المشرف العام
مقالات
التواضع
 
تمت الإضافة بتاريخ : 28/10/2018م
الموافق : 18/02/1440 هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخلاق في الإسلام :

الموضوع اليوم هو خلق التواضع ،

1.الإسلام يدعو إلى البناء الأخلاقي :

انطلاقاً من أن هناك تلازماً ضرورياً بين التدين الصحيح والخلق القويم ، حدد النبي صلى الله عليه وسلم ، حدد الغاية الأولى من بعثته ، والمنهج الأمثل لدعوته ،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ )) .

[أخرجه الإمام أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة]

فالهدف الأول لدعوته هو إرساء البناء الأخلاقي للفرد والمجتمع ، لأنه ثمن سعادة الدنيا والآخرة ، والوسيلة هي التعليم لا التعنيف ،
قال صلى الله عليه وسلم :

(( علموا ولا تُعنِّفوا ، فإن المعلم خير من المُعنِّف )) .

[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ، وابن عدي في الكامل]

2.التلازم الضروري بين التدين الصحيح والخلق القويم :

والمتتبع لنصوص القرآن الكريم ، وللسنة المُطهرة الصحيحة يجد ذلك التلازم الضروري بين التدين الصحيح والخلق القويم ،
قال تعالى :

(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ)

[سورة الماعون]

وقال تعالى :

(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ)

[سورة القصص : 50]

قَالَ النَبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ )) .

[أحمد في المسند]

وقال أيضاً :

الإيمان والحياء قُرِنَا جميعاً ، فإذا رُفع أحدُهما رُفع الآخر

[أخرجه الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر]

3.أحسن الناس إيمان أحسنهم خلقًا :

إذاً : فالإيمان أساس الفضائل ولجام الرذائل وقوام الضمائر ، وقد بين الني صلى الله عليه وسلم أن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً ، وأن أكملهم إيماناً أحسنهم خلقاً ، وأن من أحبِ عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً ، وأن من أقرب المؤمنين مجلساً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خلقاً ، وأن خير ما أُعطي الإنسان خلق حسن ، وأنه ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ، وأن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ، بل إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة ، والخلق الحسن ُذيب الخطايا كما يُذيب الماء الجليد ، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل .
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ

[مسلم]

التواضع :

التواضع فضيلة وسطٌ بين طرفين الكِبر والذل :

وانطلاقاً من أن الحق وسط بين طرفين ، وأن الفضيلة مكرمة بين رذيلتين ، وأن الكمال في الوسط، وأن النقص في التطرف ، فقد ينحرف التواضع إلى الذل ، وقد يصبح غلافاً للكبر .. وفي الطرفين انحراف بالتواضع عن الموقع الصحيح الذي أراده الله ، وتزييف لهذا الخلق الكريم الذي سنه المصطفى عليه صلوات الله وسلامه .

الكِبر:

فقد ينطوي المرء على نفس تتصف بأشد حالات الكبر ، ولكنه يسلك مع بعض الناس سلوك المتواضع توصلا بهذا السلوك إلى تحقيق مصالحه المادية ، إنه موقف ذكي أساسه المصلحة الراجحة .
فالكبرياء على العباد صفة رب العباد الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى ، والذي إذا ظهر قهر ، وإذا تجلى طاشت لأنوار جلاله ألباب البشر .
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(36)وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)

[سورة الجاثية]

فذلُ العباد لربهم بالحق لا بالباطل ، فهو الخالق العظيم ، والرب الرحيم ، والمسيّر الحكيم ، بديع السماوات والأرض ، ذو الفضل العظيم ، رب العزة ، ذو الجلال والإكرام ، إليه يُرجع الأمر كله .
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ)

[سورة يونس]

فمصائر العباد رهن مشيئته ، وطوع إرادته ، وهم إنما يكونون في أزكى أحوالهم ساعة ، تعنو جباههم لربهم خاضعين له ، مُنيبين إليه عندئذ يعرفون حجمهم ، ووضعهم فيلزمون حدهم ، ولا يتجاوزونه .
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ

[رواه الإمام أحمد في مسنده]

فالمتكبِّر مبطل متطاول ، يزعم لنفسه ما ليس لها ، والكبر جملة من الخصال الخسيسة ، في طليعتها جحد الحق ، وتجاهل الواقع ، وسوء العشرة ، وتجاوز القدر ، وتحقير الفضل.

الذل:

وقد يجهل الإنسان حقائق التوحيد ، أو يعتقد اعتقاداً فاسداً أساسه الشرك فيُذِّل نفسه ويقبل الدنية في دينه ، ودنياه لواحد من أمرين ؛ إما خوف أن يصاب برزقه ، أو أن يصاب بأجله مع أن الله قطع سلطان البشر عن الآجال والأرزاق جميعاً ، فليس لأحد إليهما سبيل ، وبين لنا في كتابه العزيز أن البشر ولو اجتمعوا بأسرهم أذلُّ من أن يمنعوا شيئاً أعطاه الله ، وأقلّ من أن يعطوا شيئاً منعه الله ،
قال الله تعالى في القرآن الكريم :

(مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)

[سورة فاطر]

قال الله تعالى في القرآن الكريم :

(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)

[سورة يونس]

هذا الذل ذل الشرك والخوف ، ليس من التواضع في شيء .
وقد يقصِّر الإنسان في أداء واجبه ، وقد يهمل عمله ، أو صنعته ، أو يسيء إلى الناس في تعامله معهم ، فيأتيه اللوم والتقريع ، فيتطامن ويستخذي ، وهذا الذل ؛ ذل التقصير ، والإهمال ، والإساءة ليس من التواضع في شيء .
إذاً : ذلة العبد لعبد مثله باطلة لا ريب ،

العزة

فقد حرَّم الإسلام على الإنسلن أن يهون أو يُستذل ، أو يُستضعف ،
قال تعالى :

(وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)

[سورة آل عمران : 139]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

من أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مُكره فليس منا

[الطبراني عن أبي ذر ، وانظر مجمع الزوائد للهيثمي]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من أصبح حزيناً على الدنيا أصبح ساخطاً على ربه ، ومن أصبح يشكو مصيبة ، نزلت به فإنما يشكو الله تعالى ، ومن تضعضع لغني لينال مما في يده أسخط الله تعالى

[الطبراني عن أنس ، وانظر مجمع الزوائد للهيثمي]

وفي رواية :

من جلس لغني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه

[رواه الطبراني في الصغير]

إذاً : فلا ينبغي للمؤمن أن يُذل نفسه ،
فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم :

ابتغوا الحوائج بعزِّة الأنفس ، فإن الأمور تجري بالمقادير

[ابن عساكر عن عبد الله بن بسر]

وقد قيل :

احتج إلى الرجل تكن أسيره ، واستغن عنه تكن نظيره ، وأحسن إليه تكن أميره ، وشرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغناؤه عن الناس

إن اعتزاز المسلم بنفسه ودينه وربه ، هو عزة الإيمان ، وعزة الإيمان شيء و كبرياء الطغيان شيء آخر، إنها أنفة المؤمن أن يصغر لجهة أو أن يتَّضع في مكان ، أو أن يكون عبداً لإنسان ، إنها ترفُّع عن مغريات الأرض ، ومزاعم الناس ، وأباطيل الحياة ، وفيها انخفاض إلى خدمة المسلمين ، والتبسُّط معهم ، واحترام الحق الذي يجمعه بهم ، إنها إتيان البيوت من أبوابها ، وطلب العظمة من أصدق سبلها ،
قال الله تعالى في القرآن الكريم :

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)

[سورة فاطر : 10]

وقال أحدهم:

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثـــبت
فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت

والعزة حق يقابله واجب ، وليس يسوغ لامرئٍ أن يطالب بماله من حق حتى يؤدي ما عليه من واجب ، فإذا كُلِّفت بعمل فأدّيته على أصح وجوهه ، عندئذ لا سبيل لأحد عليك ، ولا يستطيع من فوقك ولا من دونك أن ينالك بلفظ جارح ، وتستطيع أن تحتفظ بعزة نفسك أمام كل الناس على اختلاف مراتبهم ، حين تسدُّ الثغرات التي ينفذ منها إليك اللوم والتقريع ، إن ألدَّ أعدائك حينئذ يتهيبك ،
قال الله تعالى في القرآن الكريم :

(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(26)وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)

[سورة يونس]

وقد قال صلى الله عليه وسلم :

إياك و ما يعتذر منه

[ذكره الهندي في كنز العمال عن أنس]

تواضع المؤمن في عزة وقوة :

وبعد الحديث عن الكبر وبطلانه ، والذلة وأسبابها ، والعزة ومقوماتها يطيب الحديث عن التواضع :
إنه تواضع العزيز ، لا تواضع الذليل ،
وإنه تواضع القوي ، لا تواضع الضعيف ،
وإنه تواضع المنتصر لا تواضع المنهزم ،
وإنه تواضع الشريف ، لا تواضع الخسيس ،
وإنه تواضع المؤمن الذي يؤمن أن الأمر كله بيد الله ، لا تواضع المشرك الذي استحوذ الخوف على قلبه ،
وإنه تواضع المؤدي لواجبه لا تواضع المقصّر فيه ،
وإنه تواضع المتقن لعمله ، لا تواضع المهمل له ،
وإنه تواضع المحسن ، لا تواضع المسيء ، ويدعم هذا التوجه .

تعريف التواضع

لُغةً:

وذاك التعريف أن التواضع لُغةً مصدر قياسي لفعل تواضع ، الذي على وزن تفاعل، حيث يفيد هذا الوزن إظهار ما ليس في الواقع ، فالمتواضع ليس وضيعاً ، كما أن المتمارض ليس مريضاً ، والمتكبر ليس كبيراً ، والمتعاظم ليس عظيماً .

حقيقةً:

فالتواضع في حقيقته ، رؤية صحيحة لعظمة خالق الأكوان ، وشعور واقعي بضعف الإنسان ، وسلوك أصيل أساسه الانضباط والإحسان ، فهو مظهر لعبودية الإنسان تجاه خالقه ، ونتيجة لرؤية افتقاره لفضله ، وليس سلوكاً ذكياً ، أساسه مصلحة راجحة ، ولا ضعفاً نفسياً أساسه توهُّم باطل ، أو رؤية ضبابية ، وليس تقصيراً ، أو إهمالاً ، أو إساءة .
إنه فضيلة الفضائل ، وهو بين دناءة الذلِّ وغطرسة الكبر ،
قال الله في الحديث القدسي:

(( ليس كل مُصَلٍّ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي …)) .

[من حديث قدسي طويل رواه الديلمي عن حارثة بن وهب]

والتواضع في أدق تعاريفه : خضوع العبد لسلطان الحق ، والانقياد له ، والدخول تحت مظلته ، ومن تكبر عن الانقياد للحق ، أذله الله ، وصغّره وحقّره ، ومن تكبَّر عن الانقياد للحق ، ولو جاءه من صغير أو بعيد أو عدو فإنما تكبّره على الله ، فإن الله هو الحق ، وكلامه حق ، ودينه حق ، والحق صفته ، والحق منه ، والحق إليه ،
وحينما عرَّف النبي صلى الله عليه وسلم الكبر فقال إنه :

(( الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ ـ أي جحد الحق ـ وَغَمْطُ النَّاسِ )) .

[رواه مسلم عن ابن مسعود]

أي احتقارهم وازدراؤهم ، وعرَّف التواضع بقاعدة ” مفهوم المخالقة ” ، أي إنه الخضوع للحق ، وإنصاف الناس لهذا قيل : من عرف نفسه عرف ربه ، ومن لم يعرف نفسه فهو مغرور ، ومن نظر بعين المعرفة إلى سلطان الله ، فني عنه سلطان نفسه ، ومن نظر إلى عظمة ربه صغرت عنده نفسه ، وقهرت تحت جلال هيبته.
المؤمنون قوم فرَّغ الله قلوبهم من الكبر ، وجعل رحيق محبته مشروبهم ، وأطال على باب خدمته وقوفهم، وجعل رضاه وقُربه مطلوبهم ، وغضبه وبعده مخوفهم ، فهم من خشيته مشفقون ، ومن هيبته مطرقون ، إن تواضعوا فلرفعته ، وإن تذللوا فلعزته ، وإن طمعوا ففي فضله ، وإن خضعوا فلعظمته ، إلى الله افتقارهم وبالله افتخارهم ، وإلى الله استنادهم ، هو كنزهم ، وعزهم ، وفخرهم ، وذخرهم ، ومعبودهم ، ومقصودهم .
وقل للواقفين بغير باب الله : يا طول هوانكم ، وقل للعاملين لغير الله : يا عظيم خسرانكم ، وقل للآملين لغير فضل الله : يا خيبة آمالكم ، وقل للساعين لغير وجه الله : يا ضيعة أعمالكم .
هذه بعض المنطلقات النظرية ، لخلق التواضع ، ولكن أين هي التطبيقات العملية ؟ .

التطبيقات العملية لخُلق التواضع :

الإسلام يرفض الفصل بين النظري والتطبيقي :

إن هذا الانفصال بين المُثُل النظرية ، والواقع العملي ، بين ما ينبغي أن يكون وبين ما هو كائن ، يرفضه الإسلام أشد الرفض ، لقد رفع الإسلام الواقع إلى مستوى المثل ، وشد المثل لتكون واقعية ، فصار ما في الإسلام يسمى بالواقعية المثالية ، أو المُثُل الواقعية .
إليكم أنموذجاً واقعياً من خلق التواضع عند النبي صلى الله عليه وسلم :

النبي عليه الصلاة والسلام المثال التطبيقي للتواضع :

لقد كان صلى الله عليه وسلم جمَّ التواضع ، وافر الأدب ، يبدأ الناس بالسلام ، وينصرف بكله إلى محدثه ، صغيراً كان أو كبيراً ، ويكون آخر من يسحب يده إذا صافح ، وإذا تصدق وضع الصدقة بيده في يد المسكين ، وإذا جلس جَلس حيث ينتهي به المجلس ، لم يُرَ ماداً رجليه قط ، ولم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته ، أو حاجة صاحب أو جار ، فكان يذهب إلى السوق ، ويحمل حاجته بيده ويقول : أنا أولى بحملها ، وكان يجيب دعوة الحرِّ والعبد والمسكين ، ويقبل عذر المعتذر ، وكان يرفو ثوبه ، ويخصف نعله ، ويكنُس داره ، ويخدم نفسه ، ويعقل بعيره ، وكان في مَهنة أهله ، وكان يأكل مع الخادم ، ويقضي حاجة الضعيف والبائس ، وكان يمشي هوناً خافض الطرف ، متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، لا ينطق من غير حاجة ، طويل السكوت ، إذا تكلم تكلّم بجوامع الكلم ، وكان دمثاً ليس بالجاحد، ولا المهين ، يعظم النِّعم ، وإن دقَّت ، ولا يذمُّ منها شيئاً ، ولا يذمُّ مذاقاً ، ولا يمدحه ، ولا تُغضبه الدنيا ، ولا ما كان منها ، ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها ، إذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، كان يؤلِّف ولا يُفرق ، ويُقرّب ولا يُنفّر ، يكرم كريم كل قوم ، ويوليه عليهم ، يتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، يُحسِّن الحسن ويصوّبه ، ويُقبِّح القبيح ويوهِّنه ، لا يُقصِّر عن حق ، ولا يجاوزه ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه ، من سأله حاجة لم يرده إلا بها ، أو ما يَسّره من القول ، كان دائم البشر ، سهل الخُلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخَّاب ، ولا فحّاش ، ولا عيّاب ، ولا مزّاح ، يتغافل عما لا يشتهي ، ولا يُخيِّب فيه مؤمله ، وكان لا يذم أحداً ، ولا يعيِّره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما يُرجى ثوابه ، يضحك مما يضحك منه أصحابه ، ويتعجب مما يتعجبون ، ويصبر على الغريب وجفوته ، في مسألته ومنطقه ، لا يقطع على أحدٍ حديثه حتى يجوزه … والحديث عن شمائله لا تتسع له المجلدات ، ولا خطب في سنوات ، ولكن الله جل في علاه ، لخَّصها في كلمات
فقال :

(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

[سورة القلم]

نماذج من تواضع النبي عليه الصلاة والسلام :

فمن عنايته بأصحابه ، وتواضعه لهم :

نموذج أول :

ما رواه الحاكم بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بعض بيوته ، فدخل عليه أصحابه حتى غصَّ المجلس بأهله وامتلأ ، فجاء جرير البجلي ، فلم يجد مكاناً فقعد على الباب ، فنزع رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه ، وألقاه إليه ، فأخذه جرير ، ووضعه على وجهه ، وجعل يقبِّله ، ويبكي ، وأعاده إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ما كنت لأجلس على ثوبك ، أكرمك الله كما أكرمتني ، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يميناً وشمالاً ، وقال :

(( إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ )) .

[أخرجه ابن ماجه من غير ذكر القصة]

نموذج ثان :

وعن عدي بن حاتم أنه قال : لما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ألقى إلي وسادة من أدم محشوٍّ ليفاً،
وقال : اجلس عليها ،
فقلت : بل أنت فاجلس عليها ،
قال : بل أنت ،
فقال عدي : فجلست عليها ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض ، فقلت : أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فساداً .. وأسلم عدي بن حاتم .

نموذج ثالث :

وروى البيهقي في الدلائل أنه وفدَ وفدُ النجاشي على النبي صلى الله عليه وسلم فقام يخدمهم بنفسه ،
فقال أصحابه : نحن نكفيك القيام بضيافتهم وإكرامهم ،
فقال صلى الله عليه وسلم:

إنهم كانوا لأصحابنا مُكرمين ، وأنا أحب أن أكافئهم

نموذج رابع :

وكان صلى الله عليه وسلم يمرُّ على الصبيان فيسلم عليهم ، وكانت الأمة ( الطفلة الصغيرة) تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت ، لقد كان هين المؤنة لين الخُلق ، كريم الطبع جميل المعاشرة ، طلق الوجه ، بساماً متواضعاً من غير ذلة ، جواداً من غير سرف رقيق القلب ، رحيماً بكل مسلم خافض الجناح للمؤمنين ، ولين الجانب لهم .

نموذج خامس :

وفي مختصر السيرة للطبري

أنه صلى الله عليه وسلم كان في سفر فأمر أصحابه بإصلاح شاة ذُبحت ، فقال رجل : عليَّ سلخها ، وقال آخر : عليَّ ذبحها ، وقال صلى الله عليه وسلم ” وعليَّ جمع الحطب ” فقالوا : يا رسول الله ، نحن نكفيك العمل ، قال : (( قد علمت ذلك ، ولكنني أكره أن أتميز عليكم ، وإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً على أصحابه )) .

[كشف الخفاء]

نموذج سادس :

لقد دخل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً متواضعاً لله ، ذاكراً لفضله ، حتى أن ذؤابة عمامته كادت تلامس عنق بعيره من شدة تواضعه وشكره ، هذا هو تواضعه صلى الله عليه وسلم .

والحمد الله رب العالمين

         أضف تعليق