محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام الرحمة المهداة، الرؤوف الرحيم الَّذي هدى أمَّته إلى مفاتيح النجاح، وكنوز التوفيق قولاً وعملاً، وسلوكاً وتوجيهاً، حيث يقول صلى الله عليه وسلم : «لا ينبغي للرجل أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتَّى تكون فيه خصال ثلاث: رفيق فيما يأمر، رفيق فيما ينهى، عدل فيما ينهى» (أخرجه الديلمي عن أبان عن أنس رضي الله عنه ).

فليس من العسير إيراد المعارف ولا بذل النصيحة، ولكنَّ العسير تخيُّر أسلوب العرض لضمان النتائج، فكم من نفوس أعرضت عن كلمة الحقِّ، ولم يكن إعراضها ناشئاً عن طعن في صحَّتها أو شكٍّ في وضوحها؛ بل كان العامل الَّذي أدَّى إلى نفورها هو أسلوب الداعي الَّذي غلب عليه الجمود والفظاظة، ونأى عن الرِّفْق واللين، فنفرت منه القلوب، وأصبح البعد بينه وبينها شاسعاً.

وكان على الداعي أن يكون رحيماً بعباد الله، لأن التراحم بين الناس يشدُّ بعضهم إلى بعض، ويخلق بينهم جواً من الألفة والترابط، ويزرع في أعماقهم غيرة على المصلحة العامَّة، ممَّا يجعلهم أهلاً للمشورة وإبداء الرأي في سياسة الأمَّة وفي الحرب والسلم، وغير ذلك للوصول إلى الحلِّ السديد. فالإسلام يقرِّر مبدأ الشورى، وهذا نصٌ قاطع لا يدع للأمَّة المسلمة شكاً في كونه مبدأً أساسياً يجب ألا يقوم نظام الحياة على أساس سواه، أمَّا الوسيلة الَّتي يتحقَّق بها فهي تبعٌ لأمور قابلة للتحوير والتطوير، وفق أوضاع الأمَّة وملابسات حياتها. وللشورى فوائد عظيمة منها: أن العقول متفاوتة والأفكار متباينة بين الناس، وربَّما ظهر لبعضهم من صالح الآراء ما لا يظهر لغيرهم، ولكنَّ تبادُل الأفكار والآراء يهيِّئ الفرصة أمام هذه العقول لتتضافر مع بعضها، فتغدو وكأنها عقل واحد كبير، يكون على مستوى الأمر المتداول فيه، قادراً على رؤيته من جميع الزوايا رؤية دقيقة شاملة.

كما أن في الشورى دلالة على الصحَّة الاجتماعية تُظهر اجتماع القلوب على أمر واحد وتسعى إلى إنجاحه، فالجماعة أبعد عن الخطأ من الفرد، لذلك أمر الله تعالى رسوله الكريم بأن يقرِّر هذا المبدأ بشكل عملي، فكان صلى الله عليه وسلم يستشير صَحْبَه بهدوء وسكينة، ويُصغي إلى كلِّ قول، ويرجِّح رأياً على رأي حسبما يرى فيه من المصلحة والفائدة، وكان عليه السَّلام يستشير السواد الأعظم من المسلمين ولاسيَّما أهل الرأي والفضل، علماً بأن وجود الرسول ومعه الوحي، يكفي لإدارة شؤون الأمَّة دون الحاجة إلى الشورى، ولكنَّ الله لم يُلغ ذلك لأنه يعلم أن المجتمع لا يصلح دون مبدأ التشاور، وأن أي فردٍ في الأمَّة لا ينجح دون أمناء يستشيرهم، فضرب لهم المثل الصالح في الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولذلك ينبغي أن لا يستكبر الدعاة عن مشاورة من حولهم أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم . وبالمقابل فإن إبداء الرأي في مشورةٍ ما أمانة عظيمة يتوجَّب على حاملها أن يحسن أداءها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه» (رواه أبو داود والحاكم). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المستشار مؤتمن» (رواه أصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه ).

ومن ناحية ثانية فإن نجاح أي عمل، مشروط بالتوكُّل على الله، وهو الثقة المطلقة بالله والاعتماد عليه وتفويض الأمر إليه، والاستعانة به في كلِّ شأن، والتيقُّن بأن قضاءه نافذ، مع الأخذ بالأسباب وتدريب الأُمَّة على التشاور في كلِّ أمورها، لزرع الروح الجماعية وإلغاء الأثرة والأنا والفردية من صفوف المجتمع. والإنسان في صراعه مع مشكلات الحياة تنتابه المخاوف، وتعترضه الصعاب، وتنزل به الآلام، فلا يُحِسُّ بطعم الحياة، ولا يتمكَّن مع هذا القلق من القيام بدوره الرئيس في إسعاد نفسه ونفع غيره، فتتعطَّل قواه المادِّية والمعنوية، ويصبح شيئاً لا قيمة له، ولا تطيب حياته إلا إذا استمتع بسكينة النفس، وطمأنينة القلب، وراحة البال، وعافية البدن، وسبيله إلى ذلك أن يثق بالله ويحسن الظنَّ به ويتوكَّل عليه، ويردَّ الأمر كلَّه إليه، جاء في الحديث القدسي: «أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني» (رواه البخاري والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه ). فتوكُّل المؤمنين على الله قوَّة نورانية تعينهم إذا أقدموا، وتمسح آلامهم إذا أخفقوا، ولا يُحسن التوكُّل على الله إلا من امتلأ قلبه بالإيمان لأنه ثمرة من ثماره، فعن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أنكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً» (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي). على أن التوكُّل على الله لا يتنافى مع اتخاذ الأسباب، بل إنه لا يصحُّ إلا إذا اتخذ الإنسان لكلِّ أمر أسبابه الموصلة إلى تحقيقه، فالله سبحانه قد ربط المسبَّبات بأسبابها، والنتائج بمقدِّماتها. وقد تخفى علينا بعض الأمور فلا ندرك أسبابها وحكمتها، ويتوجَّب علينا حينها أن نلجأ إلى مسبِّب الأسباب لعلَّه بعنايته ورحمته يهدينا إلى طريقها الأمثل، أو يبدلنا خيراً منها، ويجب مع هذا بذل كلِّ الجهد الممكن والطاقة الَّتي نملك مع اعتقادنا بأنها كلُّها من فضل الله، وأنه قد هدانا إليها بما وهبنا من العقل والمشاعر؛ قال تعالى: {وأَن لَيسَ للإنسان إلا ما سَعى * وأن سَعيهُ سوفَ يُرى * ثمَّ يُجزاهُ الجزاءَ الأَوْفى} (53 النجم آية 39ـ41). إن التوكُّل محلُّه القلب ولكي يتمَّ التوكُّل وتتكامل درجاته يُحتاج إلى معرفة الله وصفاته والإيمان المطلق بأن الأشياء صادرة عن مشيئته وقدرته، وإخلاص القلب في توحيده له، واعتماده عليه، وحسن الظنِّ به، وتفويض الأمور كلِّها إليه، وهذا كلُّه يثمر الرضا بما يقضي الله عزَّ وجل. إن التوكُّل على الله خلَّة يحبُّها الله ويحبُّ أهلها، لذلك يجب أن يحرص عليها المؤمنون، لأنه يشكِّل أداة التوازن في الحياة الإسلامية، وهو التسليم المطلق بأنَّ مَردَّ الأمر لله وحده، ودون تعطيل لطاقاتنا وجهودنا الفردية.

         أضف تعليق