المشرف العام
مقالات
الحياء أصل كل شيء
 
تمت الإضافة بتاريخ : 27/11/2018م
الموافق : 19/03/1440 هـ

الحياء أصل كل شيء

إبراهيم عبد الرحمن

عن سعيد بن يزيد الأزدي- رضي الله عنه –أنه قال للنبي صلى الله عليه و سلم: (( أوصني قال: أوصيك أن تستحي من الله عز وجل كما تستحي من الرجل الصالح))

فمن استخف بالأوامر و النواهي الشرعية دل ذلك على عدم إجلاله لربه و إعظامه و عدم حيائه منه جل و علا، و أدل دليل على ذهاب الحياء من الله عند بعض الناس أن تجده ضابطاً لسلوكه و أقواله و أفعاله عند من يحترمهم من البشر، ثم هو إذا خلا منهم و لم يطلع عليه إلا رب البشر وجدته يتصرف بلا قيود،

قال المناوي- رحمه الله – : “(أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك) قال ابن جرير: هذا أبلغ موعظة و أبين دلالة بأوجز إيجاز، و أوضح بيان، إذ لا أحد من الفسقة إلا وهو يستحي من عمل القبيح عن أعين أهل الصلاح، و ذوي الهيئات و الفضل أن يراه وهو فاعله، و الله مطلع على جميع أفعال خلقه، فالعبد لإذا استحى من ربه استحياءه من رجل صالح من قومه تجنب جميع المعاصي الظاهرة و الباطنة، فيالها من وصية ما أبلغها و موعظة ما أجمعها”

و لقد كان الرعيل الأول أشد الناس حياءً من الله تعالى حتى تعدى حياؤهم لشيء لابد لهم منه ففي صحيح البخاري سئل ابن عباس عن قول الله تعالى:{ أَلا إِنَّهُمْ يثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}

فقال:” أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء و أن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم” و يفضوا إلى السماء أي ليس هناك ما يحجبهم من سقف و نحوه.

و كان أبو بكر الصديق يقول: ”استحيوا من الله فإني أذهب إلى الغائط فأظل متقنعا بثوبي حياءً من ربي”.

و كان أبو موسى إذا اغتسل في بيت مظلم لا يقيم صلبه حياء من الله عز وجل.

_ المعاصي تذهب الحياء

قال ابن القيم- رحمه الله – :” من عقوبات المعاصي ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كل خير، و ذهابه ذهاب الخير أجمعه فقد جاء في الحديث الصحيح ” الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ “”

– الحياء أصل كل شيء

قال ابن القيم- رحمه الله – : ” فمن لا حياء له ليس معه من الإنسانية إلا اللحم و الدم و صورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء، و لولا هذا الخلق لم يقر الضيف، ولم يوف بالوعد، و لم تؤد الأمانة، و لم تقض لأحد حاجة، و لا تحرى الرجل الجميل فآثره، و لا القبيح فتجنبه، و لا ستر له عورة، و لا امتنع من فاحشة و كثير من الناس لولا الحياء الذي فيه لم يؤد شيئاً من الأمور المفترضة عليه . “

– من أقوال السلف في الحياء

* تقدم فعل أبي بكر و أبي موسى رضي الله عنهما.

* قال عمر رضي الله عنه:”من قلَّ حياؤه قل ورعه، و من قلَّ ورعه مات قلبه”.

* و قال ابن مسعود- رضي الله عنه – : ” من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله “.

* و قال الحسن البصري- رحمه الله – : ” الحياء و التكرم خصلتان من خصال الخير لم يكونا في عبد إلا رفعه الله بهما “.

و إلى الله تعالى نشكو ذهاب هذا الخلق في كثير من صور حياة الناس اليوم على مستوى الأفراد و المجتمعات، فالرجل يجلب القبائح لنفسه بسلوكه مع الخلق و في بيته فيعرض فيه ما يسلخ الحياء و يربي أبناءه على ذلك فيجلب لهم القنوات الهابطة و الأغاني الماجنة و الصور الخليعة و التعاليم المقيتة و لا تسل حينئذ عن حياء الأبناء نتيجة هذه التربية، و المرأة لا تبالي فيما فعلت فتخرج إلى الأسواق متطيبة و متجملة و بحجاب يحتاج إلى حجاب، و في قصور الأفراح بلباس عارٍ و إظهار المفاتن و قبائح لا تنبغي إلا للزوج، و في مخالظتها للرجال الأجانب و حديثها و رفع صوتها و نحو ذلك من الصور، و في الشبكات العنكبوتية صور يندى لها الجبين تدل على موت هذا الخلق العظيم عند الفتيات فرحم الله حالهن و أحسن عزاءهن ببعدهن عن حال أمهات المؤمنين و نساء الصحابة، فعن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – قالت : ” كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله و أبي و أضع ثوبي و أقول إنما هو زوجي و أبي فلما دفن عمر و الله ما دخلت إلا و مشدودة على ثيابي حياءً من عمر”

و في سنن أبي داود من حديث أبي أسيد الأنصاري عن أبيه- رضي الله عنه – أنه سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم – يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق )) فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. قال الألباني: و بالجملة فالحديث حسن..

 

نسأل الله أن يهب لنا و لأزواجنا و أبنائنا و جميع المسلمين حياءً يدفعنا للمحاسن و يدفع عنا القبائح.

         أضف تعليق