المشرف العام
الداعية الصغير
كونوا مع الصادقين
تمت الإضافة بتاريخ : 19/06/2018م
الموافق : 6/10/1439 هـ

كونوا مع الصادقين

حسين بن عفيف

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]هذه الآية العظيمة في سورة التوبة، أتت بعد بيان توبة الله عز وجل على الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، حيث نجاهم صدقهم من أن يكونوا من أهل الكذب والنفاق.

وقصة (الثلاثة الذين خلفوا) قصة عجيبة في الثبات على مواقف الحق والصدق والتوبة حري بكل مسلم أن يدرسها ويأخذ منها العبر والعظات، ومفادها أن جمع تخلف في المدينة عن المشاركة في غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن دعاهم للنفير، فلما عاد صلى الله عليه وسلم من الغزوة أتاه المعتذرون بأعذارهم الواهية وقد كان يقبل منهم صلى الله عليه وسلم ويكل سرائرهم إلى الله عز وجل، إلا ثلاثة نفر لم يقدموا له أي عذر بل صدقوا في بيان توانيهم وركونهم إلى الدنيا، وهنا يأتي الامتحان حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامهم، فقاطعهم من حولهم حتى أصبحوا في أشد كرب وأعظم شدة، حتى يقول كعب بن مالك رضي الله عنه، وهو أحد الثلاثة الذين صدقوا : (فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف)، ثم بعد حول الخمسين ليلة نزلت البشرى لهم من الله عز وجل بتوبته عليهم، ونزلت هذه الآية، والتي يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في معرض تفسيره لها "أي اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله، وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجاً من أموركم ومخرجاً".

وكما رأينا في هذه القصة فقد يظن ظان أنه بكذبه ونفاقه سينجو ولكن لا خير في نجاة ظاهر ومآل سوء، ومن عجيب ما امتُحن به كعب بن مالك رضي الله عنه أن رهطاً من قومه أتوه مخذلين يحاولون أن يغروه في أن يكذب ويعتذر كما اعتذر المعتذرون حتى همَّ أن يعود فيكذِّب نفسه إلا أن الله منَّ عليه بالثبات على موقفه، حتى أتاه الفرج من الله وتخليد ذكرى ثباته وصموده وصدقه وامتداح أمره إلى يوم الدين...

وهكذا هم الرجال إذ يمتحنون فيثبتون ويصبرون... وقليل ما هم!!

رهط الصادقين قليل في عدده، عظيم في ثباته، ولكن العاقبة لأهله، وإن طال بهم زمن البلاء والمحنة {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90]، {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].

أعجب أشد العجب من قوم لا يكذبون فقط وإنما يتحرون الكذب تحرياً، يبحثون عنه ويستحلونه ويقصدونه قصداً حتى أصبح من عادتهم، وصميم حياتهم، حتى أضحى حديثهم ممجوجا للأسماع، لا تطيقه الآذان، وفوق العجب هذا أنهم يتقاضون على كذبهم أجراً مضاعفاً، وعلى تدليسهم أنواع العلاوات والرتب، أين كل هؤلاء من حديث النبي صلى الله عليه وسلم المتفق عليه (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا).

قد يظن هؤلاء الكاذبون أنهم بكذبهم سيحققون نصراً عظيماً أو كسباً دائماً، وهم في هذا واهمون، فما وجدوه من نصر فإنه عاجل، وما حصلوه من كسب فهو مؤقت، وسيفتضح أمرهم ولو بعد حين، ويظهر زيفهم وتدليسهم ولو بعد زمن، ولنا في قصص الغابرين عظة، وما قصة (أهل الأعذار) عنا ببعيد.

فقه المآلات، وتحقق سنن الله عز وجل في الأنفس والآفاق، فقه وعلم ما أحوجنا إلى تدبره وإطالة التأمل فيه، وفي مقام حديثنا هنا فقد قرر ربنا عز وجل في كتابه أن الصدق ينفع أهله، ولو ظهر غير ذلك، كما أن الكذب يضر أهله، ولو ظهر غير ذلك، وشاهدنا قوله عز وجل {قَالَ اللَّهُ هَ?ذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119]، وحديث نبينا صلى الله عليه وسلم السابق، ثم ما سمعناه من قصص خلت وعبر مضت، ثم ما رأيناه بأم أعيننا في تقلبات الأحوال ومصائر الأمور.

وكما أن للكذب فنون، ولاختلاقه حيل، فإن للصدق مراتب، ولأهله درجات، أعلاها مرتبة الصديقية التي أشار الله تعالى إليها بقوله: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} [النساء: 69]، وسمي أبو بكر رضي الله عنه صديقاً لكثرة تصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك فإن للصدق مقامات، وللكذب دركات، وكما أن هناك صدق أقوال يمدح صاحبه، فهناك صدق أفعال يرفع صانعه، ومن مقامات الصدق، صدق النوايا والعزمات والهمم، وهذه المقامات والأحوال تحتاج إلى بسط قول وتوضيح معانٍ، ومزيد تأملات، ولعلها تأتي في مقال قادم بإذن الله عز وجل.

الصدق من أعظم الخلال، وأرفع الصفات، والمؤمن الحق لا يعرف الكذب، ولا يتطرق إليه، وزمرة المؤمنين الصادقين خير الزمر، وقد وصَّى الله عز وجل بالتمسك بها بأن {كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.

فاللهم اجعلنا من الصادقين، واحشرنا في ركب الصادقين..