المشرف العام
الداعية الصغير
طموح ذو همة عالية
 
تمت الإضافة بتاريخ : 30/03/2019م
الموافق : 24/07/1440 هـ

طموح ذو همة عالية

أشرف فريد

المسلم إنسان طموح ذو همة عالية ، وأمل عريض فهو يعلم ” أن الله تعالى يحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها” رواه سهل الساعدى ..

وإن الكيس العاقل هو صاحب الهمة العالية الذي يدين نفسه ويعمل لما بعد الموت ، وأن العاجز هو الذي يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله الأمانى .

ولقد أمرنا الله في كتابه الكريم بحسن الجهاد في الله فقال : ” وجاهدوا في الله حق جهاده” سورة الحج آية:78. والجهاد لا يكون إلا من صفات صاحب الهمة العلية ، والمؤمن لا ترضى همته إلا بالجنة .

جلس النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى صاحبته وأخذ يوزع عليهم الصدقات ، ويعطى كل واحد مسألته وكان يجلس بجواره ربيعة بن كعب الأسلمى ، وكان من أفقر الناس ، ولكنه لم يسأل النبي شيئاً فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم – سلني يا ربيعة ، فقال : يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة ، فقال:" يا ربيعة أعنى على نفسك بكثرة السجود " .

فهمة المؤمن في أعلى عليين ، وهمته في العلم والعمل سواء . قال عبد الرحمن الأوزاعي : ( إن المؤمن يقل الكلام ويكثر العمل ، وإن المنافق يكثر الكلام ويقل العمل ) أبوبكر الفريابى : صفة النفاق وذم المنافقين ، صـ65.

ولا عجب حينئذٍ حينما نسمع أن بعض الصحابة مثل أبى أيوب الانصارى قد رحل من الحجاز إلى مصر لسماع حديث واحد من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم .

أصحاب الهمم العالية لا يرضون بغير القمة بديلا وإن المخترعين والمستكشفين والمصلحين والفلاسفة لم يكونوا ملائكة أو شياطين ، ولكنهم كانوا رجالاً أمثالكم تملكهم الأمل فبذلوا في سبيله كل جهودهم وقلوبهم حتى أدركوه. والعاقل هو من يثبت ذاته بما يرفع قدره ويجلب له النفع ويكسبه احترام الناس .

ومن الأمور التي ترفع من همة المرء : أن يجدد أهدافه في الحياة ويجدد علاقاته ولا يركن إلى الخمول ، ويعشق العمل ، ويغتنم الفرصة ، قال الشاعر :

إذا هبت رياحك فاغتنمها* * * فإن لكل خافقة سكونُ

ولا تغفل عن الإحسان فيها * * * فما تدرى السكون متى يكونُ

إذا ظفرت يداك فلا تقصر* * * فإن الدهر عارية يخونُ

يسيطر على نفسه .. فلا يغضب ولا يحقد :

من أهم صفات الإنسان الواثق من نفسه أنه لا يترك فرصة للغضب أن يسيطر عليه أو يتحكم فيه ، لأن تحكم الغضب على نفس المرء دليل على ضعف نفسه ، ونقص إرادته لذا فقد جعل الله تعالى من صفات المؤمنين المتقين أنهم يسيطرون على أعصابهم فلا يسترسلون مع غضبهم ولا يسمحون له بأن يحطم حياتهم ، قال تعالى { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } سورة آل عمران آيات : 133-134.

ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم معنى القوة الحقيقية بأنها وثوق الإنسان وإرادته في تملك نفسه والسيطرة على أعصابه عند الغضب ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما تعدون الصرعة فيكم ؟ قالوا : الذي لا يصرعه الرجال ، قال : ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب" رواه مسلم . .

وفى القرآن الكريم أمثلة عديدة من حياة الأنبياء على جهل قومهم عليهم ومقابلتهم ذلك بالصبر الجميل .. فها هو هود عليه السلام أرسله الله إلى عاد ولكنهم ماذا قالوا له وماذا قال لهم قال تعالى { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } سورة الاعراف آيات : 66- 68 . .

ولقد كان رسولانا الكريم قدوة حسنة في ذلك فلم يغضب لنفسه إنما كان يغضب لله تعالى إذا انتهكت حرمة من محارمه . روى في ذلك أن إعرابياً جاء يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فأعطاه ، ثم قال له : أأحسنت إليك ؟ قال الأعرابي : لا ولا أجملت ، فغضب المسلمون ، وقاموا إليه فأشار إليهم النبي أن كفوا ، ثم قام ودخل منزله ، فأرسل إليه وزاده ، ثم قال : أحسنت ، قال : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ، فقال النبي : إنك قلت ما قلت أنفاً وفى نفس أصحابي من ذلك شئ ، فإن أحببت فقل أمامهم ما قلت حتى يذهب ما في صدورهم عليك ، ففعل الرجل ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :" إن مثلى ومثل هذا كمثل رجل له ناقة شردت فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً فقال لهم صاحبها خلوا بيني وبين ناقتي ، فإني أرفق بها منكم وأعلم ، فتوجه لها بين يديها فأخذ من قمام الأرض فردها حتى جاءت واستناخت ، وشد عليها رحلها ، واستوى عليها " .

فالقوى هو من يقوى على كبح جماح نفسه وكلما ارتفع الإنسان درجة في سلم السيطرة على نفسه زادت ثقته بها ، وكلما تأكدت له كفاءته أو قدرته في مراقبة حياته النفسية ، ارتفع فوق الوسط وأخذ في التحليق صعداً.

وكل إنسان أخبر بنفسه ويعرفها جيداً “ رحم الله امرأ عرف قدر نفسه ” فكل فرد يعرف ضعف نفسه أو قوته من خلال نجاح هذه النزاعات لأن من استطاعت إرادتهم أن تتغلب بشكل طبيعي وبسهوله على الانفعالات ، وأن توقف حركات الجسم التي تصاحبها كانوا يملكون دون شك النفوس الأقوى.

والعاقل هو الذي لا يترك التوافه وصغائر المشكلات أن تهدم سعادته وتحطم حياته ويغضب لأتفه الأسباب ، فيوصله الغضب إلى الحقد والضغينة فيفقد تماماً ثقته بنفسه وبمن حوله .

سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم ” عن أفضل الناس فقال : كل مخموم القلب صدوق اللسان ، فقيل : صدوق اللسان نعرفه ، فما مخموم القلب ؟ قال : هو التقى النقى لا إثم فيه ولا بغى ولا غل ولا حسد ” رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو . ، فالواثق لا يغضب ولا يحقد .

يواجه أخطاءه بكل شجاعة :

الواثق لا يهرب من أخطاءه بل يواجهها بكل شجاعة وإقدام ، فهو ابتداء يحرص كل الحرص على إذلال نفسه بأن يوردها المهالك ، ويضعها كل يوم مواضع الاعتذار وقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك ، فقال في بعض وصاياه : ” وإياك مما يعتذر منه ” رواه الحاكم والبيهقى . ، ولكن الإنسان بطبعه ناسٍ خطاء ، ولكن صاحب النفس القوية الشجاعة ، والهمة العالية لا يرى الاعتذار عن خطأه منقصة له ، ولا إقلالاً من شأنه ولا آخذا من مكانته .

ولقد علمنا القرآن الكريم الشجاعة في الاعتذار عن الخطأ ، ففي غزوة أحد حينما أصاب المسلمين ما أصابهم بسبب مخالفتهم أوامر النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن ذلك كله من عند الله ولكن الله تعالى قال لهم { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } سورة آل عمران آية : 165 .

         أضف تعليق