المشرف العام
المناهج
لذة الإحسان
تمت الإضافة بتاريخ : 16/04/2018م
الموافق : 1/08/1439 هـ

لذة الإحسان

عبدالله بن عبده نعمان العواضي

يبحث الإنسان في أقطار هذه الحياة عما يسعده فيها، ويريحه من عنائها وشقائها، ويسليه في أحزانها وغمومها، ويداويه أو يخفف عنه أوجاعها وأسقامها؛ ليجد بعدئذ اللذة والسرور.

 

لكن بعض الناس قد يخطئ الطريق إلى هذه الغاية؛ فيذهب يبحث عنها في إشباع الشهوات الجسدية دون حدود، وتلبية الرغبات الغضبية الشيطانية في انتهاك الحقوق، وما هذه الطريق إلا كحال الباحث عن إطفاء الحريق بصب الكيروسين عليه!

 

لكن المهتدي إلى الحق يعلم أنه لن يجد شفاء لشجونه، وجالباً للذته وسروره إلا في القيام بطاعة ربه، والبعد عن معصيته.

فمن موارد اللذة والسرور التي تملأ الصدر انشراحًا، والنفس ارتياحًا -مما دعا إليه ديننا الحنيف-: الإحسان إلى الناس، وبذل يد العون لهم، فيما يعود عليهم بالنفع، أو بدفع الضرر، في أمر دينهم أو دنياهم.

 

فكم هي اللذة التي يجدها العالم أو الداعي أو الناصح حينما يعلِّم الناس الخير ابتغاء وجه ربه، فيرى بينهم أثراً لتعليمه وإرشاده ونصحه؛ فذاك على يديه اهتدى إلى الإسلام بعد كفره، وذاك تاب إلى الله بعد إسرافه على نفسه في معصية ربه، وذاك صار باراً بعدما كان عاقًا، وتلك الأسرة التأم شملها وحلَّت فيها السعادة بعدما صلح حال الزوج على يدي ذلك العالم أو الداعي.

 

فما عملوا من الخير وتركوا من الشر كان لمن هداهم منه نصيب من الأجر يجده عند لقاء ربه، فكيف لا يلتذ ولا يسر من قدم هذا الإحسان إلى الناس ورأى أثره فيهم.

 

ولَمْ أَر كالمَعْرُوفِ، أمَّا مَذاقُهُ

فَحُلْوٌ، وأما وجْهُهُ فَجَمِيلُ [1]

وكم هي اللذة التي يحس طعمها ذلك المحسن بماله حينما يجد لإحسانه المالي أثراً طيبًا فيمن أحسن إليهم، يوم أشبع بطن جائع في يوم ذي مسغبة، أو كسا جسم عارٍ، أو عالج مريضًا، أو زوَّج عازبًا تائقًا، أو كفل يتيمًا أو أرملة، أو قضى دين مدين، أو فك قيد عانٍ، أو أغاث ملهوفًا، أو تحمل إيجار منزل لفقير مستأجر، أو بنى مسجداً، أو دار تعليم نافع، أو بيتًا لمحتاج.

 

فكم تمر بالناس هذه الأيام من حاجات فقدَ فيها بعضُ الناس عائلهم، أو مسكنهم، أو عملهم الذي منه يقتاتون، أو راتبهم الذي عليه بعد الله يعيشون، فمن نظر إلى هؤلاء الناس وهم يذوقون مرارات هذه المضرات فأحسن إليهم بماله، فرأى أحوالهم بفعله الجميل قد صلحت، فإن اللذة ستمطر سحابها الهتانة على قلبه، بعد أن مسح عن أولئك المعوزين غبار الحاجة، وأزاح عن وجوههم ظلام الفاقة، وأجرى نهر سعادتهم بعد أن جففه قحط المصيبة.

 

يروى أن أعرابياً وقف على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إن لي إليك حاجة رفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله تعالى وشكرتك، وإن لم تقضها حمدت الله تعالى وعذرتك، فقال له علي: خط حاجتك في الأرض؛ فإني أرى الضر عليك، فكتب الأعرابي على الأرض إني فقير. فقال علي: يا قنبر؛ ادفع إليه حلتي الفلانية، فلما أخذها مثل بين يديه فقال:

 

كسوتني حلَّةً تَبلى محاسنُها

فسوف أكسوك من حُسن الثنا حُللا

إن الثناء ليحيي ذِكرَ صاحبه

كالغيث يحيي نداه السهلَ والجبلا

لا تزهدِ الدهرَ في عُرف بدأتَ به

فكل عبد سيُجزى بالذي فعلا [2]

 

ويحكى أن حاتماً الطائي مر بأرض غزة، فناداه أسير: يا أبا سفانة، أكلني القيد والأسار والقمل. فقال: ما أنا بأرض قومي، وقد أخطأتَ إذ نوهت باسمي ولا معي ما أفديك به، ثم قال للذي هو في يده: خلِّ عنه سبيله واجعلني في القيد مكانه، ففعل وبعث إلى قومه فأتوه بما فدى به نفسه[3].

 

وقد يزيد الله تعالى في مكافأة عبده المحسن إلى الناس بماله وقت حاجتهم بأن يشفى مرضه أو مريضه، أو يفرج كربته، أو يهيئ له من يحسن إليه أو إلى أولاده من بعده كما أحسن إلى الناس، والجزاء من جنس العمل.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (داووا مرضاكم بالصدقة)[4].

 

ذكر بعض الدعاة أن رجلاً جاء فأخبره أنه كان يعاني من مرض القلب وقد سافر إلى لندن للتداوي، ثم عاد إلى وطنه، وفي يوم من الأيام ذهب لشراء اللحم من عند جزار، فرأى امرأة عجوزاً تبحث عن قطع اللحم المرمي على الأرض، فسألها عن ذلك، فقالت: إن أولادها لهم ستة أشهر لم يأكلوا لحمًا! فرقَّ الرجل لحالها، فقال لها: تعالي كل أسبوع وخذي كيلوين من اللحم وأنا سأحاسب الجزار فقالت: كيلو واحد يكفي، فقال لها: لابد أن تأخذي كيلوين. وحاسب الجزار حساب سنة كاملة، ثم رجع إلى بيته، فلما رآه أهله وأولاده استغربوا من نشاطه وتهلل وجهه، وظهور الصحة عليه، فذكر لهم القصة، فقالوا له: نسأل الله أن يشفي مرضك كما أسعدت هذه المرأة. ثم سافر إلى لندن وأجرى الفحوصات الطبية، فقال له الطبيب: أين أجريت العملية؛ إذ لم يعد للمرض أثر! فقال: لقد تاجرت مع الله فأغناني الله وشفاني.

 

وليس بعيداً عن اللذة والسرور من يسعى للشفاعة الحسنة لإنسان، أو يضمنه ويكفله حتى يؤدي ما عليه، فيوصله بهذا المعروف الحسن إلى نيل منفعة، أو دفع مضرة، وكم لهذا الإحسان من سعادة في نفس المحسن وهو يرى من أحسن إليه قد زالت عنه كربته، وعاد فرحًا بعدما كان حزينًا أسيفًا.

 

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اشفعوا تؤجروا)[5].

 

 

يذكر أن النعمان بن المنذر ركب في يوم بؤسه، وكان له يومان: يوم بؤس، ويوم سعد، لم يلقه في يوم بؤسه أحدٌ إلا قتله، وفي يوم سعده أحدٌ إلا حباه وأعطاه، فاستقبله في يوم بؤسه أعرابيّ من طيء فقال: حيا الله الملك، إن لي صبية صغاراً لم أوصِ بهم أحداً، فإن يأذن لي الملك في إتيانهم، وأعطيه عهد الله أني أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى أضع يدي في يده. فرقَّ له النعمان فقال: لا، إلا أن يضمنك رجل ممن معنا، فإن لم تأت قتلناه، وشريك بن عمرو بن شرحبيل نديم النعمان معه، فقال الطائي:

 

يا شريكَ يا ابن عمرٍو

هل من الموت محالهْ

يا أخا كلِّ مضامٍ

يا أخا من لا أخا له

يا أخا النعمان فكّ ال

يومَ عن شيخٍ غلاله

إن شيبانَ قبيلٌ

أحسنُ الناس فعاله

 

فقال شريك: هو علي، أصلح الله الملك! فمرّ الطائي والنعمان يقول لشريك: إن صدر هذا اليوم قد ولّى ولا يرجع! وشريك يقول: ليس لك عليّ سبيل حتى نمسي، فلما أمسوا أقبل شخص والنعمان ينظر إلى شريك، فقال: ليس لك عليّ سبيل حتى يدنو الشخص، فبينا هم كذلك إذ أقبل الطائي فقال النعمان: والله ما رأيت أكرم منكما، وما أدري أيكما أكرم! لا أكون والله ألأمَ الثلاثة، ألا إني قد رفعت يوم بؤسي. وخلّى سبيل الطائي، فأنشأ الطائي يقول:

 

ولقد دعتني للخلاف عشيرتي

فأبيتُ عند تجهّر الأقوال

إني امرؤٌ مني الوفاء خليقةٌ

وفعالُ كلِّ مهذَّبٍ بذّال

 

فقال النعمان: ما حملك على الوفاء؟ قال: ديني. قال: وما دينك؟ قال: النصرانية. قال: اعرضها عليّ، فعرضها عليه فتنصر النعمان[6].

 

فيا من يريد السعادة والسرور، والبهجة والحبور، اسعَ في الإحسان إلى الناس بما استطعت؛ لتسعد في دنياك، وابتغ بذلك وجه الله تعالى؛ لتسعد في أخراك.

من يفعلِ الخيرَ لا يعدمْ جوازيَهُ

لا يذهبُ العرفُ بين الله والناسِ [7]

________________________-

[1] الحماسة البصرية (ص: 133).