المشرف العام
مقالات
الظنون في النفس المؤمنة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 17/03/2018م
الموافق : 1/07/1439 هـ

الظنون في النفس المؤمنة

د. مصطفى عطية جمعة

يُقصد بها ما يَعتَري النفسَ المؤمنة مِن ظنونٍ نحو نفسِها ونحو الآخرين، وهي ظنون وَجدَت مجالًا من النقاش مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

? عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ، قَالَ - وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ -: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ؛ مَا تَقُولُ؟! قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ؛ فَنَسِينَا كَثِيرًا! قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ، إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا‏. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏.‏ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‏((وَمَا ذَاكَ))‏.‏ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ، فنَسِينَا كَثِيرًا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً))، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ[1].

 

في نص الحديث حواران: بين حنظلة وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما، ثم بين الصحابيَّين الجليلَين والرسول صلى الله عليه وسلم، فحنظلة رضي الله عنه يُصارح أبا بكر بما في نفسه، وأبو بكر يقرُّ معترفًا بهذا الأمر، وهذا يَعكس الحوارَ الإيمانيَّ الذي كان بين أفراد المجتمع المسلم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد غدا الاثنان إلى الرسول الذي استمع لحنظلة، وأقرَّ أنَّ هذا حادث، ولا خوف منه. لأن القلوب تتبدَّل، إذا سمعَت الحكْمة والموعظة الدِّينية تحلِّق في آفاق الإيمان العُليا، وإذا عادت إلى أمور الدنيا: زوجة، وولد، ومال، وتعامُلات الناس، فإنها تنتكس إلى الأرض. والمؤمنُ إنسانٌ في حاجة للزوجة والولد والمال والناس، فلا مفرَّ مِن المواءمة بين الحالتين: سماع الموعظة والسموِّ الإيمانيِّ، وبين مُعافَسة الدنيا ومَشاغِلها. إنها ساعة وساعة، وحال وحال.

 

? عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ نَاسًا، مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ شَيْئًا هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ))[2]، وَالْمَعْنَى فِيهِ وَاحِدٌ؛ يَقُولُ: لَنْ أَحْبِسَهُ عَنْكُمْ.

 

هذا الحديث يتعلَّق بظنون النفس المؤمنة نحو العطاء المالي، فقد طَلب جماعةٌ من الأنصار المال ِمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مِن بيت مال المسلمين، ويبدو أن النَّهَم قد أصابهم، فاستزادوا العطاء من الرسول، والرسولُ يُعطي، فلمَّا وجد الطمع، أرشدَهم إلى أنَّ الأمر يتعلَّق بالنفس، وبنظرتهم له، وبما عنده، فلو كان لديه المزيدُ لأعطاهم، حتى لا يظنُّوا أنَّ الرسول يَحبس المالَ عنهم، ولا يأخذ الشيطان حظًّا مِن نفوسهم، فيظنون ما لا يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يَنصَحهم بالصبر والتعفُّف والاستغناء، فمَن تحلَّى بهذه القِيَم، فإن الله سيكون معه، ونلحظ أن الأفعال المستخدمة: يَستَغن، يَستَعفِف، يتصبَّر، فالتاء تُفيد هنا الإيجابية الشخصية، حيث يحرص الفردُ على التحلِّي بهذه القِيَم، ويتكلَّفها في نفسه، وفي هذه الحالة، فإن الله تعالى سيَغرِسها في أعماق المؤمن، لأن القيمة تنتقل مِن حالة التطبُّع إلى حالة الطبيعة. ونلاحظ أيضًا أنها قِيَم نفسيَّة، حاكمة لشهوات النفس التي تنعكس في سلوكيات الطمع والأثَرَة والأنانية، وتبذر في القلوب الظنون والشكوك حول الناس.

 

? عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ (مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَعَامًا قَطُّ؛ كَانَ إِذَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِلَّا تَرَكَهُ)[3].

هذا الحديث بسيطٌ يتَّصل بسلوك الرسول صلى الله عليه وسلم ذاته، ولكنَّه يَتناول قضيةً لا تخصُّ الرسولَ كسلوك شخصي، وإنما هي تتَّصل بسلوكيات اجتماعية في أمور الطعام. فإنَّ الرسول كان يأكل ما يحبُّ، فإذا عافَت نفسُه طعامًا ما، فهو لا يأكل منه، بل يتركه. إنه تصرُّف محمودٌ، يشتمل على التَّرْك دون تعليق لفظي قد يُحزن صانعَ الطعام ومُقدِّمَه، ويجعل الآخرين يبتعدون عن الطعام نفسه. فهذا الحديث يَتناول احترامَ البُعد النفسي لِمَن يُقدِّم الطعامَ ويبذُله، ويحترم خصوصيات الشعوب في أصناف الأطعمة المختلفة، مادامت لا تتعارض مع ما أَمَر به الشرع الإسلاميُّ في الطعام الحلال.

 

? عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ رَجَعَ إلَى أهْلِهِ فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا، فَآَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ فَحَلَفَ لاَ يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأكَلَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ))[4].

 

إنه موقف إنسانيٌّ، متكرِّر في حياتنا، ألَّا يأكل الأبُ الطعام المقدَّم إليه، مُؤثرًا به أبناءه. وقد فعَلَها أحدُ الصحابة، ولكنه أسبق فِعْلَه بحلف، فلما شعر بالجوع، أكل، مخالفًا يمينَه. واضطربتْ نفسُه، فغدا إلى الرسول يَستَشيره في الأيمان التي حلَفَها. وقد فهم الرسولُ الأمْر، وقدَّر تَنازُع عاطفة الأبوة، ورغبة النفس في أعماق الرجل، فلم يُعلِّق على فعْلة الرجُل، فهي مِن باب المباحات، ولا شيء عليه، وإنما أجاب عن استفسار الرجل، فمِن الممْكن أن يرجع الشخص عن يمينه، لِمَا هو خير، ويكفِّر عن هذه اليمين بالكفارات الشرعية؛ وهي على الترتيب: عتق رقبة، أو كسوة عشرة، مساكين، أو الإطعام لعشرة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام[5]، مصداقًا للآية الكريمة: ? فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ? [المائدة: 89].

________________________

[1] صحيح مسلم، كتاب التوبة، رقم 7142

[2] سُنن الترمذي، كتاب البرِّ والصِّلة، رقم 2156، (حديث حسَن صحيح)

[3] سُنن الترمذي، كتاب البرِّ والصِّلة، رقم 2163. (حديث حسَن صحيح).

[4] صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب مَن حلف يمينًا... رقم 4360.

[5] فقه السُّنَّة، (ج3، ص83)، وهي على الترتيب مِن الأعلى إلى الأدنى.

         أضف تعليق