المشرف العام
مقالات
رمضان يصنع المستقبل
تمت الإضافة بتاريخ : 19/05/2018م
الموافق : 5/09/1439 هـ

رمضان يصنع المستقبل

إسلام محمود

رمضان شهر الإعداد لصناعة المستقبل، مدرسة سنوية للأمة تتجدد في كل عام، ونتاجها طاقات إيمانية، وإشراقات نورانية، ومحطات تربوية للنفس البشرية، وإنجازات تاريخية، ومواقف عزة وفخار.

 

   مدرسة يتربى فيها الفرد على الترقي في درجات الإيمان، وتربية النفس على معاني الصبر، ومعالي الأمور.

 

   مدرسة تغرس في النفس روح التعاون والمودة والتقارب، والتضحية والعطاء.

 

   رمضان مدرسة للأمة تعلمها كيف تصنع المستقبل، مدرسة تعلمها كيف ترتقي بين الأمم؛ لتكون رائدة لهم وموجهة ومخرجة لهم من الظلمات إلى النور.

 

   رمضان مدرسة للأمة تتفجر فيه الطاقات، طاقات الصبر والعزيمة، والثقة بالله، والالتجاء إلى الله.

 

   رمضان مدرسة للتضحية والفداء، والشوق إلى جنات الرحمن، رمضان مدرسة للأمة لتجديد الخضوع لعلام الغيوب ملك الملوك.

 

   رمضان مدرسة لصناعة الرجال، مدرسة لصناعة الأمهات المؤمنات القانتات، مدرسة لصناعة الشبيبة وإعدادهم لقيادة المستقبل.

 

   في رمضان تصوم الأمة خضوعًا وطاعة لربها وخالقها {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

 

   في رمضان نزل القرآن، ونزوله في رمضان لحكم عديدة، علمها من علمها وجهلها من جهلها {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].

 

   في رمضان انتصرت الأمة أولى انتصاراتها، يوم بدر.

 

   في رمضان تسمو النفوس وتحلق في آفاق السماء، وتترفع القلوب عن مخالطة الشهوات الطينية الأرضية، وتحلق طلبًا لمرضاة علام الغيوب.

 

   فشهر رمضان هو فرصة وموسم للتخطيط، والإعداد لصناعة المستقبل الباهر الموعود.

 

   يرتقي فيه الفرد بروحه وخلقه وعمله وآماله، تصوغ فيه الأمة مقومات عزتها، ودعائم سؤددها؛ فمعالم صناعة المستقبل في رمضان يمكن صياغة بعضها في نقاط:

 

   - تلاوة القرآن وتدبره، وتدارس معانيه وأحكامه حتى تخالط بشاشة القلوب، وتصوغ النفوس وفق الأحكام والتعاليم الربانية.

 

   - تَرَسم الهَدي النبوي وتتبع دقائق السنن، حتى تتعلق النفوس وتفتش عن الهدي المحمدي في كل صغيرة وكبيرة.

 

   - حمل النفس على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور حتى يرتقي مجمل المجتمع الإسلامي إلى مستوى أمة الشهادة {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

 

   - تربية النفس من خلال معاني الصيام، من صبر عن الشهوات، وبعد عن المحرمات، ومداومة على الطاعات.

 

   - تلمس المعاني التربوية من صبر، ومداومة، وتعاون، واجتماع على الخير، ومتابعة، وترتيب، وخشوع، وإنصات، كل ذلك من خلال قيام رمضان.

 

   - مدارسة التاريخ الإسلامي والاستفادة من المواقف، ودراسة البطولات، واستخلاص الدروس والعبر.

 

   - الالتفاف حول الشخصيات الإسلامية التي أثرت في مستقبل الأمة، وشاركت في صياغة تاريخها المشرق.

 

   - غرس روح العزة والتضحية والفداء، من خلال المواقف الإيمانية الرمضانية وغير الرمضانية.

 

   - النفوس في رمضان تكون أقرب إلى مرضاة علام الغيوب، وأطوع للصياغة والتوجيه والإعداد، فليكن رمضان فرصة لصهر النفوس، وسبكها، وإعادة تشكيلها.

 

   - تأصيل مبدأ المداومة وإن قل، حتى يدوم الأثر، وتجنى الثمار في رمضان وبعد رمضان، فقد كان أحب العمل إلى رسول الله "أدومه وإن قل"[1].

 

   - تربية النفوس على التعلق ببارئها، واللجوء إليه، والخضوع لشرعه، وجعل ذلك كله هو (منهج حياة)، {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163].

 

   هذه بعض معالم صناعة المستقبل في رمضان، فإلى أصحاب النفوس السامية، وأصحاب الأهداف الراقية، وأصحاب التوجيه والإرشاد، وأصحاب الأقلام، وأصحاب الرأي والمشورة، بل إلى الأمة جمعاء، لا تفوتنكم المدرسة الرمضانية، استثمروها واستغلوا الفرص، واجعلوه شهر إعداد وتهيئة، وإحياء لصناعة المستقبل، وتوجيه القلوب والنفوس إلى استعادة مجد الأمة التليد، وعزها الزاهر، وليس على الله بعزيز، بل إن وعد الله الصادق هو الذي يبعث فينا روح صناعة المستقبل واستعادة الأمجاد.

 

   {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55]، وقال: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلاًّ يذل به الكفر"[2].

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

   [1] رواه مسلم وأبو داود والنسائي.

 

   [2] رواه الإمام أحمد.