المشرف العام
مقالات
تناصحوا بمودة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 14/07/2018م
الموافق : 2/11/1439 هـ

تناصحوا بمودة

صلاح فتحي هَلَل

قاعدة الأخوة الإسلامية ليست عملاً هامشيًا، أو مطلبًا كفائيًا إذا قام به البعض سقط عن الباقين، إنما هي قاعدة صلبة مستمرة مطردة، شاملة لجميع أفراد المسلمين، في كل وقت وحين، لا تنقطع بين المسلمين، بل لا يقطعها الموت، فتبقى سارية بعده، وفي هذا نصوص شرعية عظيمة، تحفظها قلوب المسلمين وعقولهم.

وهذه القاعدة لا تناقضها قواعد النصيحة المطلوبة شرعًا، بل تتكامل هذه وتلك في سياق واحد، لتجعل من المسلمين جسدًا واحدًا، يكمل كل عضو فيه الآخر، ويسهر على راحته، يفرح بفرحه ويتألم بألمه.

يرحم الواحد منهم أخاه ويشفق عليه، فينصره ظالمًا أو مظلومًا، قيامًا بواجب النصيحة الشرعية، والأخوة الإسلامية، التي تدفعه إلى دفع المضار والمفاسد والملام عن أخيه، وجلب المصالح والمسرات والزينة له.

وعليه قام سوق النصيحة بين السلف والخلف من المسلمين، بجوار سوق المودة والمحبة، فترى النصح مغلفًا بالمودة، والتصحيح مشفوعًا بالدعاء، وتلك شيمة القلوب المسلمة حين يغمرها صدق الانتماء لهذا الدين، والولاء له، وترك حظوظ النفس، والترفع عن سفاسف الدنيا.

ولنذهب إلى القمرين الإمامين، الليث بن سعد، ومالك بن أنس، طيب الله ثراهما، فقد كتب كل منهما يتعقب على صاحبه شيئًا من العلم، فكانت الرسائل بينهما نبراسًا في النصيحة، وعنوانًا للمودة والمحبة.

وانظر إلى الليث وهو يكتب إلى مالك يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم؛ مِن الليث بن سعد إلى مالك بن أنس؛ سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد: عافانا الله وإياك، وأحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد بلغني كتابك تذكر من صلاح حالك الذي سرني، فأدام الله ذلك لكم، وأتمه بالعون على الشكر له وبه، والزيادة في أحسنه، وذكرت نظرك في الكتب التي بعثتُ إليك بها، وإقامتك إياها، وختمك عليها بخاتمك، وقد أتتنا، فآجرك الله فيما قدمتَ منها، فإنها كتبٌ انتهت إِلَيَّ عنك، فأحببتُ أنْ أَبْلُغَ تحقيقها بنظرك فيها". وذكر الليث أشياء، ثم قال لمالك: "وذَاكَرْتُكَ أنتَ وعبد العزيز بن عبد الله بعضَ ما نعيبُ على ربيعة مِن ذلك، فكنتما موافقين فيما أنكرتُ، تكرهانِ منه ما أكرهُ، ومع ذلك - بحمد الله - عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامة، ولنا خاصة، رحمه الله وغفر له، وجزاه بأحسن عمله". ونصح الليث لمالك في مسائل علمية ثم قال له: "وأنا أحب توفيق الله إياك، وطول بقائك؛ لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف أنْ يكون من المضيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناسي بمكانك، وإِنْ نأَتِ الدار، فهذه منزلتُكَ عندي، ورأيي فيك فاسْتَيقِنْهُ، والسلام"[1].

فكتب مالك إلى الليث يقول: "من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد: سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإياك من كل مكروه، كتبتُ إليك وأنا ومن قِبَلِي من الولدان والأهل على ما تحب، والله محمود؛ أتانا كتابك، تذكر من حالك، ونعمة الله عليك؛ الذي أنا به مسرور؛ أسأل الله أن يتم عَلَيَّ وعليك صالح ما أنعم علينا وعليك، وأن يجعلنا له شاكرين"، وكتب مالك يقول له: "وكان حبيبا إِلَيَّ حِفْظكَ، وقضاء حاجتك، وأنت لذلك أهل"، ويقول: "وبلغتُ من ذلك الذي رأيتُ أنه يلزمني لك في حقك وحرمتك"[2].

بل كتب الإمام إسحاق بن راهويه يقول للإمام أبي زُرْعة الرازي: "إني أزدادُ بك كل يوم سرورا، فالحمد لله الذي جعلَك ممن يحفظ سنته"[3].

فمن يطالع هذه الكلمات النورانية لأئمتنا هؤلاء، سيرى حجم المودة والمحبة البادية في الحروف والسطور، مع صدق النصيحة، وأمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بغير شطط أو تكلف.

وإذا كان ترك النصيحة جريمةً وخيانةً لحقِّ الأخوة، فإن الشطط والغلظة في النصح حتى يؤدي ذلك إلى التشرذم وتفريق المسلمين؛ جريمة أخرى.

ونحن أمة عدل وإنصاف ووسط، وعلينا أن نحقق هذه المعاني السامية في كل تعاملاتنا وأحوالنا، فالخلاف في الاجتهاديات باقٍ، والمودة باقية، فلنختلف بمودة، ولنتناصح بإحسان، ولتكن رايتنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -، لمعاذ وأبي موسى: "يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا"[4].

________________

[1] [تاريخ الدوري 4511].

[2] [تاريخ الدوري 5412].

[3] [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 1/329].

[4] [رواه البخاري 3038، ومسلم 1733].

         أضف تعليق