المشرف العام
مقالات
انتقاء الأخلاق
 
تمت الإضافة بتاريخ : 28/04/2018م
الموافق : 13/08/1439 هـ

انتقاء الأخلاق

صالح الشناط

إذا أردنا أن ننشر صورة نختارها من بين العشرات، ننظر في تفاصيلها، وألوانها، وخلفيتها، لتكون أجمل، وليُعجب بها من نحبّ، فإذا وجدنا أن فيها ما يعكس شيئاً مشيناً أو مستهجنناً أتلفناها وتجنبناها. نبتسم فيها لنكون أجمل، وليستلطفنا من ينظر إليها، أيها سيحبها الآخرون، إننا ننتقيها ونلتقطها بإتقان.

بيد أننا، إلا من رحم الله، لا نلتقط من بين أخلاقنا الأفضل، فالأخلاق الحسنة والسيئة كثيرة، ومن الأخلاق الحسن والأحسن، والسيئ والأسوأ، لا تستوي درجاتها. فيا حبذا لو أن الواحد منا إذا أراد أن يتلفظ اختار من القول أحسنه ? وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ?، وإذا أراد أن يعمل عملاً أن يتقنه (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، أن يكون في ميدان الصدق أصدق، والحلم أحلم، والصبر أصبر، والكظم أكظم، والكرم أكرم، والشجاعة أشجع، واللطف ألطف، والبر أبرّ.

فهذه الأخلاق رأس مالِنا، وغيرها ما لَنا للفوز بالجنة؟ يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "الدين كله خُلق، فمن فاقك في الخلق فقد فاقك في الدين"، فديننا دين الأخلاق، وفي الحديث "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، و"ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق"، و"أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق".

فأين المتبارون في ميدان الأخلاق؟

 

أين المستقيمون على شرع الله ليبهروا العالم أجمع، والناس بجميع أديانهم بأخلاق الإسلام وعظمتها؟

هل مكان أخلاق الإسلام هو الآيات والأحاديث، وتطبيقاتها العملية في كتب السلف والتاريخ؟ لماذا لا تخرج إلى النور لتظهر عظمة الإسلام؟

يفوق تعداد سكان ماليزيا 30 مليون نسمة، أكثر من 60% مسلمون، إنما وصلها الإسلام أول ما وصلها من خلال التجار المسلمين، ذوي الأخلاق، فلا غشّ ولا خداع في معاملاتهم وإنما الصدق والأمانة. وكم من شخص أسلم نتيجة "الدعوة الصامتة"، أي: دون أن ينطق بكلمة، وإما بأخلاقه الحسنة كان سبباً في إسلام أشخاص. فكما قيل: فعلُ رجل في ألف رجل، أبلغ من قول ألف رجل في رجل.

منذ أيام انتهى إلى مسامعي أن امرأة في بلد غربي تعجبت لما عرفت أن الرجل تتعامل معه منذ فترة مسلم، ولما أخبروها أنه مسلم قالت، كيف ذلك؟ مسلم وأخلاقه حسنة!

 

يا سبحان الله، ويكأن سوء الأخلاق ارتبط في أذهان البعض بالمسلمين. كلا فالإسلام بريء من سوء الأخلاق.

للأسف أنك تسمع عن صحفية فرنسية بعدما أسلمت وزارت إحدى بلاد المسلمين قولها: "الحمد الله أني عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين". وأن تسمع من آخر "إن بلاد الغرب فيها الإسلام ولكن ليس فيها مسلمون". بمعنى أنهم يطبقون الإسلام في أخلاقهم، ولكنهم ليسوا مسلمين.

لماذا تقترن المعاملة الحسنة والإنسانية والبشاشة والتلطف بالغرب، ولا تقرن ببلاد المسلمين مع أنها هي مصدر وأساس الأخلاق الفاضلة؟ أليس الإنسان عندما يستقيم على شرع الله تستقيم أفعاله؟ فلماذا يزداد البعض عبوساً إذا التزم؟ ويهجر الناس إذا التزم؟ ولماذا لا يلقي السلام وينفتح على الآخرين إذا التزم؟

حقيقة هذه الأسئلة تحتاج إلى وقفة وتأمل وأجوبة، ولم أكتب هذا الكلام إلا بعد أن أصبح هذا الأمر شبه ظاهرة، أن المسلمين، إلا من رحم الله، يضعف فيهم إبراز الأخلاق الحسنة، أخلاق الإسلام التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام.

لي جار نصراني، والله أتأسف أنه على غير الإسلام، ما ينقصه إلا قول لا إله إلا الله محمد رسول الله، أخلاقه حسنة، يسألني دوماً هل أنت بحاجة لشيء؟ هذه سيارتي استخدمها متى احتجت إليها؟ يأتي إلينا بالطعام من باب الإكرام، وكلما خبزت زوجته خبزاً حاراً أتت به إلينا، عدا عن بعض الهدايا. ويذكرني هذا الموقف بشيء قريب يدلل على عظمة حسن الجوار، وأخلاق الجار، حيث كان لعبد الله ابن المبارك جار يهودي وأراد أن يبيع داره، فقيل له: بكم تبيع؟ قال: بألفين. فقيل له: لا تساوي إلا ألفاً. قال: صدقتم ولكن ألف للدار وألف لجوار بن المبارك. فأخبر عبد الله بن المبارك بذلك فدعاه فأعطاه ثمن الدار، وقال له لا تبعها.

 

يلومونني أن بعت بالرخص منزلي = ولم يعلموا جاراً هناك ينغصُ

 

فقلت لهم كفّوا الملام فإنها = بجيرانها تغلو الديارُ وترخصُ

وهذان البيتان يعبّران عن حال بعض مجتماتنا للأسف، فاليوم وعلى صعيد الأخلاق بين الجيران، نسمع أشياء عجيبة غريبة، فبعض الجيران منذ سنوات لا يعرف اسم جاره، ولا عدد أولاده، ولا ماذا يعمل، ولا هل يعمل أو لا، ولا هو غني أم فقير، شبعان أم جائع؟ بينما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه". ويوصي قائلاً: "يا أبا ذر، إذا طبختَ مرقةً فأكثِر ماءها وتعاهد جيرانك".

إن الأخلاق يا سادة تحتاج إلى قوة باطنية، وإيمان عميق بها وبآثارها وبأهميتها، واستحضار نية، وأنك تحتاج إليها اضطراراً لا اختياراً؛ ولذلك تجد أن بعض الأحاديث علقت الفوز بالجنة على الأخلاق الحسنة. ويكفيك أن تستمع إلى هذا الحديث الذي يجلب الخوف إلى القلوب، إلى قلوب الملتزمين، من صلى وصام وقام.. قوله عليه الصلاة والسلام: "وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل"؛ أي إن أعمالك في جوف الليل وتلاوة القرآن قد تذهب حسناتها بسوء الخلق، ويدلك على هذا حديث المفلس. فانتق من بين الأخلاق أجملها، ومن الكلام أطيبه، ومن الأفعال أحسنها.

         أضف تعليق