المشرف العام
الداعية الصغير
من ثمار الدعوة الفردية
 
تمت الإضافة بتاريخ : 07/11/2018م
الموافق : 28/02/1440 هـ

من ثمار الدعوة الفردية

تمتاز الدعوة الفردية عن غيرها من وسائل الدعوة العامة بمميزات عديدة، منها:

1- تنعم بالحرية في كل الأحوال والظروف تقريبًا، ولا تكاد تتصور فرض قيود عليها، بل لا ترتبط بمكان معين، ولا بزمان معين، ولعله يَجمُل بنا في هذه الميزة أن نذكر كلام الشيخ عبدالحميد الجزائري، عندما استدعاه المندوب السامي الفرنسي وقال له: إما أن تُقلِع عن تلقين تلاميذك هذه الأفكار، وإلا أرسلت جنودًا لإغلاق المسجد الذي تبث فيه السموم ضدنا، وإخماد أصواتكم المنكرة، فأجاب الشيخ: أيها الحاكم، إنك لن تستطيع إخماد أصواتنا مهما فعلتَ، فاستشاط غضبًا، وقال: كيف لا أستطيع؟ فقال له: إذا كنتُ في عرس علَّمت أحد الحاضرين، وإذا كنتُ في عزاء وعظتُ أحد المعزِّين، وإذا جلستُ في قطار كلَّمت أحد المسافرين، وإن دخلتُ السجن أرشدتُ أحد المسجونين، وإن قتلتموني التهبتْ مشاعر المواطنين، وخير لكم - أيها الحاكم - أن لا تتعرَّضوا لهذه الأمة في دينها ولغتها.

2- الدعوة الفردية أبلغُ وأعمق في التربية من غيرها؛ حيث إن المقصود فيها شخص، فتسهل متابعته وتربيته، ويمكن تتبع أخطائه خطأً خطأ، ومن ثَمَّ معالجتها.

3- يراعى فيها حال المدعو، فيعطيه الداعية في كل وقت ما يحتاجه، وفي كل حال ما يلزمه، وهذا ما لا يمكن مراعاتُه في الدعوة العامة؛ لاختلاف مستوى السامعين، ومن ثم اختلاف حاجاتهم تبعًا لاختلاف أحوالهم.

4- لا تحتاج الدعوة الفردية إلى غزارة علم، بقدر ما تحتاج إلى حكمة في الدعوة وفهم لمراحلها، واستيعاب لطرقها، وليس معنى هذا الكلام إهمال جانب العلم في هذا النوع من الدعوة، بل - كما سنذكر - سوف تكون إحدى مراحل الدعوة هي التعليم؛ فكيف سيعلم الداعية المدعوَّ وهو لم يتعلم؟! لكن الحاجة إلى التعمق في الدعوة العامة أكثر منه في الدعوة الفردية.

5- ومن مزاياها أن لها تأثيرًا إيجابيًّا على الداعي نفسه، قبل التأثير على المدعو، سواء من الناحية الدعوية أو الناحية التعبدية، ويمكن لنا أن نذكر أمرين للدلالة على ذلك التأثير الإيجابي للدعوة الفردية على الداعية:

أ) التربية الذاتية للداعية:

فالدعوة الفرديةُ من أعظم وسائل الداعية الربانيِّ؛ إذ تَدفع به أن يكون قدوةً صالحة لمن يدْعوه، فيسبِق فعلُه قولَه، ويترجم حالُه مقالَه.

فشرط الدعوة الفردية لكي تنجح أن يتعاملَ المدعو مع الداعية مباشرةً، وعن قُرْب، ولفترات طويلة، فيشعر بمدى صدقِه والتزامه في أقواله وأفعاله، في مشاعره وانفعالاته، وهذه المعايشةُ لا تترك فرصة لتكلُّف أو تصنُّع.

وإنَّ ما يؤثِّر في نفس المدعو حقيقةً هو رصيدُ الداعية الحقيقي من الْتزامه بهذا الدين، وما تأثر أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بكلامه ومواعظه إلا بعد أن كان أمامهم قرآنًا يمشي على الأرض، وما فتح الله - عز وجل - البلاد، وهدى العبادَ على أيدي أصحابه من بعده، إلا بعد أن صنع منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - نماذجَ مشرِّفةً للإسلام في صورة بشَرٍ يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، وباستقرار هذه الحقيقة الضخمة في كيان الداعية يصبح دائمًا في حالةِ محاسبةٍ لنفسه على كل فجوة - ولو صغُرت - بين قوله وفعله، ثم يكون منه استدراكٌ فارتقاء، وبذلك تصبح الدعوة الفرديةُ أبلغَ وسيلة للتربية الذاتية، يُصنَع من خلالها الداعيةُ الرباني، الذي خصه الله - عز وجل - باستنقاذ الغافلين المعرضين من نار السعير.

ب) اكتساب الخبرات:

يكتسب الداعية كثيرًا من الخبرات أثناء قيامه بالعمل الدعوي بصورة فردية؛ من خلال احتكاكه المباشرِ بالمدعو في محاولة دائبة لاجتذابه إلى طريق الهدى، فيكسب أولاً الخبرة في كيفية البدء بالاتصال بالناس، ثم الخبرة في كيفية التعامل مع نوعيَّاتِهم المختلفة، ثم القدرة على مخاطبة العقول وإقناعِها والتأثير فيهم، ثم فهْم النفوس ومسالكها وإتقان توجيهها، ثم خبرة في اكتشاف الطاقاتِ والقدرات، وحُسن تنميتها، والاستفادة منها.

وهذه خبراتُ تجارِب لا تستفاد أبدًا بطريقة نظرية، حتى يكون للداعية جولاته في الدعوة الفردية.

6- أن الدعوة الفردية تربِّي الأفراد تربية متكاملة، فلا تقتصر على جانب واحد وتهمل الباقي، وهذا ما يسمى بالشمولية في التربية؛ ولهذا فإن الدعوة الفردية تكون أنجح من الدعوة العامة في تربية الأفراد، ولأن الدعوة الجماعية لا يمكن أن تتبع أخطاء الأفراد خطأ خطأ، بل نجد أن الدعوة الفردية من خلالها يمكن التنبيه على كثير من الأخطاء التي يقع فيها الأفراد؛ وبهذا يمكن استكمال التربية.

7- بالدعوة الفردية يمكن متابعة التطبيق العملي للتوجيهات الملقاة على الأفراد.

8- بالدعوة الفردية يمكن الرد على كثير من الشبهات التي تُلْقى على مسامع الأفراد، والتي لا يمكن التحدث بها في الدعوة الجماعية.

         أضف تعليق