المشرف العام
التنمية الذاتية
الصدق طمأنينة والكذب ريبة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 31/10/2018م
الموافق : 21/02/1440 هـ

الصدق طمأنينة والكذب ريبة

حسن إسماعيل

عن أبى محمد الحسن بن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهما ـ قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة) (رواه الترمذي) وقال: حديث صحيح.

هذا الحديث الشريف: من النصائح الغالية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهد بها أصحابه ـــ رضوان الله عليهم بين الفينة والفينة؛ وهى ترشد المؤمن إلى طريق الاستقامة والبعد عن الشبهات؛ حتى يعبد الله تعالى وهو مستريح البال مطمئن الضمير؛ وهى من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم وهى تلك الأحاديث التي أصبحت حكما غالية، وأمثالا سائرة حاملة معاني كثيرة بألفاظ قليلة؛ ومعناه: اترك ما تشك في حله من أمور دينك، وأقبل على ما لا تشك في حله؛ فإن في ذلك صدقا مع النفس ومع الله تعالى، وبعدا عن الشبهات ومجانبة للريبة التي تبلبل الفكر وتوخز الضمير.

وفيه من اللطائف البلاغية ما يلى:

1 - كلمات الحديث الشريف قليلة موجزة، وواضحة جلية؛ لا غموض فيها ولا التواء؛ وهى مع قلتها ووجازتها موحية بالمعاني، ثرية بها: فإيثار الفعل (دع) دون (اترك) أو (ابتعد) للإيحاء بوجوب الإسراع بترك ما يريب والابتعاد عنه؛ لأن الفعل (دع) مكون من حرفين، وغيره مكون من أربعة أحرف أو من خمسة أحرف.

وإيثار الاسم الموصول (ما) دون (الذي) للدلالة على العموم والتهويل من شأن ما يريب الإنسان، والجمل قصيرة وسريعة.

2 - جعل الخطاب للواحد المفرد في قوله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) مع أن النصيحة هنا ليست خاصة بفرد معين من صحابته صلى الله عليه وسلم للإشارة إلى أن هذا الخطاب موجه إلى كل من يتأتى منه سماع نصيحته من أمته إلى يوم القيامة؛ ويكثر هذا الأسلوب ـ أعنى خروج الخطاب عن التعيين إلى العموم ـ في الحكم والنصائح لتكون الفائدة عامة شاملة لا تقتصر على فرد دون فرد، ولا على قوم دون قوم، ولا على جيل دون جيل؛ كقول بشار بن برد:

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى   **   ظمئت؛ وأي الناس تصفو مشاربه؟!

3 - ومن خصائص البلاغة النبوية التي انفرد بها المصطفى صلى الله عليه وسلم(إدماج الأمر في النهى) في قوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» فلم يقل: (اترك ما يريبك وافعل ما لا يريبك) وإنما أدمج الأمر في النهى فقال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وكان سبيله إلى ذلك حرف الجر (إلى) فكأنه قال: (افعل ما لا يريبك تاركا ما يريبك) فاستغنى عن الجملتين بجملة واحدة!!

4 - الفاء في قوله صلى الله عليه وسلم (فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة) وتسمى فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن العلة التي من أجلها دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ترك ما يريب وفعل ما لا يريب وتلك العلة هي: أن الصدق مع النفس ومع الله تعالى يؤدى إلى الطمأنينة والهدوء النفسي، والكذب يؤدى إلى الشك وبلبلة النفس وعذاب الضمير.

5 - المجاز العقلي: في (فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة) لما كان الصدق يؤدى إلى الطمأنينة وكثر منه ذلك بولغ في تأديته للطمأنينة حتى جعل كأنه هو الطمأنينة نفسها ـ على سبيل المجاز العقلي ـ وعلاقته المصدرية؛ لأنه أخبر بالمصدر وهو الطمأنينة عن الصدق على حد قول الخنساء تصف ناقتها:

ترعى إذا نسيت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال وإدبار!

وكذلك يقال في: (والكذب ريبة).

6 - الوصل بين الجملتين: (الصدق طمأنينة والكذب ريبة) للتوسط بين الكمالين مع وجود المناسبة بين الجملتين، ولا مانع من الوصل بينهما.

7 - اللف والنشر غير المرتب: حيث لف الصدق والكذب في قوله: (دع ما يريبك ـ وهو ما يبعث على الكذب ـ إلى ما لا يريبك ـ وهو ما يبعث على الصدق) ثم نشرهما بغير ترتيب في قوله: (فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة)؛ لأن الصدق يرجع إلى قوله: (ما لا يريبك) والكذب يرجع إلى قوله: (ما يريبك) أي: بعكس مجيئهما أولا؛ وهذا من المحسنات المعنوية في علم البديع .

8 - ولا يخفى ما للطباق من أثر في وضوح المعنى وإبرازه متناسبا متوائما متناسقا بين (ما يريب) و(ما لا يريب) وبين (الصدق) و(الكذب) وبين (الطمأنينة) و(الريبة).