المشرف العام
الداعية الصغير
التقوى ركن التفاضل بين الناس
 
تمت الإضافة بتاريخ : 06/08/2018م
الموافق : 25/11/1439 هـ

التقوى ركن التفاضل بين الناس

أ.د.خالد فهمى

يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم :” كلكم بنو آدم طف الصاع لم تملئوه ، و ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى” ذكره الشريف الرضى فى المجازات النبوية ص281(215).

هذا حديث من أحاديث كثيرة تقر أصلا ثابتا فى التصور الإسلامى الذى يرسخ المساواة بين البشر جميعا ، و أن هذه المساواة ركن أصيل فى التكوين الإنسانى يستمدونه من أصلهم الجامع المنحدر من آدم عليه السلام .

و يبين الحديث أن مدار التفاضل بين الناس جميعا هو العمل الصالح الخير النافع الذى يكمن فى دلالة كلمة التقوى بما هى لفظ جامع فى دلالته على الخيرية ، مكتنزا بأعلى درجات دلالة الصلاح.

و الحديث يعتمد المجاز سعيا إلى تحقيق هذه المساواة و تقريرها عندما يقول:” كلكم بنو آدم طف الصاع” ذلك أن عبارة : طف الصاع ، عبارة من العبارات العجيبة على حد تعبير الشريف الرضى (ص281) يريد أن الناس متقاصرون عن غاية الكمال ، تشبيها بطف المكيال ، وهو الاقتراب من الامتلاء من دون تحقيق الامتلاء .

و فى هذا التقرير ما يحمل على التخفيف من دواعى الغرور الذى يرتكبه نفر من الناس فى أحيان كثيرة بسبب خادع يسول لأنفسهم أنهم يحوزون مالا يحوزه غيره ، فيأتى الحديث ليردهم عن هذا الغرور الأجوف؛ و مستنده فى ذلك بيان ظاهر يقول : إن الناس جميعا قاصرون عن غاية الكمال ، يطيف بهم النقص جميعا ، مع تفاوت تنزل هذا النقص على أحادهم و أفرادهم.

و قد أكد الحديث هذا المعنى بما خلقه من امتداد للتشبيه و الاستعارة بما ذكر فى قوله : لم تملئوه ؛ وهى جملة تفسيرية للجملة السابقة عليها : طف الصاع . ذلك أنهما عباراتان تحملان معنى واحدا ، و إن نوع الحديث فى التعبير عنه.

و هذه القطعة من الحديث تصنع استغراقا باستعمال لفظ العموم : كلكم ، و تصنع خلودا للحكم يحاصرون المناظرات الكاذبة التى تثور بين الحين و الآخر ، باستعمال الجملة الاسمية منزوعة الدلالة على الزمان ، و يصنع تجسيدا للمعنى المجرد فى صورة مادية قريبة من الوعى العام بحكم تداول الصورة ، بتوظيف الصاع غير الممتلىء ، الذى لا سبيل إلى ملئه . و فى هذه القطعة من الحديث حض على التنافس فى ملء الصاع بحيازة أنواع الفضل من الفضائل المندرجة و فى القطعة الأخيرة من الحديث نهى عن التطاول و الاستعلاء على الناس ، و لا سيما إذا كان هذا يقع بسبب من أمور دنيوية . و يدل الحديث على أن مدار التفاضل إنما هو على الفضائل الدينية التى يختزنها لفظ التقوى.

و قد جاء ذلك الحكم حاسما عن طريق صوغه فى بنية تعتمد تقنية الحصر و التعيين الناشئ من استعمال النفى بليس متعانقا باستعمال حرف الاستثناء :” إلا” ؛ و يتوسع الحديث الشريف فى تعميم هذا الحكم عن طريق استعمال الأسماء النكرات فى سياق النفى : و ليس لأحد على أحد إلا بالتقوى.

و فى الحديث عبقرية لغوية ظاهرة فى أكثر من منطقة

(1) فى تصميم بنية الحديث وفق التركيب الاسمى بما يخلق أبدية لتصور المساواة فى الإسلام

(2) و فى توظيف النفى فى المرتين ؛ بلم و، و بليس ، على ما يخلقه هذا التنويع و الاتحاد معا من خدمة لمعنى النص

(3) و فى الدلالة على العموم و الاستغراق بطرق منوعة باللفظ مرة فى “كلكم” و بالنحو نكرة مع النفى فى مرة أخرى فى “و ليس لأحد على أحد إلا…”

(4) وفى حسن استعمال حرف الجر الباء فى ” بالتقوى” التى تعنى المصاحبة ، مما يعنى أن التفاضل حال ما دام مستصحبا التقوى ، مستعينا بها .

و بهذا يقرر الحديث بصياغته المحكمة ، و بلاغته المتقنة قانونا إسلاميا من كليات تصوره للحياة و الوجود يرعى مقاومة الغرور و التعالى ، و يحنو على المساواة و استشعار النقص ، ويحث على استكمال أوجه القصور ، و ملامح النقص فى النفس الإنسانية.

         أضف تعليق