المشرف العام
بحوث ودراسات
دور الصوم في التربية النفسية
 
تمت الإضافة بتاريخ : 26/05/2018م
الموافق : 11/09/1439 هـ

دور الصوم في التربية النفسية

لم تظفر بعد ميادين علم النفس المختلفة بمثل ما ظفرت به الشريعة الإسلامية من آداب أخلاقية تهذب النفس وتُنَقِّي سرائرها، وتكسوها الكمال والجمال الأخلاقي.. لم توجد وسيلة تربوية تهذيبية تقوم على النفس وتكسر شوكتها وتحجم من رعونتها أفضل من الصوم، وقد دلت آيات القرآن الكريم على الغاية التهذيبية للصوم حين قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183).

 

فالصوم–  كما عرفه ابن كثير في تفسيره هو: «الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بِنِيَّةٍ خالصة لله عز وجل، لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة... ولأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان».

 

فإذا لم تتحقق التقوى عند الصائم فلا رجاء فيه ولا في صيامه وقد أكد رسول الله ? مراد القرآن من الصوم حين قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

 

وفى دراسة بعنوان: «دور الصوم في التربية النفسية»، للباحث التربوي الدكتور محمد السيد مليجي، يرى أنه ليس الغرض من الصوم تفريغ المعدة من الطعام والشراب، وإنما الغرض إكساب النفس القناعة والارتقاء بسجاياها وطباعها إلى منزلة أخلاقية سامية تترفع فيها عن دنس المعاصي ورجس الشهوات. ومن ثم فالصوم فُرِضَ لغاية سامية وحكمة مقدسة، هي تربية النفوس والسمو بها إلى آفاق عليا من التطهير والصفاء، فلا تتحكم فيها نزعات الإثم ووساوس الشر، وشهوات الجسد، وإنما تكون دائما نقية تقية تخشى الله وترجوا رحمته وتهاب حسابه.

 

 

 

منهج الإسلام في تهذيب النفس بالصوم

 

علم الله سبحانه أن الصوم مشقة للعبد وجهاد لنفسه، فرَغَّبَه فيه وحَبَّبَه إليه عندما غَيَّبَ عنه جزاءه وجعله سرًا بينه وبين عبده؛ حتى يُخلص المؤمن في صومه؛ ليحظى بطيب العيش والنعيم المقيم في الآخرة. وقد بين ذلك رسول الله ? في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله ?: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، فإذا كان يومُ صومِ أحدكم فلا يَرْفُث ولا يَصْخَب، فإن سَابَّه أحدٌ أو قَاتَلَه فليقل إني امرؤٌ صائم، والذي نفس محمد بيده لَخَلُوفِ فَمِ الصَّائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه».

 

وفي حديث آخر يقول رسول الله ?: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه».

 

فقد أشارت الأحاديث النبوية الشريفة إلى الجزاء الوفير الذي أعده الله تعالى للصائم يوم القيامة، وما ذلك إلا لأن الصيام ينفرد دون سائر العبادات بخصائص كثيرة، أهمها: أنه سر بين العبد وربه، وأنه عبادة شاقة فهو لون من الجهاد أو هو الجهاد الأكبر، كما ورد في بعض الأحاديث النبوية فكان في حاجة إلى أن يجيء الحديث عنه على هذا النحو من الترغيب والتحبيب لتُقبِل عليه النفوس راسخة الإيمان، قوية اليقين، لا ترى فيه عبئًا ثقيلًا تنوء به، ولكن تراه نعمة وخيرًا للمؤمنين وأنه فريضة خالدة في كل دين، يصل القلوب بالله ويحملها على استشعار خشيته ومراقبته وتقواه.

 

وإذا كان موفور الجزاء من الله موقوف على جهاد النفس وحجبها عن المأكل والمشرب وغيرها من الطيبات التي أحلها الله للناس، فليس هذا مسوغًا لتعذيب وتحميلها فوق ما لا تطيقه، كما جاء عن غلاة الصوفية في ذلك، وإنما الغرض من ذلك تهذيبها وتأديبها حتى لا تجنح إلى الإسراف، وهذا ما سنوضحه في النقطة التالية.

 

 

 

الاقتصاد في الصوم

 

سبقت الإشارة إلى الغرض من الصوم وهو ترويض النفس وتربيتها على الأخلاق الكريمة والإرادة القوية والهمة العالية من خلال الامتناع عن الطعام والشراب وكل ما تميل إليه النفس من الطيبات.

 

ولكن يجب أن يدرك المسلم أن الدين يُسر وأن الله لا يكلف النفس إلا بما تطيقه؛ حتى تأخذ الثواب على هذه الاستطاعة. قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}، وقال أيضًا: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة:)

 

وقال في الصوم نفسه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة:184).

 

وفي ذلك يقول ابن كثير: «أي أن المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر؛ لما في ذلك من المشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعد ذلك من أيام أخر».

 

وأما الصحيح المقيم الذي لا يطيق فكان مخيرًا بين الصيام وبين الطعام، إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم كل يوم مسكينًا، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الطعام.

 

كذلك أكدت السنة المطهرة الاقتصاد في الصوم وحمل النفس على ما تطيق فعندما جاء نفر من المؤمنين يستشفعون بالسيدة عائشة رضي الله عنها ليأذن لهم رسول الله ? في وصال الصوم، قالت: «نهى رسول الله ? عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، فقال: إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقين».

 

وفي موضع آخر قال رسول الله ?: «إياكم والوصال مرتين، قيل: إنك تواصل، قال: إني أبيت يطعمني ربي ويسقين، فأتوا من العمل ما تطيقون».

 

فهؤلاء الذين يشقون على أنفسهم ويريدون الوصال في الصوم كان غرضهم جهاد النفس وإرهاقها حتى تسكن إلى الله وتقر بنعمه عليها وتنقطع عن طيبات النعم ورغدة العيش، لكنهم تحققوا من صاحب الرسالة أن الدين لا يعرف الإسراف وأن الله لا يكلف النفس بما لا تطيقه، وأنه سبحانه لم يحرم على النفس أن تهنأ بطيب العيش ما دامت قائمة على حدود الله تعالى.

 

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (المائدة: 87).

 

وقال أيضًا: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ? قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? كذلك نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الاعراف: 32).

 

وعلى ذلك يكون الإسراف في الحلال غير مقبول عند الله ورسوله، بل مأخوذ عليه في التشديد والإسراف، وهذا مغاير لمنهج الله في خلقه.

 

ومما جاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الشأن أنه سُئِل ذات يوم عن شاب عقد مع الله تعالى عهدًا على أن يصوم يومًا ويفطر يومًا طوال الدهر، وقد فعل ذلك سنةً وهو متأهل، كما أنه ذو مرض ويحتاج إلى نفسه في حفظ صحته، فلما أحس بقدرته على دوام الصوم زاد من همته في حفظ القرآن الكريم، ثم زاد بقيام الليل وطول التهجد، فأثر مجموع ذلك خللًا في ذهنه، من ذهول وصداع يلحقه في رأسه، وبلادة في فهمه، فأصبح لا يحيط بمعنى الكلام إذا سمعه، كما ظهر أثر ذلك في عينيه حتى كادتا أن تغورا، فهل صوم هذا الشاب يوافق رضا الله؟

 

أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: «الحمد لله، جواب هذه المسألة مبني على أصلين: أحدهما: موجب الشرع. والثاني: مقتضى العهد والنذر.

 

أما الأول: فإن المشروع المأمور به الذي يحبه الله ورسوله ? هو الاقتصاد في العبادة، كما قال النبي ?: «عليكم هديًا قاصدا.. عليكم هديا قاصدا».

 

وقال: «إن هذا الدين متين، ولن يُشَاَّد الدين أحد إلا غلبه، فاستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا»

 

وقال أبي بن كعب: «اقتصاد في سُنَّة خير من اجتهاد في بدعة»، فمتى كانت العبادة توجب له ضررًا بمنعه عن فعل واجب أنفع له منها كانت محرمة، مثل أن يصوم صومًا يضعفه عن الكسب الواجب، أو يمنعه عن العقل أو الفهم الواجب، أو يمنعه عن الجهاد الواجب، وكذلك إذا كانت توقعه في محل محرم لا يقاوم مفسدته مصلحتها، مثل أن يخرج ماله كله ثم يستشرف إلى أموال الناس ويسألهم.

 

وأما إن أضعفته عما أصلح منها، وأوقعته في مكروهات، فإنها مكروهة، وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» (المائدة: 87).

 

أما الأصل الثاني: وهو العهد الذي عقده هذا الشاب مع الله تعالى، فيقول عنه ابن تيمية: «فالأصل فيه ما جاء في الصحيحين عن عائشة– رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ?: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه».

 

فإذا كان النذر الذي عاهد الله عليه يتضمن ضررًا غير مباح يُفضي إلى ترك واجب، أو فعل محرم، فهذا معصية لا يجب الوفاء به، بل لو نذر عبادة مكروهة مثل قيام الليل كله وصيام النهار كله، لم يجب الوفاء بهذا النذر».

 

ثم يوجز شيخ الإسلام وجهة نظره في هذه القضية بقوله: «الأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل والاقتصاد والتوسط، الذي هو خير الأمور وأعلاها، كالفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة فمن كان كذلك فمصيره إليه إن شاء الله».

 

وجماع الأمر عندنا في هذه القضية أن الوسطية التي ميزت أمة محمد ? عن سائر الأمم هي الأساس الذي أقيمت عليه مبادئ الإسلام وشريعته السمحاء ومنهجه القويم، والخروج عن هذه الوسطية يُعدَّ دليلًا على الخروج عن معالم الشخصية السوية التي تنسجم بفطرتها مع الوسطية الإسلامية.

         أضف تعليق