المشرف العام
مقالات
حق المسلم على المسلم
 
تمت الإضافة بتاريخ : 24/02/2018م
الموافق : 9/06/1439 هـ

حق المسلم على المسلم

فرحان بن سعيد العتيبي

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، الحمد لله فاطرِ السماوات والأرض، الحمد لله رب كل شيء ومليكه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، النبي المصطفى، والرسول المجتبَى، خير مَن وطِئ الثرى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:

فلا شكَّ أن للمسلم على أخيه المسلم حقوقًا وواجباتٍ، فلا بد للمسلم أن يقوم بحقوقِ أخيه المسلم، وقد استخرجتُ بعض الفوائد والإرشادات مِن حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه: ((حق المسلم على المسلم ستٌّ))، أسأل الله أن ينفع بها المسلمين، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 [حق المسلم على المسلم]

جاء في صحيح مسلمٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((حق المسلم على المسلم ستٌّ))، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: ((إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجِبْه، وإذا استنصَحك فانصَح له، وإذا عطس فحمِد الله فسمِّته، وإذا مرِض فعُدْه، وإذا مات فاتَّبِعه)).

 ((إذا لقيته فسلم عليه)):

مِن حق المسلم على المسلم أنه إذا لقِيه فإنه يُسلِّم عليه، وصيغة السلام بأن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأن يردَّ عليه أخوه المسلم ويقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ فإن السلام يجلبُ المودَّة والألفة والمحبة، ولذلك جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تدخلون الجنة حتى تُؤمِنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أَوَلَا أدلُّكم على شيء إذا فعلتُموه تحاببتم؟ أفشُوا السلام بينكم))،فلا شك أن إفشاء السلام علامةٌ على المحبة بين المسلمين،ولا شك أن إفشاء السلام بين المسلمين والمحبة بينهم تغيظُ الكفار، بل ترعبهم؛ فهم يحاولون أن يُفرِّقوا بين المسلمين في معتقداتهم، فيأتوهم بآراء تخالف عقيدتهم، ويأتوهم بأفكار تخالف الفكر السليم، بل حتى في أخلاقهم وسلوكهم والعياذ بالله، وللأسف انجرف مع هذه الآراء والأفكار الضالَّة بعضُ شباب المسلمين، فحصل بذلك الفُرقة، ولذلك نهانا الله عن الفرقة، فقال: ? وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? [آل عمران: 103]، فمِن أسباب حصول الاجتماع والألفة بين المسلمين إفشاء السلام، ولا شك أن فضلَه عظيمٌ، فإذا قال المسلم لأخيه المسلم: السلام عليكم؛ نال بإذن الله عشر حسنات، وإن قال لأخيه المسلم: السلام عليكم ورحمة الله؛ نال بإذن الله عشرين حسنة، وإن قال لأخيه المسلم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ نال بإذن الله ثلاثين حسنة.

والأفضل للمسلم أن يُسلِّم على أخيه المسلم ويقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى أخيه المسلم أن يردَّ عليه قائلًا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وإن سلَّم وقال: السلام عليكم، فالأفضل أن يرد بالتحية كاملةً، ويقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أو يردها بقوله: وعليكم السلام، ولذلك قال تعالى: ? وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ? [النساء: 86].

وأما الكافر، فلا يجوز ابتداءُ السلام عليه، وإن سلم عليك الكافر فردَّ عليه بقولك: وعليكم، هذا ما تيسر ذكره في السلام وآدابه، والله أعلم.

 ((وإذا دعاك فأجِبْه)):

مِن حق المسلم على أخيه المسلم أنه يجيب دعوته إذا دعاه لوليمة عرس أو وليمة مناسبات أخرى؛ لأن مِن فوائد ذلك حصول الاجتماع بين المسلمين، وبه يصل المسلم أخاه المسلم، خصوصًا إن كان من ذوي أرحامِه الذين تجبُ صلتهم، فعلى المسلم أن يجيب دعوة أخيه المسلم، وألا يتهاون في ذلك، ولذلك جاء في صحيح البخاري عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دُعي أحدُكم إلى الوليمة فليأتِها)).

لكن إن كان في هذه الدعوة أو هذه المناسبة منكراتٌ ومحرمات؛ من وجود الأغاني والموسيقا، والاختلاط بين الرجال والنساء - نسأل الله العافية - وغير ذلك من المحرمات؛ فإنه يحرُمُ على المسلم الذَّهاب إليها؛ لأن المفسدة أعظمُ مِن المصلحة، ولذلك تقول القاعدة عند العلماء: "دَرْء المفاسد مُقدِّم على جلب المصالح".

وإن كان في هذه الدعوة ذوو أرحامه الذين تجبُ صلتهم، فإنه يخصص يومًا لزيارتهم، بدلًا من صلتهم في هذه الدعوة التي يوجد فيها منكرات.

أما إن كانت هذه الدعوة ليس فيها منكرات ولا محرمات، ولا أي شيء من هذا القبيل، فعليك أن تبادر بالإجابة والحضور إليها، خصوصًا إن كانت الدعوة وجهًا لوجه.

وأما إن انشغلت عن هذه الدعوة، فعليك أن تعتذر مِن صاحب هذه الدعوة، هذا ما تيسر ذكره في إجابة الدعوة وآدابها، والله أعلم.

 ((وإذا استنصحك فانصَحْ له)):

مِن حق المسلم على أخيه المسلم أنه إذا أراد منه النصيحةَ أن ينصحه ولا يَغشَّه؛ كمثل مَن أراد أن يشتري سيارة ثم أتى إلى أخيه المسلم الخبير في السيارات وأنواعها، ثم يسأله ويطلب من أخيه النصيحة، كأن يقول: ما السيارة الجيدة في الاستخدام؟ وما شابه ذلك من الأسئلة، فعلى أخيه المسلم أن يعطيَه النصيحة وألا يغشَّه، فيخبره بالنوع الجيد والسيارة الجيدة.

مثال آخر: رجل يريد أن يشتري منزلًا، وذهب إلى صاحب ذلك المنزل، ثم استنصحه في هذا المنزل، هل هو جيد للسكن وما شابه ذلك، فعلى صاحب هذا المنزل أن يخبره بالحقيقة، وألا يغشه، إن كان جيدًا للسكن فينصحه به، وإن كان غير ذلك فعليه أن يحذره منه، وأن يقول غير صالح للسكن.

وللأسف الشديد هناك مَن يخالف هذا الكلام فتجده يبيعُ على إخوته المسلمين بالغش، والعياذ بالله، فإذا طلبوا منه النصيحة نصَحهم بالغش والعياذ بالله، وهمه الوحيد هو أن يحصل على المال سواء كان حلالًا أم حرامًا، ولعل مَن يفعل هذا قليل.

فهناك من هو أهل للخير، فإذا استنصحته نصحك بالشيء الطيب، ولعل مَن يفعل ذلك كثير، ولله الحمد والمنة، فالنصيحة بين المسلمين مطلوبة؛ فبها يرفع الجهل ويزهق الباطل، ويظهر الحق ويهزم الشر وينصر الخير، فلا شك أن النصح لكل مسلم مطلوبٌ، ولذلك جاء في صحيح البخاري عن جَرير بن عبدالله، قال: "بايعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم".

وكذلك على المسلم أن ينصح إخوته في الأمور الدينية، فإذا وجد رجلًا لا يصلي نصحه بالصلاة، وبيَّن له أركانها وواجباتها وسننها وفضلها، وأنها ركنٌ مِن أركان الإسلام، وعليه أن يُبيِّن له عظيم خطر تركها.

وإن وجد مدخنًا أو مُدمِنَ مُخدِّرات نصحه عن ذلك وبيَّن له عظيم إثمها، وغير ذلك.

فعلى على المسلم أن ينصح أخاه المسلم بالشيء الطيب، ولذلك جاء في صحيح مسلم عن تَميم الدَّارِي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((الدين النصيحة))، قلنا: لمن؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم))، هذا ما تيسر ذكره، والله أعلم.

 ((وإذا عطس فحمِد الله فسمِّته)):

مِن حق المسلم على أخيه المسلم أنه إذا عطس فحمِد الله أن يشمِّته، فإذا عطس المسلم وقال: الحمد لله، فعلى أخيه المسلم أن يقول له: يرحمك الله، وعليه أن يرد قائلًا: يَهديكم الله ويُصلح بالَكم، أو يقول: يغفر الله لنا ولكم.

وأنا أعجب من بعض الناس حينما يعطس ولا يحمد الله، أقول لك يا مَن تفعل هذا: إن العطاس نعمةٌ مِن الله، فعليك أن تحمد الله، والله سبحانه وتعالى يحب العطاس، ولذلك جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطَس أحدكم وحمِد الله، كان حقًّا على كل مسلم سمِعه أن يقول له: يرحمك الله، وأما التثاؤب، فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليردَّه ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان)).

فعلى المسلم إذا عطس أن يحمد الله، وأن يرد عليه أخوه بقوله: يرحمك الله، وأن يرد بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم، أو يغفر الله لنا ولكم، ولذلك جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمُك الله، فليقُلْ: يَهديكم الله ويُصلح بالكم)).

وأما قوله: يغفر الله لنا ولكم، فقد ورد في سنن أبي داود عن هلال بن يساف، قال: كنا مع سالم بن عُبيد فعطَس رجلٌ مِن القوم، فقال: السلام عليكم، فقال سالم: وعليك وعلى أمِّك، ثم قال بعد: لعلك وجدت مما قلت لك، قال: لوددت أنك لم تذكر أمي بخير ولا بشرٍّ، قال: إنما قلت لك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنا بَيْنا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وعليك وعلى أمك))، ثم قال: ((إذا عطس أحدكم فليحمَدِ الله))، قال: فذكر بعض المحامد، ((وليقل له مَن عنده: يرحمك الله وليردَّ - يعني عليهم -: يغفر الله لنا ولكم))، فإذا عطس المسلم ولم يحمَدِ الله، فإنه لا يُشمَّت؛ لأنه لم يحمد الله، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أنس بن مالك، قال: عطس عند النبي صلى الله عليه وسلم رجلانِ، فشمَّت أحدهما ولم يُشمِّت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست أنا فلم تشمِّتني، قال: ((إن هذا حمد الله، وإنك لم تحمد الله))، وإن عطس فلم يحمد الله، فالأفضل أن يذكر ويقال له: احمَدِ الله، هذا ما تيسر ذكره، والله أعلم.

 ((وإذا مرِض فعُدْه)):

مِن حق المسلم على أخيه المسلم أنه إذا مرِض يُعوده ويزوره؛ لأن مِن فوائد زيارة المريض أنه يُقوِّي عزيمة المريض على الصبر، وأنه إن شاء الله سيتعافَى، وأن ما يصيبه تكفير لذنوبه وخطاياه، ولا شك أن زيارة المريض فضلُها عظيم، ولهذا جاء في سنن ابن ماجه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن عاد مريضًا نادى منادٍ من السماء: طبتَ وطاب ممشاك، وتبوَّأت من الجنة منزلًا)).

فالمسلم عليه أن يحرص على زيارة المريض خصوصًا إن كان المريض من ذوي أرحامِه، فزيارة المريض فضلها عظيمٌ، والزيارة - يا أحبتي في الله - لها آداب؛ ومنها:

1- أن يكون وقت الزيارة وقتًا مناسبًا؛ بحيث لا يكون وقتَ راحة للمريض لكيلا يشق ذلك على المريض.

2- على الزائر أن يرفعَ مِن معنويات المريض؛ بحيث إنك تقول له: إنك طيب ومتحسن، وإن شاء الله ستشفى، وأن ما يصيبك كفارةٌ لذنوبك وخطاياك، وهكذا، بخلاف مَن يأتي المريض ويزيده مرضًا فوق مرضه، والعياذ بالله، بأن يقول: إنك مريض وحالتك سيئة جدًّا، وتحتاج إلى العلاج وإلا ستموت، وما شابه ذلك من الكلام السيئ، فلا ينبغي للمسلم أن يقول مثل هذا الكلام، وإنما يرفع مِن معنوياته كما ذكرتُ آنفًا.

3- وللنساء فوق هذه الآداب آداب أخرى، ومن الآداب التي ينبغي للنساء الأخذ بها هو أن يخرجن إلى المستشفى غير متزيِّنات ولا متبرجات ولا متعطرات؛ لأن ذلك لا يجوز، وللأسف الشديد نلاحظ مِن بعض فتيات المسلمين - هداهن الله - حينما يذهبن إلى المستشفى كأنهن ذاهبات إلى وليمة عرسٍ، متعطرات متبرجات والعياذ بالله، فهذا الفعل لا يجوز، هذا ما تيسر ذكره في زيارة المريض وآدابها، والله أعلم.

 ((وإذا مات فاتَّبِعْه)):

مِن حق المسلم على أخيه المسلم أن يتبع جنازته إذا مات ويُصلِّي عليها، ويتبعها حتى تدفن، فلا شك أن الصلاة على الميت فضلُها عظيم، وإن تبعتها حتى تُدفَن كان فضلها أعظم، ولهذا جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن اتبع جنازةَ مسلم، إيمانًا واحتسابًا، وكان معه حتى يُصلَّى عليها ويفرغ مِن دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطينِ، كل قيراط مثل أُحُد، ومَن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراطٍ))؛ هذا ما تيسر ذكره، والله أعلم.

الخاتمة: هذا ما تيسر ذكره من إرشادات وتوجيهات، أسأل الله أن ينفع بها المسلمين، وأن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

فإن كان من صواب فمِن الواحد المنَّان، وإن كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

         أضف تعليق