المشرف العام
الداعية الصغير
الاحترام والتوقير من أخلاق النبوة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 10/10/2018م
الموافق : 30/01/1440 هـ

الاحترام والتوقير من أخلاق النبوة

فرج ابو طير

إن حسن الخلق, والأدب مع الخلق, والاحترام والتوقير, هو من مقامات الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع سنته, وقد أمرنا الله عزوجل بذلك في قوله تعالى. (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21)، ولقد وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالخلق العظيم (وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4) والرسول صلى الله عليه وسلم هو القائل (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) رواه مسلم0 ورواية أخرى (مكارم الأخلاق).

ومن مكارم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم الاحترام والتوقير: يقول يحيى بن معاذ رحمه الله من تأدب بأدب الله صار من أهل محبة الله0 ويقول عبد الله بن المبارك رحمه الله. (نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم)0 ويقول ابن القيم رحمه الله. (وأدب المرء عنوانُ سعادته وفلاحه, وقلةُ أدبه عنوانُ شقاوته وبَواره, فما استجلب خيرُ الدنيا والآخرة بمثل الأدب ولا استجلب حرمانُها بمثل قلة الأدب)، وقيل. الأدب في العمل علامةُ قَبُول العمل، إن الاحترام والتوقير سلوك يثمر الحب بين الناس, ويجعل الحياة حياة طيبة آمنة.

احترام وتوقير الوالدين: قال تعالى (وَقَضَى? رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ? إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (الإسراء: 23، 24)، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال. سألت النبي صلى الله عليه وسلم. أي العمل أحب ُّ إلى الله عزوجل ؟ قال: (الصلاة على وقتها)0 قال: ثم أي ُّ ؟ قال: (بر ُّالوالدين) (قال: ثم أي؟ قال: (الجهاد ُ في سبيل الله) (البخاري ومسلم)، عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال. (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لحما ً بالجعْرانَة وأنا غلام شاب فأقبلت امرأة فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط لها رداءه فقعدت عليه, فقلت: من هذه؟ قالوا: أمُّه ُ التي أرضعتُه) (أبو داود والحاكم)

ومن علامات الاحترام والتوقير للوالدين: طاعتهما في المعروف, عدم رفع الصوت عليهما, أو سبهما, أو لعنهما, وعدم التبرم منهما, وكذلك من الأدب معهما التلطف لهما في القول, وتقبيل أيديهما, وقضاء حاجتهما.

احترام وتوقير العلماء, وأهل الفضل: العلماء هم ورثة الأنبياء, وإذا كان الأنبياء عليهم السلام لهم حق التبجيل والتكريم, فلمن ورثهم نصيب من ذلك, وتوقير العلماء توقير للشريعة, لأنهم حاملوها0قال تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر: 9)، وفي الحديث (إن الله وملائكته, وأهل السموات والأرض, حتى النملة في جحرها, وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) رواه الترمذي و قال حديث حسن صحيح.

إكرام ذي الشيبة, وحامل القرآن, والحاكم العادل: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم, وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه, وإكرام ذي السلطان المقسط) رواه أبوداود, وقال الألباني. حسن

انظروا عباد الله بين الربط العجيب بين إجلال الله تعالى وتعظيمه, وبين إكرام هؤلاء الكرام, فمن أراد تعظيم الله تعالى, عليه بإكرام وتوقير ذي الشيبة المسلم, وحامل القرآن, والحاكم العادل.

إنزال الناس منازلهم: عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أتيته فقال: (يا جرير لأي شيء جئت؟ قال: جئت لأُسلم على يديك يا رسول الله, قال: فألقى إليَّ كساءه ثم أقبل على أصحابه وقال: إذا جاءكم كريم ُ قوم فأكرموه0 وقال. وكان لا يراني بعد ذلك إلا تبسم في ٍوجهي) ابن ماجه, وذكره الألباني في الصحيحة. وقد ذكره مسلم في أول صحيحه تعليقًا فقال: وذكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم).

إكرام كبير السن واحترامه وتوقيره: عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما أكرم شاب ٌ شيخًا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه) رواه الترمذي. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يرحمْ صغيرنا ويعرفْ شرفَ كبيرنا) رواه الترمذي وعند أبي داود (حق كبيرنا).

الاحترام والتوقير في النداء على الناس: عن حنظلة بن حذيم رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه ُأن يدعو الرجل بأحب أسمائه إليه وأحب كُناه) رواه الطبراني ورجاله ثقات

وتأملوا في هذا الأدب النبوي في السلام بين الناس: عن أبي هريرة – رضي الله عنه – النبي صلى الله عليه وسلم- قال: (يسلم الصغير على الكبير, والمار على القاعد, والقليل على الكثير) وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( يسلم الراكب على الماشي, والماشي على القاعد, والقليل على الكثير) البخاري

احترام النبي – صلى الله عليه وسلم- لمن يتحدث معه أو يسلم عليه: قال تعالى (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)(الحجر: 88)، وعن أنس رضي الله عنه قال. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافح – أو صافحه – الرجل لا ينزع يده, وإن استقبله بوجه لا يصرفه عنه, حتى يكون الرجل ينصرف عنه, ولا يرى مقدمًا ركبتيه بين يدي جليس له ) رواه الترمذي

النهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذنه إلا لحاجة: عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال, (إذا كنتم ثلاثة, فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس, من أجل أن ذلك يحزنه) متفق عليه

احترام وتوقير الجار: عن ابن عمر وعائشة – رضي الله عنهم – قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سَيُورِّثه) البخاري ومسلم.

احترام الرسول – صلى الله عليه وسلم – للخادم: عن أنس بن مالك رضي الله عنه -قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة, أخذ أبوطلحة بيدي, فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, إن أنسًا غلام كيس فليخدمك0 قال. فخدمته في السفر والحضر0 والله ما قال لي لشيء صنعته. لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه. لم لم تصنع هذا هكذا) مسلم

شكر, واحترام وتقدير, لمن أجرى الله على يديه الخير والمعروف: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من لم يشكر الناس لم يشكر الله عزوجل) (أبوداود والترمذي وأحمد في المسند) وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صُنع إليه معروف فقال لفاعله. جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء) (الترمذي) ولذلك من الاحترام والتوقير أن يكون على اللسان هذا الدعاء الجميل لكل من صنع لنا معروفا

الاحترام, والعشرة الطيبة مع النساء: قال تعالى (وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء:19)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا, وخياركم خياركم لنسائهم) (رواه الترمذي).

احترام الرسول صلى الله عليه وسلم مع المعارضين له من المسلمين: في أعقاب (غزوة حنين) وتوزيع الغنائم على المهاجرين, لم يعط النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار شيئًا من الغنائم00 ودار حوار رائع بين الأنصار ورسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهت الأزمة, وتراضى الأنصار, والمهاجرون معا (وللمزيد. انظر شرح غزوة حنين في كتب السير).

احترام النبي صلى الله عليه وسلم حتى لمن أساء إليه: أخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: (كانت امرأة ترافث الرجال (أي تكلمهم كلامًا بذيئًا ) وكانت بذيئة فمرت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل ثريدًا على طربال فقالت: انظروا إليه يجلس كما يجلس العبد ويأكل كما يأكل العبد، فقال النبي: وأي عبد أعبد مني؟ قالت: ويأكل ولا يطعمني، قال: كلي، قالت: ناولني بيدك, فناولها، فقالت: أطعمني مما في فيك, فأعطاها فأكلت فغلبها الحياء فلم ترافث أحدًا حتى ماتت).

احترام الرسول صلى الله عليه وسلم في حواره مع المخالفين من غير المسلمين: نموذج الحوار مع عتبة بن ربيعة حينما جاء يعرض عليه مطالب قومه, فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن قال له: (قل يا أبا الوليد00 أسمع) ثم استمع إليه حتى انتهى فقال له:(أو قد فرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم, قال, فاسمع مني ثم بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يتلو عليه الآيات من أول سورة فصلت حتى انتهى إلى موضع السجدة0 (فصلت: 37) وسجد0 ثم قال: قد سمعت أبا الوليد فأنت وذلك ) (سيرة ابن هشام).

و تأمل في رسائل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والزعماء غير المسلمين يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى قيصر الروم (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم) ويقول أيضا في رسالته إلى كسرى فارس: (من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس)، ويقول في رسالته إلى المقوقس زعيم مصر: (من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط).

احترام الرسول صلى الله عليه وسلم للوفود القادمة إليه وهم من غير المسلمين: كان صلى الله عليه وسلم يجري لهم الضيافة, ويحسن استقبالهم, ويلبس أحسن الثياب لاستقبالهم, وكان يكرمهم بالهدايا والجوائز والعطايا.

التحذير من الاستهزاء بالآخرين: قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى? أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى? أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنّ …) (الحجرات: 11) قال تعالى:(فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ? هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى?) (النجم: 32) قال تعالى: (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ) (الهمزة:1)

أي يعيب غيره, تارة بالهمز وتارة باللمز, فاللمز باللسان, والهمز بالجوارح0 وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. (بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم) (رواه مسلم)، يعني يكفي المؤمن من الشر أن يحقر أخاه المسلم, وهذا تعظيم لاحتقار المسلم, وأنه شر عظيم. لو لم يأت المسلم من الشر إلا هذا لكان كافياً، وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك) (رواه الترمذي) وفي الحديث (ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم, ويل له ثم ويل له) (الترمذي وغيره)، وكم من أناس يكذبون ليضحكوا الناس, فويل لهم من عذاب الله, فالجزاء من جنس العمل، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كل المسلم على المسلم حرام, دمه وعرضه وماله) (رواه مسلم).

         أضف تعليق