المشرف العام
مقالات
العدل والمساواة قيم أصيلة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 08/10/2018م
الموافق : 28/01/1440 هـ

العدل والمساواة قيم أصيلة

أ‌.      محمد زاهي مقدادي

إن قيم العدل والمساواة لم تكن يوماً من الأيام قيم نظرية فقط؛ بل طبقت على مدار التاريخ الإسلامي في صور عملية، وتم الالتزام بها من الحكام والمحكومين على حد سواء؛ فتأتي قريش إلى أسامة بن زيد وقد أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، كيف تُقطع يدها ؟ وهي من بني مخزوم من سادات قريش، فيريدون لها استثناء من العقوبة نظرا ً لمكانتها، ومكانة قومها. فيكلم أسامة بن زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فماذا كان جواب رسول الله ؟ أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة ؟ ثم يقرر قاعدة لهلاك الأمم، وزوالها، واندثار حضارتها ( إنما أهلك من كان قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ) ثم يقرر أن لا استثناءات، ولا مميزات في القانون حتى لو كان للحاكم نفسه أو لأقرب المقربين إليه ( والله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) "1"

 

يقول الدكتور الزحيلي في تفسيره الوسيط ( لا يعرف الإسلام في أحكامه وقضاته ومحاكمه التفرقة بين مسلم وغير مسلم، فالكل أمام الحق والعدل سواء، ولا محاباة لمسلم على غير المسلم في أي مظهر أو وضع من مظاهر القضاء وأوضاعه "2" . كما ويؤكد على هذا المعنى الدكتور راغب السرجاني في كتابه الأخلاق والقيم في الحضارة الإسلامية إذ يقول : ( فالعدل في الإسلام لا يتأثر بحب أو بغض، فلا يفرق بين حسب ونسب، ولا بين جاه ومال، كما لا يفرق بين مسلم وغير مسلم؛ بل يتمتع _ بالعدل_  جميع المقيمين على أرضه من المسلمين وغير المسلمين مهما كان بين هؤلاء وأولئك من مودة أو شقاق "3"

 

وإذا ما ذهبنا نستعرض تاريخنا وحضارتنا الإسلامية نجد الصور التطبيقية لذلك؛ حيث روي أن قبطياً ينشد العدالة في المدينة المنورة من قبل الحاكم الأعلى للدولة الإسلامية ، وقد ظُلم في مصر من قبل ابن حاكمها . تروى كتب السير والتاريخ ( أن ابنا ً لعمرو بن العاص تسابق هو وقبطي فسبق القبطي ابن عمرو، فضرب ابن عمرو القبطي، فشكا ذلك لعمرو بن العاص، فحاول استرضائه إلا أنه أبى، فذهب للمدينة شاكياً عمرو بن العاص وابنه لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأرسل عمر بن الخطاب في طلب عمرو بن العاص وابنه، فلما وصلا أمر القبطي أن يضرب ابن عمرو بن العاص وأبيه، ثم قال قولته الخالدة المشهورة: ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ً )"4"

 

 كما يحدثنا التاريخ أن شريحاً القاضي حكم ليهودي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  في قضية درعه"5" . وكذلك حكم القاضي أبا يوسف لنصراني ضد الخليفة العباسي هارون الرشيد "6"

 

      إن هذه الصور التطبيقية التي أسلفنا هي غيض من فيض تعبر عن مدى الالتزام بالنصوص القرآنية، والسنة النبوية ،إذ يقول تعالى: ( يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) "النساء/135" ويقول تعالى: ( وإذا قلتم فاعدلوا ) "الأنعام/152" ويقول عليه الصلاة والسلام: ( الناس من آدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ) "7" .

 

       وبعد أن بّينا بعضا ً من الصور التطبيقية التي تبين مدى الالتزام بتطبيق النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، لا بد لنا أن نبين أهمية العدل والمساواة، وذلك في النقاط الآتية :-

 

1 .  أنها تعبير حقيقي عن كرامة الإنسان بغض النظر عن دينه ولونه ،                فحينما تخاصم أبو ذر هو وبلال، قال أبو ذر لبلال : ( يا ابن السوداء، فشكى بلال للنبي،   فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية) "8"      

 

  فلا اللون ولا الجنس هما أساس المقايسة والمفاضلة، بل نجد النص القرآني يقرر                (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)"الحجرات/13" (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر) "الإسراء/70"   

 

      يقول الدكتور علي حسن الطوالبة في كتابه حق المساواة في الشريعة الإسلامية                والمواثيق الدولية (الشريعة الإسلامية وضفت مبادئ الحرية والعدل والمساواة في خط واحد، يكمل أحدهما الآخر؛ لأن هذه المبادىء هي التي تعبر حقيقة عن كرامة الإنسان                   التي تنشدها حقوق الإنسان في الدساتير والصكوك الدولية؛ فالشريعة الإسلامية                   سباقة في حفظ الكرامة الإنسانية منذ 1400سنة) .

 

2 . أنها ميزان الله على الأرض يؤخذ للضعيف حقه، وينصف المظلوم ممن ظلمه، وتمّكن صاحب الحق من الوصول إلى حقه في أقرب الطرق وأيسرها. وفي خطاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه يقرر هذه القاعدة ؛ حيث استفتح به خلافته، إذ يقول: ( الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله)"9".

 

3 . أنها تحقق الاستقرار والطمأنينة في المجتمع المسلم؛ فالمطالع البصير لما يجري      في الوقت الحاضر من خراب ودمار في بلاد المسلمين يعرف أن السبب الأول والرئيس    هو غياب العدالة والمساواة. وإذا ما أردنا استقراراً وطمأنينة فعلينا أن نطبق هذه القيم تطبيقاً  عملياً لا نظرياًً؛ حتى يطمئن كل فرد في المجتمع أن كرامته مصانة، وحقه محفوظ، وأنه لا تمايز، ولا طبقية، ولا استثناءات. فهذه القيم تعمل على استقرار المجتمع، وتحقيق الأمن، كما يقول الدكتور الطوالبة: ( لو تم تطبيق هذه المبادئ من قبل الحكومات والأنظمة السياسية في البلدان التي تدين بالإسلام، وتحكم بمبادئه لما شهدنا فرقاً في حقوق الإنسان، وانتهاكا ً لكرامة الإنسانية، ولكانت هذه البلدان أنموذجاً يحتذي في احترام حقوق الإنسان، ولكن الابتعاد عن الشريعة الإسلامية، والاستهانة بالمبادئ النبيلة التي وضعتها من أجل الإنسان هو الذي جعل البلدان الإسلامية في مؤخرة الدول المعنية بحقوق الإنسان"10".

________________

"1" متفق عليه.

"2" التفسير الوسيط / الزحيلي ج1 / ص 375

"3" الأخلاق والقيم في الحضارة الإسلامية / د . راغب السرجاني / ص 71

"4" فتوح مصر وأخبارها /ابن عبد الجكم ص29

"5" أخرجها أبو نعيم في الحلية4/139

"6" معالم الحضارة في الإسلام / ص72

"7" أخرجه أبو داود/كتاب الأدب/باب في الإحسان

"8" متفق عليه.

"9" السيرة النبوية/ابن هشام4/240

"10" حق المساواة في الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية ص11

         أضف تعليق