المشرف العام
الداعية الصغير
عفة النفس
 
تمت الإضافة بتاريخ : 07/03/2018م
الموافق : 20/06/1439 هـ

عفة النفس

د. طه فارس

العِفَّة لغة: الكفُّ عن القَبِيح، أو عمَّا لا ينبغي، وعَفَّ عن الحرام، يَعِفُّ عَفًّا وعِفّةً وعَفَافَةً وعَفافًا، أي: كفَّ عنه، فهو عَفٌّ وعَفيفٌ، والمرأة عَفَّةٌ وعَفيفَةٌ، واستعَفَّ عن المسألة، أي: تكلَّف العِفَّة، والاستعْفَافُ: طلبُ العِفَّةِ، والمُتَعَفِّفُ: المُتَعَاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر، والعُفَافَةُ: البقية من الشيء[1].

والعِفَّةُ اصطلاحًا: هي حصولُ حَالةٍ للنَّفس تمتنع بها عن غلبة الشَّهوة[2]، أو هي هيئة للقوة الشهوية متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط هذه القوة، والخُمُودِ الذي هو تفريطُها، فالعفيفُ من يباشر الأمورَ على وَفْقِ الشَّرع والمُرُوءةِ[3]، وأصل العَفِّ: الاقتصار على تناول الشيء القليل الجاري مجرى العَفَافة[4]، وهي أُسُّ الفضائل: من القناعة والزهد وغنى النفس والسخاء، وعَدَمُهَا يعفي على جميع المحاسن، ويُعْرِي من لَبُوسِ المحامد[5].

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن محبَّةِ الله تعالى لأهل العِفَّة والتَّعففِ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ اللهَ تعالى... يحبُّ الحَيِّيَّ العفيفَ المتعفف»[6]، فعِفَّتُهم وزهدُهم بشهوات الدنيا أورثَهم محبَّةَ اللهِ تعالى، كما أورثهم تعفُّفُهم وزهدهم عما في أيدي الناس محبَّةَ الناس، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ‘: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوكَ»[7].

وبَشَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أهلَ العِفَّةِ بأنَّهُم أوَّلُ من يدخلون الجنَّةَ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: شَهِيدٌ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، وَعَبْدٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ وَنَصَحَ لِمَوَالِيهِ»[8].

فهم الفائزون بفضل الله يوم القيامة، كما فازوا بأشرف وأعظمِ ما يُعطَاه العبدُ في الدنيا، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُهْرٍ»[9].

كما أنهم أهلُ الفَلاح والنَّجاح، وأهلُ الغنى الحقيقي الذي يسعى إليه أصحابُ الهِمَمِ العالية، والنفوس الكريمة الأبية، فَعنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ»[10]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ الْغِنَى عَن كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ»[11].

وسعيهم في الدنيا لإعفاف أنفسهم وكفاية أهليهم جهادٌ في سبيل الله، فعن كعب بن عُجْرَة رضي الله عنه قال: مرَّ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ، فرأى أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من جَلَدِهِ ونشاطه ما أعجَبَهم، فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنْ كانَ خَرَجَ يَسْعَى على وُلْدِهِ صِغارًا فَهُوَ في سَبِيل اللهِ، وإنْ كانَ خَرَجَ يَسْعَى على أبوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ في سَبِيلِ اللهِ، وإن كانَ خَرَجَ يَسْعَى على نَفْسِهِ يُعِفُّها فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وإنْ كانَ خَرَجَ يَسْعَى رِياءً وَمُفاخَرَةً فَهُوَ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ»[12].

وأما نفقتُهم لإعفاف أنفسهم وأهليهم فهي صدقةٌ من الصدقات، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنفق على نفسِهِ صدقةً يستَعِفُّ بها فهي صدقةٌ، ومن أنفق على امرأته وولده وأهل بيته فهي صدقة»[13].

والعِفَّةُ على أنواع؛ منها: كفُّ الفَرْجِ عنِ الحَرام، وكفُّ النفسِ عن التَّشَوُّفِ لأموال الناس، وكفُّ الجوارح عن الآثام.

? أما عِفَّةُ الفَرْجِ وكَفُّهُ عن الحرام، فقد عَرضَ اللهُ تعالى لنا في كتابِه أعظمَ صورة من صور العَفَافِ عن الحرام، بعد تَيَسُّرِ أسبابِه وزوالِ مَوَانِعِهِ، وهي قِصةُ سيدنا يوسف عليه السلام مع زوجة العزيز، عندما هيَّأت أسبابَ الفاحشة، وأزالتِ الموانع، وسهلتْ أسباب الوصولِ إليها، إلا أنَّهَا قُوبِلَت بجواب العفيف الطاهر بالامتناع، قال تعالى: ? وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ الله إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ? [يوسف: 23]، فكلُّ من تحلَّى بعِفَّةِ يوسف عليه السلام، أمامَ مُغْرَيات الفتن وتيسرها، فهو مُبَشَّرٌ بأن يكون يوم القيامة في ظلِّ عرش الله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ:... وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا، قَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ...»[14].

ولْيَعْلمِ الرِّجالُ بأنَّ عفَّتَهم هي سببٌ في عِفَّة نسائهم وأعراضهم، وأنَّ من هتك سترَ الله عنه، واتبع أهواءه وشهوته، كان عقابُه في أهل بيته، وجازاه الله بمثل فعلِه، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عِفُّوا تَعِفَّ نِساؤُكُمْ»[15].

وقد أمر الله تعالى من لا تَتَيَسَّرُ له أسبابُ الزواج أن يستعفَّ عن الوقوع في الحرام إلى أن يُيَسِّرَ اللهُ له ذلك، فقال تعالى: ? وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ? [النور: 33]، فإذا ما عَزَمَ على إعفاف نفسِهِ فليَعْلَم بأن الله تعالى سيُعِينُهُ على ذلك، ويسهلُ له الأسبابَ من حيث لا يحتسب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ»[16].

ولا بدَّ من التَّأكيدِ على أنَّ المُتَعَفِّفَ عنِ الحرام لا يكون عفيفًا إلا بشرائط؛ وهي: أن لا يكون تَعَفُّفُهُ عنِ الشيء انتظارًا لأكثرَ منه، أو لأنه لا يوافِقُهُ، أو لجمودِ شهوتِهِ، أو لاستشعارِ خوفٍ من عاقِبته، أو لأنَّه ممنوع من تناوله، أو لأنَّه غير عارفٍ به لقُصُورِه، فإنَّ ذلك كلَّه ليس بعفةٍ[17].

? وأما النوع الثاني للعِفَّة؛ فهو عِفَّةُ النفسِ وكفُّهَا عن التَّشَوّفِ لأموال الناس، فقد نهى الله تعالى عن تمني ما أنعم به على بعض عباده من أنواع النِّعم، فقال تعالى:? وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ? [النساء: 32]، وامتدح الفقراءَ المُتَعففين عن أموال الناس، الذين لا يُظْهِرُون حاجتهم للناس، ولا يستَجْدُون رِفْدًا ولا عَطَاء من أحد، حتى يحسَبَ الجاهلُ بأمْرهم وحالهم أنهم أغنياءُ، من تعففهم في لباسهم وحالهم ومَقَالِهم، فهم لا يُلِحُّون في المسألة، ولا يُكَلِّفُون الناس ما لا يحتاجون إليه، ولا يعرفُهُم إلا أصحابُ الفِرَاسةِ والتَّوَسُّم[18]، قال تعالى:? لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ? [البقرة: 273]، فهؤلاء هم المساكينُ الحقيقيون الذين يستَحِقُّون المعونةَ والإكرامَ، لا الذين يطرقُون أبوابَ النَّاسِ ويسألونهم الرِّفدَ والعَونَ، ويتشوَّفُون لما في أيديهم، فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ، وَلاَ بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، وَلاَ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ الَّذِي لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ»[19]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المسكينُ بالطَّوَافِ عليكُم أن تُطْعِمُوهُ لقمةً لقمةً، إنَّمَا المسكينُ المُتَعَفِّفُ الذي لا يسأل الناس إلحافًا»[20].

وقد أمر اللهُ تعالى وليَ اليتيمِ الغنيَّ بالتَّعفُّفِ عن مال اليتيم، فقال تعالى: ? وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ? [النساء: 6].

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّ من يكفُّ نفسَه عن التَّشوُّف لأموال الناس ويتعفف عنها يعينُهُ الله تعالى، ويكفيه ويغنيه من فضله، فعَنْ حَكِيمِ ابْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِن الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَن ظَهْرِ غِنًى، وَمَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ وَمَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ»[21]، وعندما جاء أناس من الأنصار إلى رسول الله ‘ فسألوه فأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، ثم قَالَ لهم معلِّمًا ومُرْشِدًا: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِن الصَّبْرِ»[22].

ولا ينبغي للمؤمنِ الواثِقِ بفضل ربِّهِ، المُتَعفف عن عطاء غيره، أن يشكو فاقَتَهُ إلا إلى اللهِ، فمن طَرَقَ أبواب الناس لقضاء حاجته والتَّغلبِ على فاقته لم يحقق أَرَبَهُ وغايتَهُ، ومن أنزلَ حاجتَهُ في باب ربِّه تعالى، وسألَهُ من فضله كان حَرِيًّا به أن ينال ما سأل، فعَن ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللهِ أَوْشَكَ اللهُ لَهُ بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ»[23].

ولا تستلزم عفَّةُ النَّفس عن مال الغير أن يتنازلَ عن حَقِّه عند من له حقٌّ عنده، بل من مقتضيات العِفَّةِ أن يُجْمِل في مُطَالَبتِهِ، فلا يُغْلظ له بالقول ولا بالعمل، ولا يأخذ حقَّه إلا من كسب حلال طيب، سواء وَفَّى ذلك الحلالُ الطيبُ حقَّه أو لم يوف[24]، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ: «خُذْ حَقَّكَ فِي عَفَافٍ وَافٍ، أَوْ غَيْرِ وَافٍ»[25].

? وأمَّا كَفُّ الجَوَارِحِ عنِ الآثَامِ: فهو من تمام العِفَّةِ، ولا تتم العِفَّةُ للإنسان حتى يكون عفيفَ اليدِ واللسان والسمع والبصر، فمن عُدِمَ عِفَّةَ اللسانِ وقع في جملة من الكبائر؛ كالسُّخْرِيَةِ والغِيبةِ والهَمْزِ والنَّمِيمة والتَّنابُزِ بالألقاب، ومن عُدِمَهَا في البَصَرِ: مَدَّ عينَهُ إلى المحارم وزينةِ الحياة الدنيا الموَلِّدَةِ للشهوات الرديئة، ومن عُدِمَها في السمع: أصغى لسماع القبائح وما حرمه الله تعالى.

وعماد عِفَّة الجوارح كلِّها: أن لا يُطْلِقَهَا صاحبُهَا في شيء مما يختص بكلِّ واحد منها إلا فيما يُسَوِّغُهُ العقلُ والشرعُ دونَ الشهوة والهوى[26].

وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار في المدينة أنهم كانوا أهلَ عِفَّةٍ وصبر، فقال صلى الله عليه وسلم: «الأنصارُ أَعِفَّةٌ صُبُرٌ»[27]، وعَنْ أَبِي طَلْحَةَ الأنصاري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَقْرِئْ قَوْمَكَ السَّلامَ، فَإِنَّهُمْ مَا عَلِمْتُ أَعِفَّةٌ صُبُرٌ»[28].

وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم أن يقول: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى»[29].

ونحن ندعو بما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول: اللهمَّ إنَّا نسألك الهدى والتقى والعفافَ والغنى.

__________________

 [1] انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب 1: 339؛ الصحاح للجوهري مادة: عف؛ مقاييس اللغة 4: 2.

 [2] انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب 1: 339.

 [3] انظر: التعريفات للجرجاني 1: 195؛ والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ص518.

 [4] انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب 1: 339.

 [5] انظر: الذريعة إلى مكارم الشريعة ص224.

 [6] أخرجه البيهقي في الشعب 5: 163 برقم 6202؛ وذكره السيوطي في الجامع الصغير ورمز لحسنه؛ قال المناوي في فيض القدير 9: 31: قال الذهبي في المهذب: إسناده جيد؛ وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 1711. والعفيف: هو المنكفُّ عن الحرام وسؤالِ الناس، والمتعفف: المتكلف للعفة. فيض القدير 9: 29.

 [7] أخرجه ابن ماجه في الزهد برقم 4102؛ والطبراني في الكبير 6: 193 برقم 5982؛ والحاكم في المستدرك 4: 348 برقم 7873؛ والبيهقي في الشعب 7: 344 برقم 10523؛ وقد حسن النووي إسناده في الرياض والأذكار؛ كما أشار المنذري في الترغيب والترهيب إلى ذلك 4: 74؛ ورمز السيوطي في الجامع الصغير إلى صحته برقم 960.

 [8] أخرجه أحمد في المسند 2: 425 برقم 9488؛ والترمذي في فضائل الجهاد برقم 1642 وقال: حديث حسن؛ وابن حبان في صحيحه 10: 151 برقم 4312؛ والحاكم في المستدرك 1: 544 برقم 1429 وقال: هذا أصل في الباب تفرد به يحيى بن أبي كثير، ولم يخرجاه، وله شاهد صحيح؛ والبيهقي في السنن الكبرى 4: 82 برقم 7478.

 [9] أخرجه أحمد في المسند 2: 177 برقم 6652؛ والحاكم في المستدرك 4: 349 برقم 7876 وسكت عنه الذهبي؛ والبيهقي في الشعب 4: 341 برقم 5258 وقال: هذا الإسناد أتم وأصح؛ وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 2: 345، 3: 365 وحسَّنَ إسناده؛ وذكره الهيثمي في المجمع 10: 529 برقم 18123 وقال: رواه أحمد والطبراني وإسنادهما حسن.

 [10] أخرجه مسلم في الزكاة برقم 1045؛ والترمذي في الزهد برقم 2348؛ وابن ماجه في الزهد برقم 4138.

 [11] أخرجه البخاري في الرقاق برقم 6081؛ ومسلم في الزكاة برقم 1051.

 [12] أخرجه الطبراني الكبير 14: 128؛ والأوسط 7: 56 برقم 6835؛ والصغير 2: 148 برقم 940؛ وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 2: 335 وقال: رجاله رجال الصحيح؛ والهيثمي في المجمع 4: 596 برقم 7709 وقال: رواه الطبراني في الثلاثة ورجال الكبير رجال الصحيح.

 [13] أخرجه الطبراني في الأوسط 4: 173 برقم 3897؛ وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 3: 42 برقم 3004 وقال: رواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن؛ وذكره الهيثمي في المجمع 3: 302 برقم 4666 وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بإسنادين أحدهما حسن.

 [14] أخرجه البخاري في الأذان برقم 629؛ ومسلم في الزكاة برقم 1031.

 [15] أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر 1: 299 برقم 1002؛ والحاكم في المستدرك عن جابر 4: 171؛ وذكره الهيثمي في المجمع 8: 257 برقم 13403 وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني أحمد غير منسوب، والظاهر أنه من المكثرين من شيوخه فلذلك لم ينسبه؛ وذكره المنذري في الترغيب والترهيب وقال: رواه الطبراني بإسناد حسن 3: 218.

 [16] أخرجه أحمد في المسند 2: 437 برقم 9629 بإسناد قوي كما قال الشيخ الأرنؤوط؛ والترمذي في فضائل الجهاد برقم 1655 وقال: حديث حسن؛ والنسائي في النكاح برقم 3218؛ وابن ماجه في الأحكام برقم 2518.

 [17] انظر: الذريعة إلى مكارم الشريعة ص225.

 [18] انظر: تفسير ابن كثير 1: 704 ـ 705.

 [19] أخرجه أحمد في المسند 1: 384 برقم 3636؛ وابن خزيمة في صحيحه 4: 66 برقم 2363 ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3: 251 برقم 4501 وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

 [20] أخرجه أحمد في المسند 2: 505 برقم 10576.

 [21] أخرجه البخاري في الزكاة برقم 1361.

 [22] أخرجه البخاري في الزكاة برقم 1400؛ ومسلم في الزكاة برقم 1053.

 [23] أخرجه أحمد في المسند 1: 407 برقم 3869؛ وأبو داود في الزكاة برقم 1645؛ والترمذي في الزهد برقم 2326 وقال: حديث حسن؛ والحاكم في المستدرك 1: 566 برقم 1482 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.

 [24] انظر: فيض القدير 3: 433؛ وشرح سنن ابن ماجه للسيوطي ص174.

 [25] أخرجه ابن ماجه في الأحكام برقم 2422؛ والطبراني في الكبير 2: 311 برقم 2296؛ والحاكم في المستدرك 2: 38 برقم 2238 وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه وله شاهد عن أبي هريرة، قال الذهبي: على شرط البخاري.

 [26] انظر: الذريعة إلى مكارم الشريعة ص224 بتصرف.

 [27] أخرجه ابن حبان في صحيحه 14: 159 برقم 6264 وقال محققه الأرنؤوط: صحيح؛ وعبد الرزاق في مصنفه 11: 55 برقم 19894.

 [28] أخرجه أحمد في المسند 3: 150 برقم 6973؛ والترمذي في المناقب برقم 3903 وقال: حديث حسن صحيح؛ والحاكم في المستدرك 4: 89 برقم 6973 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

 [29] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم 2721؛ والترمذي في الدعوات برقم 3489؛ وابن ماجه في الدعاء برقم 3832.

         أضف تعليق