المشرف العام
المناهج
الستر
 
تمت الإضافة بتاريخ : 07/03/2018م
الموافق : 20/06/1439 هـ

الستر

د. طه فارس

السَّتْرُ لغةً: الغِطاء، وسَتْرُ الشيءِ: تغطيتُهُ، والاستِتَارُ: الاختفاء، والسُّتْرَةُ: ما يُسْتَتَرُ بِهِ[1]، ورجل مَسْتُور وسَتِير؛ أي: عَفِيفٌ، والجارية سَتِيرَة[2]، والسَّتر أعمُّ من الغُفْرَان؛ لأنَّ الغُفران يقتضي مع السَّتر الثوابَ، وسَتر فلان على فلان: إذا لم يذكر ما اطلعَ عليه من عَثَراته[3].

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مِن صفة الله تعالى أنه سَتِير[4]، يَسْتُرُ على عباده ما كان منهم في الدنيا والآخرة، ولا يُعاجِلهم بالعقوبة، ويحبُّ السَّتْر على العباد ويُثِيبُ عليه، فعَنْ يَعْلَى بن أمية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يغتسل بالبراز، فصعِد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ((إن الله عز وجل حليم حييٌّ ستيرٌ، يحب الحياء والستر...))[5].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يُدنِي المؤمن فيَضَعُ عليه كَنَفَه ويستره، فيقول: أتعرِفُ ذنب كذا؟ أتعرِفُ ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلَك، قال: سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفِرُها لك اليوم، فيُعطَى كتاب حسناته...))[6].

والستر إما أن يكون ماديًّا أو معنويًّا، ويطلق كل منهما على أحوال؛ منها:

أولًا: أن يستر المسلم نفسه في حال ارتكاب المعاصي، فلا ينبغي للمؤمن الواقعِ في معصية أو المتلبِّس فيها، أن يظهرها أو يخبر الناس بها؛ لِمَا فيه مِن فضح نفسه، وإشاعة فاحشتِه، وتقليل فرص توبته؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كلُّ أمتي معافًى إلا المجاهرين، وإن مِن المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يُصبِح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عمِلتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربُّه ويُصبِح يكشف ستر الله عنه))[7]، فإن ستر الله مستلزِمٌ لستر المؤمن على نفسه، فمَن قصَد إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب ربه فلم يستُرْه، ومَن قصد التستر بها حياءً من ربه ومن الناس منَّ الله عليه بستره إياه[8]، وأما حسابه فعلى الله تعالى؛ إن شاء عفا عنه، أو إن شاء عذبه؛ فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((...ومَن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقَبَهُ))[9].

ثانيًا: أن يستر المسلم أخاه المسلم إن رأى منه ما يكره، فلا يجوز لمسلم أن ينشر عَوْرات المؤمنين ما لم يجاهروا بمعاصيهم فسوقًا وإصرارًا؛ فقد قال الله تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ? [النور: 19]، ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، مع ما يدَّخِره الله له من الأجر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن ستر مسلمًا ستَرَه الله في الدنيا والآخرة))[10].

وفي رواية: ((لا يسترُ عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة))[11].

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن رأى عورةً فسترها كان كمَن أحيا موءودة))[12].

ويحرُمُ تتبُّع عورات المسلمين والتجسُّس عليهم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يا معشرَ مَن أسلم بلسانه ولم يفضِ الإيمان إلى قلبه، لا تُؤذوا المسلمين، ولا تُعيِّروهم، ولا تتبعوا عَوراتِهم، فإنه مَن تتبع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته، ومَن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رَحْلِه))[13].

أما إن كان العاصي معروفًا بذلك مستهترًا به، فيستحب ألا يستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر، إن لم يخف مِن ذلك مفسدة؛ لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات، وجسارة غيره على مثل فعله، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضَت، أما معصية رآه عليها وهو بعد متلبِّس بها، فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها على مَن قدر على ذلك، ولا يحل تأخيرها، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم تترتب على ذلك مفسدة[14].

ثالثًا: أن يستر المغسِّل ما يرى من الميت عند غسله، فينبغي على الغاسل أن يستر ما يبدو له من الميت مِن علامة رديَّة؛ كظلمة وغيرها، ولا يُحدِّث بها الناس[15]، فعن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن غسَّل ميتًا فكتم عليه غفر له أربعين مرة، ومَن كفن ميتًا كساه الله من سندس وإستبرق الجنة)).

وفي رواية للطبراني: ((مَن غسَّل ميتًا فكتم عليه غفر الله له أربعين كبيرة...))[16].

وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن غسَّل ميتًا فستره ستره الله من الذنوب...))[17].

قال الإمام الشافعي[18]: "وأحب إن رأى من الميت شيئًا ألا يتحدث به، فإن المسلم لحقيقٌ أن يستر ما يُكرَه من المسلم"[19].

رابعًا: الستر أمام أعين الجانِّ، فيسنُّ لمن أراد دخول الخلاء أن يُبسمِل قبل دخول الخلاء، فهي الستر الذي أرشدنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سترُ ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدُهم الخلاءَ، أن يقول: بسم الله))[20].

خامسًا: أن يستر المسلمُ ما أمر الله بستره، فقد أمر الله تعالى بستر العورات عن أعيُن الناس، وخَلَق للإنسان ما يستتر به؛ فقال تعالى: ? يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ? [الأعراف: 26]، وسبب نزول هذه الآية: أنهم كانوا في الجاهلية يطوفون بالبيت عراةً، ويقولون: لا نطوفُ في ثيابٍ عَصَيْنا الله فيها، فكان الرجال يطوفون بالنهار، والنساء بالليل عُراةً[21].

كما حذَّر الله تعالى بني آدم من فتنة الشيطان وإغوائه لهم لينزع عنهم سترهم، فقال: ? يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ? [الأعراف: 27]، والسَّوءة: فَرْج الرجل والمرأة؛ وذلك لأن ظهوره يسوء الإنسان[22]، والعَوْرة: أصلها من العار، وذلك لِما يلحق في ظهورها من العار؛ أي: المذمَّة[23]، وكشفها من المنكرات المستهجَنة في الطباع، المستقبحة في العقول[24].

فيجب على المسلم أن يستر ما أمره الله بستره، سواء كان ذلك في العبادة أو خارجها، رجلًا كان أو امرأةً[25]، وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يغتسل بالعراء دونما ستر يستره، فصعِد المنبر وحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن الله عز وجل حليم حييٌّ ستير، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستَتِرْ))[26].

سادسًا: محافظة المرأة على سترها، فقد حثَّت تعاليم الشريعة الغراء المرأةَ على الستر والتستر، وعدم البروز للرجال والاختلاط بهم؛ فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المرأة عورةٌ؛ فإذا خرجت استشرفها الشيطان))[27]؛ أي: هي موصوفة بهذه الصفة، ومَن كانت هذه صفته فحقه أن يستر، وأما استشراف الشيطان لها، فهو رفع البصر إليها ليغويَها أو يُغوِيَ بها، وقد أسند النبيُّ صلى الله عليه وسلم الاستشرافَ إلى الشيطان مع أنَّ الفِعل للبشر؛ لأن الناظر إليها قد أُشرِب الفُسوق في قلبه بإغواء الشيطان وتسويله له[28].

ومِن وجوه الستر التي تُؤمر بها المرأةُ: ألا تنزع ثيابها بما يثير الفتنة إلا في بيت زوجها، فمَن فعَلَت ذلك فقد هتَكَت ستر الله عليها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: إني سمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من امرأةٍ تخلَعُ ثيابها في غير بيتها إلا هتَكَت ما بينها وبين الله تعالى))[29].

وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن عظيم عقوبة المرأة التي تنزع السترَ الذي أمرها الله به، وتخرج أمام الرجال بما يثير الفتنة، أنها لا تدخل الجنة ولا تجدُ ريحها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صِنفانِ مِن أهل النار لم أرَهما: قوم معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مُمِيلات مائلات، رؤوسُهن كأسنمةِ البُخْت المائلة، لا يدخُلْن الجنة ولا يجِدْن ريحها، وإن ريحَها ليوجد من مسيرة كذا وكذا))[30].

______________

[1] انظر: مفردات ألفاظ القرآن 1: 223؛ ومقاييس اللغة 2: 102؛ والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ص 397.

 [2] انظر: الصحاح للجوهري، مادة: ستر.

 [3] انظر: الفروق اللغوية للعسكري ص387.

 [4] سَتِير: فعيل بمعنى فاعل؛ أي: من شأنه وإرادته حب الستر والصون؛ النهاية في غريب الحديث 3: 432.

 [5] أخرجه أبو داود في كتاب الحمام، باب النهي عن التعري، برقم 3497؛ والنسائي في الغسل والتيمم، باب الاستتار عند الاغتسال، برقم 403، وأحمد في المسند 29: 484، وقال محققو المسند: إسناده حسن لأجل أبي بكر بن عياش، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الصحيح.

 [6] أخرجه البخاري في المظالم والغصب برقم 2309، ومسلم في التوبة برقم 2768.

 [7] أخرجه البخاري في الأدب برقم 5721، ومسلم في الزهد والرقائق برقم 2990.

 [8] فتح الباري 10: 488.

 [9] أخرجه البخاري في الإيمان برقم 18، ومسلم في الحدود برقم 1709.

 [10] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة...، برقم 2699، وأبو داود في الأدب، برقم 4946، والترمذي في الحدود، برقم 1425، وابن ماجه في الحدود، برقم 2544.

 [11] أخرجه مسلم في البر والصلة، برقم 2590.

 [12] أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص266، برقم 758، وأحمد في المسند 4: 147، برقم 17370، وأبو داود في الأدب، برقم 4891، والطبراني في الكبير 17: 319، برقم 14571، والحاكم في المستدرك 4: 426، برقم 8162، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

 [13] أخرجه أحمد في المسند عن أبي برزة الأسلمي 4: 420، برقم 19791، وأبو داود في الغِيبة، برقم 4882، والترمذي في البر والصلة، عن ابن عمر، برقم 2032، واللفظ له، وقال: حديث حسن غريب، وأبو يعلى في مسنده 3: 237، برقم 1675، وذكره الهيثمي في المجمع عن ابن عباس 8: 177، برقم 13143، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.

 [14] انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 8: 134.

 [15] انظر: فيض القدير 6: 185.

 [16] أخرجه الطبراني في الكبير 1: 315، برقم 929، والحاكم في المستدرك 1: 505، برقم 1307، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في الشعب 7: 9، برقم 9265، وذكره الهيثمي في المجمع 3: 114، برقم 4068، وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.

 [17] أخرجه الطبراني في الكبير 8: 281، برقم 8078، والبيهقي في الشعب 7: 10، برقم 9267، قال الألباني: حسن.

 [18] محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أبو عبدالله (150 - 204 هـ)، أحد أئمة المذاهب الأربعة، وإليه نسبة الشافعية كافة، كان من أشعر الناس وآدبِهم وأعرفهم بالفقه والقراءات، أفتى وهو ابن عشرين سنة، وكان ذكيًّا مفرطًا، مِن كتبه: كتاب الأم في الفقه، جمعه البويطي، وبوَّبه الربيع بن سليمان، والمسند في الحديث؛ سير أعلام النبلاء 10: 5، الأعلام 6: 26.

 [19] معرفة السنن والآثار 5: 228.

 [20] أخرجه الترمذي في الجمعة برقم 606، وابن ماجه في الطهارة وسننها، برقم 297، وذكره الهيثمي في المجمع 1: 485، برقم 1006، وقال: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين؛ أحدهما فيه سعيد بن مسلمة الأموي، ضعَّفه البخاري وغيره، ووثَّقه ابن حبان وابن عدي، وبقية رجاله مُوَثَّقون.

 [21] انظر: تفسير البغوي 3: 221 - 222.

 [22] تفسير الرازي 14: 221.

 [23] مفردات ألفاظ القرآن 2: 136.

 [24] تفسير الرازي 14: 221.

 [25] تنظر التفاصيل في كتب الفقه المتخصصة.

 [26] أخرجه أبو داود في كتاب الحمام، باب: النهي عن التعري، برقم 3497، والنسائي في الغسل والتيمم، باب الاستتار عند الاغتسال، برقم 403، وأحمد في المسند 29: 484، وقال محققو المسند: إسناده حسن لأجل أبي بكر بن عياش، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الصحيح.

 [27] أخرجه الترمذي في الرضاع، برقم 1173، عن أبي الأحوص، وقال: حسن غريب، وابن حبان في صحيحه 12: 413 برقم 5599، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وابن خزيمة في صحيحه 3: 93 برقم 1685، والطبراني في المعجم الكبير 10: 108، برقم 10135، وذكره الهيثمي في مَجمع الزوائد عن ابن مسعود 2: 35، وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله مُوثَّقون.

 

[28] انظر: فيض القدير للمناوي 4: 174.

 [29] أخرجه أحمد في المسند 6: 198، برقم 25668، بسند صحيح، وأبو داود في الحمام، برقم 4010، والترمذي في الأدب، برقم 2803 وقال: حديث حسن، وابن ماجه في الأدب، برقم 3750.

 [30] أخرجه مسلم في اللباس والزينة، برقم 2128.

         أضف تعليق