المشرف العام
مقالات
فساد الأخلاق يدمر الحضارة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 06/03/2018م
الموافق : 19/06/1439 هـ

فساد الأخلاق يدمر الحضارة

محمد رزوك

ا?خ?ق لغة: ‏(جمع خُلُق، وهو السجية والطبع)[1]، واصط?حًا ‏هي حالة نفسية تترجَم با?فعال؛ أي: إن ا?خ?ق لها جانبان؛ ‏جانب نفسي باطني، وجانب سلوكي ظاهري[2]، فالسجايا هي الطباع، والسلوك هو الفعل المترجم إلى هذه الطباع.

موت الأمم قد يعني اختفاءها المادي من الوجود، وقد يعني أنها على الرغم من وجودها على قيد الحياة، فإنها ب? وزن و? تأثير، و? دورفاعل في عالم التقدم والمكانة بكل معانيها وسط الأمم الأخرى ومقارنة بها.

عوامل انهيار الحضارات:

إن قيام الحضارات أو انهيارها عبر التاريخ يدعو إلى التفكير في الأسباب ودراسة العوامل والمقومات التي تجعل حضارةً ما تزدهر أو تموت، وفي هذا الإطار ظهرت مجموعة من النظريات عبر التاريخ نذكر منها ما يلي:

نظرية ابن خلدون:

يرى ابن خلدون أن الأمم أو الدول لها دورة حياة مثل الإنسان؛ أي: تولد ويقوى عودها، وتشتد وتهرم، ثم تموت، وتصوُّره يتضمَّن خمسة أطوار:

 

الطور الأول: طور القيام والنشأة.

الطور الثاني: هو ما يسميه طور ا?ستبدادوا?ستئثار بالسلطة والسلطان.

الطور الثالث: طور الفراغ والدعة لتحصيلثمرات الملك.

الطور الرابع: طور الخنوع والمسالمة والتقليدللسابقين. ‏

الطور الخامس: هو الإسراف والتبذير واصطناعقرناء السوء وإبعاد الصالحين الناصحين.

نظرية توينبي:

وتعرف باسم "نظرية التحدِّي والاستجابة"؛ فالحضارة حسب هذه النظرية تقوم وتزدهر استجابة لتحديات محددة؛ سواءكانت هذه التحديات مادية أو اجتماعية، فإن وصلت الحضارة إلى مرحلةٍ تَعجِز فيها عن الاستجابة لهذه التحدِّيات، تكون قد دخلت طور الانهيار.

لكن المهمَّ في هذه النظرية أن هذا العجز عن الاستجابة الذي تصل إليه الحضارة، سببه الأساسي حسب "توينبي" هو فِقدان الحضارة لقوَّتها الأخلاقية والقيم الرُّوحية؛ أي: انهيار القيم الأخلاقية والدينية.

وبناء على نظريته يقسم توينبي مراحل تطورالحضارات إلى خمس مراحل:

• مرحلة المي?د والنشأة.

• مرحلة الازدهار والتوسع السريع.

• مرحلة الجمود والعجز عن التطور والإبداعوالتجديد.

• مرحلة ا?نح?ل والتدهور الأخ?قي.

• مرحلة السقوط وا?نهيار.

نظرية ويل ديورانت:

حسب رأيه فالحضارة تقوم بالضرورة على مقومات محددة وانهيار واحد، ومن هذه المقومات يمكن أن يدمر الحضارة ويقود إلى انهيارها، وهذه المقومات هي:

• وجود نظام سياسي.

• وجود شكل من أشكال الوحدة في اللغة؛ كيتكون وسيلة اتصال وتفاعل عقلي وثقافي.

• ? بد من وجود معايير قيمية وأخ?قية متعارفومتفق عليها؛ كي تكون موجهًا وهاديًا وحافزًا

• وجود دين أو عقيدة أساسية حاكمة.

• وجود نظام تعليمي ينقل القيم والثقافة إلى الأجيال الجديدة.

الأخلاق والحضارة:

من خلال هذه النظريات نجد أن عامل الأخلاق له تأثير في قيام الحضارة أو اندحارها، ولله دَرُّ الشاعر حين قال:

إنما ا?مم ا?خ?ق ما بقيت ??? فإن همُ ذهبتأخ?قهم ذهبوا

ولقد أشار الع?مة ابن خلدون إلى أن السلوكا?خ?قي المنحرف هو طريق ا?نهيار الحضاري، وذكر أن رقي ا?مم ? يتحقق بتوافر القوة المادية، أو رقي العقل، بل بتوافر ا?خ?ق الحسنة، والشيء نفسه ذهب إليه الفيلسوف "غوستافلوبون"؛ حيث إنه يقول: إن ا?نق?ب يحدث في حياة ا?مم با?خ?ق وحدها، وعلى ا?خ?قيؤسس مستقبل ا?مة وحياتها الحاضرة، وخط العقل والقلب في بقاء ا?مة أو سقوطها قليل جدًّا، وعندما تذوى أخ?ق ا?مة تموت مع وجود العقل والقلب اللذين ربما يكونان متقدمين في نواحعملية كثيرة[3].

والتاريخ أكبر شاهد على أن تدهور الأخلاق كان له دور كبير في سقوط الحضارات، وأقرب مثال لنا هو ضياع الأندلس الذي قال فيه ابن خلدون: "إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة، حملهم على ارتكاب المذموماتوانتحال الرذائل، وسلوك طريقها، وهذا ما حدث في ا?ندلس وأدى فيما أدى إلى ضياعه"، وصدق الله العظيم القائل: ? وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ? [الإسراء: 16].

هذه هي قيمة الأخلاق، فالمسلمون تخلَّفوا عندما نسوا خُلُق الإسلام، واختزلوا دينهم في الشعائر فقط، وفرَّطوا في جانب مهمٍّ من رسالة الإسلام، ألا وهي الأخلاق التي هي جزء مهمٌّ من العبادة التعامليَّة التي كانت سببًا في فتح أقطار مهمَّة من العالم، فقط عن طريق التجار الذين تميَّزوا بالأخلاق الحميدة في معاملاتهم، وما سقطنا إلا عندما سقطنا في مستنقع المنكر، وهذا ما استنتجه " كوندي" وهو أحد كتاب النصارى؛ حيث قال "العرب هووا عندما نسوا فضائلهم التي جاؤوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب يميل إلىالخفة والمرح وا?سترسال بالشهوات".

إن ا?خ?ق الفاضلة هي أهم ما تتفوَّق بها?مم وتعلو به عن غيرها، وا?خ?ق تعكس حضارة الأمة، وبقدر ما تسمو أخ?ق ا?مة تعلو حضارتها، وتجذب ا?نظار إليها، وبقدر ما تندحر أخ?قها وتضيع قيم الفضيلة فيها، تهوي حضارتها وتذهبهيبتها بين ا?مم، وكم سادت أممٌ رغم شركها أو كفرها بالله، وعلت على غيرها بتمسكهابمحاسن ا?خ?ق كالعدل وحفظ الحقوق وغيره، وكم ذلت أمة ولو كانت مسلمة وضاعت وقهرت بتضييعهالتلكم ا?خ?ق؛ حيث انتشر فيها الكذب والخيانة والظلم والغش.

مشكلة الأخلاق تبدأ من الأفراد فالأسرة فالمجتمع، وهي لَبِنة أساسية في بناء الإنسان قبل بناء الحضارة هذا الإنسان منذ ولادته يتشرَّب الأخلاق مِن محيطه الذي يجب تصفيته وتطهيره، وحمايته من التلُّوث بالمجاري التي تفتك بهذه اللبنة من إعلامٍ يحرص على نشر ثقافة الانحلال، وتغييب الفضيلة ونشر ثقافة مادية أساسها الغاية تبرِّر الوسيلة، وبرامج تعليمية فارغة لا تليق بمن يريد أن يبني حضارة تقود العالم، ومن العديد من المحسوبين على المثقفين وهم بيادق لمنظمات ليس من مصالحها أن نَنهض.

فيا أخي الكريم وأختي الكريمة، يا من يبكي على أمجاد الأجداد، ويرغب في عودة العزَّة، ويحترق من أجل إزالة مرارة الإذلال، استثمر في ميدان الأخلاق فهو في متناولك، لكن ليس الأمر باليسير؛ فأي رسالة فضيلة ستلقى استهجان القريب قبل البعيد، ولتنسى قول حبيبك صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم))؛ (رواه أبو داود وأحمد منحديث عائشة، وصححه ا?لباني).

___________________-

[1] القاموس المحيط، مادة: خلق.

 [2] علم ا?خ?ق ا?س?مية؛ أ د. مقداد يلجن، ط 2، نشردار عالم الكتب، ط دارالفكر بيروت ص 34.

 [3] مجلة البحوث الإسلامية، فساد السلوك من مراحل سقوط الحضارات، الجزء رقم 2.

 

         أضف تعليق