المشرف العام
المناهج
أهداف العبادة وغاياتها
تمت الإضافة بتاريخ : 21/04/2018م
الموافق : 6/08/1439 هـ

أهداف العبادة وغاياتها

السؤال المهم، لماذا فرض الله علينا عبادته وطاعته وهو الغني عنا ؟ إنه تبارك اسمه لا تنفعه عبادة من عبده، ولا يضره إعراض من صد عنه، ولا يزيد في ملكه حمد الحامدين، ولا ينقصه جحود الجاحدين، هو الغني ونحن الفقراء إليه، هو الودود الكريم والبر الرحيم، لا يأمرنا إلا بما فيه خيرنا وصلاحنا .

أيها الأخوة المؤمنون إذا انتقلنا من تعريف العبادة إلى غاياتها العظيمة، وأهدافها النبيلة نجد:

1.العبادة غذاء النفس :

العبادة غذاء النفس، فكما أن الجسم غذاؤه الطعام والشراب فالنفس التي بين جنبيك غذاؤها العبادة، فليس الإنسان هو الغلاف المادي الذي نحسه ونراه، ولكن حقيقة الإنسان هو ذلك الجوهر النفيس الذي صار به سيد المخلوقات، هذا الجوهر الذي يحيى ويسعد بذكر الله والإقبال عليه، ويهلك ويشقى بالغفلة والبعد عنه،

قال تعالى :(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9))[سورة الشمس]

أيها الأخوة الكرام، إن القلب الإنساني دائم الشعور بالحاجة إلى الله، وهو شعور أصيل لا يملأ فراغه شيء في الوجود إلا حسن الصلة برب الوجود، وهذا هو جوهر العبادة.

2.العبودية الحقة لله سبيل إلى الحرية الحقيقية :

العبودية الحقة لله سبيل إلى الحرية الحقيقية، إن العبودية الخالصة لله جل جلاله هي عين الحرية، وسبيل السيادة الحقيقية، فهي وحدها تعتق القلب من رق المخلوقين، وتحرره من الذل والخضوع لكل ما سوى الله من أنواع الآلة والطواغيت التي تستعبد الناس وتسترقهم أشد ما يكون الاسترقاق والاستعباد، ذلك أن في قلب الإنسان حاجة ذاتية إلى رب، إلى إله، إلى معبود يتعلق به، ويسعى إليه، ويعمل على رضاه، ويلتجئ إليه، ويلوذ بحماه، لأن الإنسان خلق ضعيفاً، ليفتقر في ضعفه فيسعد في افتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته، فشقي في استغنائه، فإذا لم يكن هذا المعبود هو الله الواحد الأحد تخبط في عبادة آلهة شتى وأرباب أخر مما يرى ومما لا يرى، ممن يعقل ومما لا يعقل، مما هو موجود وما ليس بموجود إلا في الوهم والخيال،

يقول أحد العلماء :

كل من استكبر عن عبادة الله لا بد أن يعبد غيره، يسترقه ويذله، ولن ينجو القلب من استعباد المخلوقين واسترقاقهم إلا أن يكون الله خالق السماوات والأرض ورب العالمين هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه ويحرمه، ولا يوالي إلا من يواليه، ولا يعادي إلا من يعاديه، ولا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، وكلما قوي إخلاصه لله كملت عبوديته له، واستغناؤه عن خلقه، وبكمال عبوديته لله تكمل براءته من الكبر والشرك .

3.العبادة ابتلاء إلهي :

من أهداف العبادَة العبادة ابتلاء إلهي، فالحياة الدنيا التي نحياها طالت أو قصرت ليست هي الغاية، ولا إليها المنتهى، إنها حياة دنيا فانية، جعلها الله إعداداً لحياة عليا باقية، وشاءت حكمة الله جل جلاله أن يركب في الإنسان عناصر مزدوجة، بعضها يسمو به، وبعضها يهوي به، ففيه العقل والإرادة، وفيه الغريزة والشهوة، والحظوظ التي منحه الله إياها كالمال، والجمال، والقوة، والذكاء حيادية، يمكن أن يجعلها الإنسان سلماً يرقى بها، ويمكن أن يجعلها دركاتٍ يهوي بها، تسعده أو تشقيه، تكون سبباً لدخوله الجنة أو سبباً لدخوله النار، لقد أودعت فيه، ومنح نعمة العقل والإرادة، ثم رُسِم له منهجٌ من عند خالقه كُلف أن يسير عليه، وأن يطبق تفاصيله، فإما أن يُحَكِّم عقله، ويستعمل إرادته، فيطبق منهج ربه، فيسعد في الدنيا والآخرة، وإما أن يحكم غريزته، ويستجيب لشهوته، فيعرض عن منهج ربه، فيشقى في الدنيا والآخرة،

قال تعالى :(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7))[سورة الكهف]

وقال :(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2))[سورة الإنسان]

4.العبادة حق الله على عباده :

العبادة حق الله على عباده،

عن معاذ بن جبل قال:

(( كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد ؟ قلت : الله ورسوله أعلم، قال : حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً )) .[رواه البخاري عن معاذ بن جبل]

وقد ورد في الأثر القدسي :

(( إني والأنسَ والجنَّ في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي )) . [رواه البيهقي والحكيم والترمذي عن أبي الدرداء]

ليس بمستَنكَرٍ أن يكون لله علينا حق عبادته وحده، بل المستنكر أن يكون غير هذا، المستنكر أن نعبد ما دون الله، أو من دون الله فنؤدي الحق لغير أهله، إننا لم نكن شيئاً مذكوراً، خرجنا من ظلمة العدم إلى نور الوجود، ثم كنا نوعاً مكرماً من الخليقة، خُلقنا في أحسن تقويم، وصورنا في أحسن صورة، علمنا البيان، أوتينا العقل والإرادة، سخرت الكائنات لخدمتنا، فالعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أنواع النعم، كنعمة الحياة والرزق والهداية، وأقل القليل من العبادة أكبر من أن يستحقه أي مخلوق كائناً من كان، لذلك لا يستحق العبادة إلا الله، العبادة حق الله على عباده .

5.العبادة طلب للجنة ونجاة من النار :

العبادة طلب للجنة ونجاة من النار، لا يضير العابد ولا يقلل من قيمة عبادته أن تكون عبادته طلباً لثوابه، وخوفاً من عقابه، طلباً لجنته، وهرباً من ناره، لقد وصف الله تعالى صفوته من خلقه، وصف الأنبياء والرسل والصديقين والصالحين بأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ولو لم يكن هذا مطلوباً لما وصف الله الجنة للعباد، وزينها لهم، وأخبرهم عن تفاصيل لا تصل إليها عقولهم منها، ولما وصف لهم النار وخوفهم منها، وأخبرهم عن تفاصيل لا تصل إليه عقولهم منها، والحقيقة أن الجنة ليست اسماً لمجرد الأشجار، والفواكه، والثمار، والطعام، والشراب، والحور العين، والأنهار، والقصور، بل هي اسم لدار النعيم المطلق الكامل، ومن أعظم نعيم الجنة النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه، فأيسر اليسير من رضوانه، والنظر إلى وجهه الكريم أكبر من الجنان وما فيها،

قال تعالى في القرآن الكريم :(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23))[سورة القيامة]

وقال :(وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (72))[سورة التوبة]

6.عبادة المؤمن لربه نوع من الأخلاق :

عبادة المؤمن لربه نوع من الأخلاق، لأنها من باب الوفاء لله عز وجل والشكر لنعمه، والاعتراف بالجميل والتوقير لمن هو أهل للتوقير والتعظيم، وكلها من مكارم الأخلاق عند الفضلاء من الناس، لذلك نجد القرآن الكريم يعقب على أوصاف المؤمنين القانتين المطيعين

قال تعالى في القرآن الكريم :(أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا (177))[سورة البقرة]

وقال :(أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15))[سورة الحجرات]

وقال :(وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37))[سورة النجم]

لأن أعلى مراتب الصدق أن يكون الإنسان صادقاً مع الله، شاكراً لأنعمه، وفياً له بخدمة خلقه، أخلاق المؤمن لون من عبادته لربه، أخلاقه أخلاق ربانية، باعثها الإيمان بالله، وحاديها الرجاء في جنته، وغرضها رضوان الله ومثوبته، فهو يصدق الحديث، ويؤدي الأمانة، ويفي بالعهد، وينجز الوعد، ويغيث اللهفان، ويعين الضعيف، ويرحم الصغير، ويوقر الكبير، ويصبر في البأساء والضراء وحين البأس .

قال تعالى في القرآن الكريم :(إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً (9))[سورة الإنسان]

أخلاق المؤمن عبادة من زاوية أخرى، وهو أن مقياسه في الفضيلة والرذيلة هو أمر الله ونهيه، فالضمير وحده ليس بمعصوم، وكم من أفراد وجماعات رضيت ضمائرهم بقبائح الأعمال، والعقل وحده ليس بمأمون، لأنه محدود بالبيئة والظروف ومتأثر بالأهواء والنزعات، والعرف وحده لا ثبات له ولا عموم، لأنه يتغير من جيل إلى جيل، وفي الجيل الواحد، ومن بلد إلى بلد، وفي البلد الواحد، من إقليم إلى إقليم، لذلك التجأ المؤمن إلى المصدر المعصوم المأمون، الذي لا يضل ولا ينسى، ولا يتأثر ولا يجور، ذلك هو حكم الله، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون .

7.العبادة هي السبب الوحيد لمكارم الأخلاق التي لا تنبع من المصالح ولا تتأثر بها :

العبادة هي الأداة الوحيدة لتربية الضمير، أو هي السبب الوحيد لمكارم الأخلاق الأصيلة التي لا تنبع من المصالح ولا تتأثر بها، فالله جل جلاله أهل الخير والحق والجمال، والإنسان من خلال عبادته واتصاله بربه يشتق من مكارم الأخلاق ما يتناسب مع حجم استقامته، وعمله الصالح، وإخلاصه، وصدقه، فأشد البشر اتصالاً بربه أعلاهم خلقاً خلقاً ومنزلةً .

قال تعالى في القرآن الكريم :(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4))[سورة القلم]

وقال:(فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93))[سورة الحجر]

لذلك ممكن أن يقوم الإنسان فلا يُجعل لعبادته وزنٌ في تقويمه وتقديره، وهذا ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم وتنبأ به حينما قال :

(( يأتي على الناس زمان يقال للرجل فيه ما أظرفه ما أعقله ما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة من إيمان )) .[رواه البخاري عن حذيفة رضي الله عنه].