المشرف العام
الداعية الصغير
من أسرار الاستخارة..
 
تمت الإضافة بتاريخ : 29/07/2018م
الموافق : 17/11/1439 هـ

من أسرار الاستخارة..

صفاء عزمون

كلما استشارتني صديقة في أمر ما، أختم جوابي "وصلي صلاة الاستخارة" وأكثرهن يسألنني وكيف أعلم ما سأختاره، هل سأرى رؤيا هل ستبدو لي علامة؟ هل وهل.. الكثيرون يسألون نفس السؤال وكنت ممن يسألون أيضا ما أمارة الخيار الصحيح؟ والجواب بسيط تجده في طيات ذلك الدعاء المهيب التي اختيرت كلماته بعناية إلهية، ويحمل بين طياته أسرار الغيب المخفية.

لي مع هذه الصلاة تجارب، أحببتها حبا عظيما وأحمد الله أن سنها للمسلمين في كل زمان ومكان نعمة توجب علينا أن نشكر الله عليها بعدد أنفاسنا، فهي طوق النجاة عندما تبتلعني الحيرة ويؤرقني القلق، أراها مفتاحا لكل مشاكلي مهما عظمت، جلاء لكل غمامة حيرة تعتريني، كيف لا؟ وهي سنة من لا ينطق عن الهوى، هي وحي يا سادة، هي حق أجراه الله -جل في علاه- على لسان سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، هي الحق الذي لا يحتاج إلا إلى اليقين كي نراه، فالله يُدعى عن يقين لا عن تجربة.

لعل من أصعب المواقف التي نمر بها جميعا أن تتعدد الخيارات وخاصة عندما تكون مصيرية، حينئذ يُحْكِم القلق قبضته على نفوسنا وتُسَاورنا الوساوس وتبدأ "ماذا لو" وغيرها من أسئلة تعكس ضعفنا الانساني؛ أتذكر أني بعد أن اجتزت سنتي الخامسة من الطب قررت بدءا ألا أجتاز مباراة "الداخلية" وأن أرتاح قليلا قبل التخصص، ثم بعد انتشار بعض الإشاعات عن احتمال عدم فتح أبواب التخصص وبعد أن نصحتني إحدى صديقاتي قررت أن أستخير الله، فتحول النفور الكبير إلى رغبة عارمة، وبعد أن كنت غير مبالية صرت حريصة وقلقة من عدم القدرة على اجتياز المباراة، ونجحت والحمد لله لتفتح لي التجربة الجديدة بابا معرفة أمور كثيرة، ما كنت لأتعلمها لو أني بقيت على قراري الأول.

كانت تجربة جديرة بأن تُخاض، فقد تعرفت فيها على أرواح طيبة لا زالت إلى الآن لا تبخل علي بالنصح والإرشاد، ثم أُشْرِع أمامي باب اختيار أصعب، أن أختار تخصصي الطبي، لم أكن محتارة بداية الأمر فقد كان مقررا منذ زمن، لكني بعد صلاة الاستخارة بدأت أتردد وأتردد، وبعد صلوات وصلوات اخترت تخصصا مختلفا كنت قد قررت في بداية "فترة الداخلية" ألا أختاره، لحجم الضغط الذي يعيشه أصحابه وظننت أن مسؤولية رعاية مرضاه أكبر من أن أستطيع تحملها، لكن تأتي الاستخارة وتقلب الموازين ويميل القلب إلى القلب، وأكتشف مع الأيام أن ما يختاره الله لنا يبقى أجمل خيار، وأفضل طريق مهما بدا صعبا أحيانا، ومهما صادفْنا فيه من مشاق، يبقى الايمان أن الله أعلى وأعلم، ومع مرور الوقت تتجلى أسرار ذلك الدعاء العجيب فما اختاره الله هو خير لك في دينك ودنياك فالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه.

لاستخارة كنز وُضِع بين أيدينا جميعا، لا يخيب من تعرف أسراره، كيف لا؟ وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أن خير الخلق محمد -صلى الله عليه وسلم -كان يعلم أصحابه -رضي الله عنهم- الاستخارة في أمورهم كلها كما يعلمهم السورة من القرآن، لذا أقول لكل حائر، لكل من وقف أمام بوابة الاختيار استخر يا عزيزي ولا تجزع، لا تحمل هم المستقبل لأن -وكما قلت وسأظل أقول- ما يختاره الله لك هو الأفضل، هو الأجمل.. تأتي الاستخارة بلسما يهون عليك مصاعب اختيارك، مهما صادفت من مشاكل ومهما تعثرت وتألمت ما إن تتذكر أن ما أنت فيه هو اختيار الله لك حتى تنشرح النفس وتطمئن، تطمئن لأن الخيار الذي سلكته خير لها في دينها ومعاشها وعاقبة أمرها فأنى لها أن تحزن أو تندم؟!

مفتاح الاستخارة أيها الطيبون هو اليقين، أن تضع أمرك بين يدي الله ثم ترضى بما ستؤول إليه الأمور، وكيف لا ترضى، وقد فوضت الأمر للعليم القدير للحكيم الخبير الذي أحاط بكل شيء علما، لا تنتظر رؤيا ولا علامة، اركب بحر اليقين ودع أمواجه ورياحه تأخذ مركبك إلى مرافئ الأمان التي اختارها الله لك، استنفذ كل الأسباب، بالغ في الاستشارات ودقق الحسابات أيها الطيب، ثم تَوَكَّل وإياك أن تتوَاكل وانتظر ألطاف الله ولا تقلق! فما ستنتهي إليه الأمور هو: التوفيق لما فيه فلاحك، وما سيعتريك من مشاعر هو: الرضا بما وُفِّقْت إليه.

إلى كل متقدم إلى وظيفة، إلى كل مقبل على زواج، إلى كل طالب متردد في الاختيار، إلى كل حائر أشرعت أمامه أبواب الخيارات وحار في مفترق الطرقات، تَجَرَّدْ من حولك وقوتك، وَضَعْ ملفك بين يدي الله وفوض أمرك كله إليه، تقدم ولا تلتفت، واعلم أن يد الرحمن ترعاك فالله لا يخذل من لجأ إليه، الله لا يرد يدا مدت إليه، قم يا عزيزي فأحسن الوضوء ضع سجادتك واستقبل قبلتك صل ركعتي فقير بين يدي الله ثم قل:

"اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به" وسَمِّ حاجتك، ثم انفض عن قلبك غبار الوساوس والقلق وابتسم فقد تولى الله أمرك، فهنيئا لك..

         أضف تعليق