المشرف العام
قدوات
الشيخ الشهيد أحمد ياسين.. رجلٌ بأمة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 03/04/2018م
الموافق : 18/07/1439 هـ

الشيخ الشهيد أحمد ياسين.. رجلٌ بأمة

كارم الغرابلي

رجلٌ بأمّة وأمّة برجل".. إنها السِمةُ الأكثر دقة لوصف الشيخ الشهيد أحمد ياسين مؤسس حركة حماس، فحياته منذ الطفولة نَمَت فيها روح المسؤولية والتضحية؛ إذ كان مسؤولًا عن عائلته بعد وفاة والده وهو في الخامسة من عمره، ثم توالت المسؤوليات والصِعاب على هذا الفتى ليُصبح قعيدًا نتيجة إصابته بشللٍ رباعي بعد ممارسته لأحد أنواع الرياضة مع رفاقه، ومن إرادةٍ صنعها الكرسي المتحرك بدأ الشيخ مراحل حياته المتقدة بالانتماء وحب الدين والوطن دون التفاتٍ ليأس الإعاقة ولا لقسوة الظروف التي كان يعيشها.

"الشيخ ياسين كان رجلاً عظيمًا حمل بداخله كل معاني الإنسانية دائم الرضا، البسمة لا تفارق شفتيه، لقد افتقدناه ولكنه نال ما يتمنى"، بهذه الكلمات بدأت الحاجة حليمة ياسين "أم محمد" زوجة الشهيد بداية حديثها لـ"بصائر" في الذكرى الخامسة عشر لاستشهاده.

وكان الشيخ أحمد ياسين استشهد على إثر هجوم صاروخي شنته الطائرات الصهيونية على سيارته بتاريخ 22/ 3 / 2004 أثناء عودته من أداء صلاة الفجر بمسجد بالقرب من منزله.

ورغم استشهاده بقيت كلماته نهرا يروي ظمأ الأرض ونور يهتدي به كل من سار على دربه فقالوا كما قال “إننا طلاب شهادة. لسنا نحرص على هذه الحياة، هذه الحياة تافهة رخيصة، نحن نسعى إلى الحياة الأبدية.”

الحاجة أم محمد زوجة الشيخ: كانت حياة الشيخ منظمة، وأوقاته مُقسَّمة ما بين العبادة والعمل السياسي والاجتماعي، فكان يختلس السويعات القليلة ليتفقد أحوال أسرته ويداعب أحفاده الذين يحظون بمحبةٍ كبيرةٍ في قلبه

كان الشيخ ياسين يوازن بين كافة أمور حياته فلأهله نصيب ولدعوته نصيب لم يبخل علينا كان مربيًّا، دقيقًا في مواعيده، كان لا يشكو حتى حين يشتد عليه المرض وبالرغم من شلله وألمه يلقانا بوجهه البشوش البسام دائم الحمد والثناء لله عز وجل" تضيف أم محمد.

وواصلت حديثها: "ما أشد تواضعه حتى في الطعام كان لا يرفض أي شيء يُقدم له يأكل مما هو موجود، كان يحب الأطفال ويفرح عندما يراهم سعداء يضحكون ويمرحون، وأشد ما كان يزعجه أن يسمع بكاءهم".

كثيرة هي الومضات في حياة الشيخ الذي حاز أعلى درجات الإعجاب ممن كانوا حوله أو عايشوه أو حتى ممن تعرفوا إليه من المشاهدة الأولى، فكان حريصًا على أن يكون قدوةً في شتى المجالات، ونجح في ذلك رغم عجزه، وكانت إرادته أقوى بكثير من الأصحاء الذين حوله لدرجة أن بعض من عايشوه كانوا يشعرون بالخجل أمام قدرة تحمله للمتاعب والمشاق، خصوصًا في خدمة أبناء وطنه.

 

في هذا الإطار تحدث عبد الحميد عن والده الشيخ واصفًا إيَّاه بالمدرسة، قائلاً: "استطاع أن يجذب إليه الناس ويقنعهم بفكرته وقوة حجته، وبحسن معاملته وعلو أخلاقه، فلم يكن يتعامل مع الغني ولا ينظر إلى الفقير والعكس، ولم يكن الشيخ بمنأى عن هموم الناس فكان يعايشها يوميًّا من كثرة الناس الذين يتوافدون عليه للمساعدة".

وأشار إلى أن والده لم يكن متعصبًا لحزبه، كان مرحًا في معاملته مع الجميع، ودائم الضحك والمزاح مع الآخرين، ويشاركهم في أحزانهم وأفراحهم، مضيفاً: "تعود الصحفيون على الشيخ ياسين أنه لا يصد أحدًا عن المجيء إلى بيته المتواضع، والجلوس بجانبه حتى يشعر الواحد منهم بابتسامة الشيخ في وجهه وترحابه الكبير بأنه يتحدث مع صديقه".

يقول الصحفي وسام عفيفة رئيس تحرير صحيفة الرسالة في إحدى مذكراته: "كانت مقابلة أو اثنتين سريعتين تلك التي جمعتني بالإمام الشهيد، في ذلك اليوم وبعد طول انتظار (من كثرة من يقصدوه لمتابعة أمور الحركة أو المواطنين)، تمكنَّا من الدخول على الشيخ كان يجلس على كرسيه بكل بساطة، وقابلنا بابتسامته؛ حيث كان يهم بتناول طعام الغداء "عزم علينا"، وبدأ بالمزاح مع زميلي د. حسن أبو حشيش".

وأضاف: "كان يريد أن يعتذر لنا عن عدم إجراء المقابلة في ذلك اليوم، ولكنه لم يطلب منا ذلك مباشرة، وبكل تواضع وبذوق رفيع وضعنا أمام خيارين، إما أن ننتظر حتى ينتهي من تناول غدائه، وبالتالي نتناوله معه أيضًا رغم الإرهاق البادي عليه، وإما أن نحدد موعدًا لاحقًا، وكل ذلك كان يتم ببساطه يتخللها المزاح، والسؤال عن أحوالنا وظروف عملنا".

وتابع: "خلال وجودنا بدا واضحًا مدى اهتمام الشيخ الشهيد بالبعد الإعلامي، فقد كان العديد من الصحفيين يفدون إليه لإجراء مقابلات، والحصول على تعقيبه في مختلف قضايا الساعة، لم يرد أحدًا منهم، وربما حدد لبعضهم مواعيد أخرى، كان يعلم كيف يتعامل مع كل صحفي حسب وسيلته.. مراسل صحيفة أو مراسل فضائية أو صحفي أجنبي، وتعامل مع الكاميرا بشكل جيد رغم ضعف صوته ومشاكله الصحية".

وأضاف: "جمعتني قصص وشهادات عديدة عن الشيخ الشهيد في إطار تغطيتي لمراحل في حياته وبعد استشهاده؛ فحصلت على صورة لشخصية عجيبة من حيث القدرات على متابعة كافة الجوانب السياسية والمقاومة، وشئون الحركة وهموم الشارع الفلسطيني".

وختم حديثه :" الشيخ ياسين هو نوع فريد وطراز خاص من الرجال انتصر على إعاقته، وأحد رموز شعبنا الفلسطيني، وعنوان كرامة العرب والمسلمين، آمن بضرورة التربية والبناء والجهاد والعمل دون كلل أو ملل حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً".

سيرته وتضحياته

برع الشيخ المقعد في فن الخطابة والوعظ فذاع صيته وعمل بتدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية ثمّ خطيبا بمسجد العباسي ليترأس بعدها المجمع الإسلامي بغزة، وذلك قبل أن يتّم اعتقاله من قبل الجيش الصهيوني في 1983 بتهمة حيازة أسلحة وتهديد الكيان لتصدر عليه حكما بالسجن 15 عاما.

بعد سنتين قضاهما في سجون الاحتلال أخلي سبيل الشيخ على إثر صفقة تبادل أسرى بين الكيان والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ليعود إلى سالف نشاطه ويؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس في سنة 1987.

واصل ياسين مقاومته للمحتل الغاشم من على كرسيه المتحرك متسلحاً ببعض الكلمات لينهض همم الشباب في سبيل التصدي لممارسات الصهاينة وانتهاكاتهم المستمرة، ممّا أقلق العدو الذي عاد واعتقله مرّة أخرى وأصدر في حقه حكما بالسجن مدى الحياة و15 سنة إضافية بتهمة التحريض والتجهيز لعمليات عسكرية.

ما إن أطلق سراحه على إثر اتفاقية تبادل أسرى ثانية ولكن هذه المرة كان الأردن طرفاً فيها، حتى انطلق الشيخ في دعواته للتحريض والمقاومة من خلال إعادة بناء صفوف حركة المقاومة حماس ليصبح لديها جهازاً عسكرياً قوياً، ولسان حاله يقول إن عدتم عدنا.

في مقابل ذلك حاولت أجهزة الكيان الصهيوني بكل تشكيلاتها أن تغتال الشيخ المقعد دون جدوى ففرضت عليه الإقامة الجبرية سنة 2001 ولكنها عجزت أن تكمم فاه وتصادر كلماته.

فحين يتكلم الشيخ أحمد ياسين من فوق كرسيه تنطلق صفارات الإنذار لتدوي في سماء المستوطنات والبلدات.

استشهد الشيخ أحمد ياسين على إثر هجوم صاروخي شنته الطائرات الصهيونية على سيارته صبيحة الاثنين الموافق 22/3 /2004 أثناء عودته من أداء صلاة الفجر بمسجد بالقرب من منزله.

         أضف تعليق