المشرف العام
الداعية الصغير
الاستئذان
 
تمت الإضافة بتاريخ : 21/02/2018م
الموافق : 6/06/1439 هـ

الاستئذان

من الأخلاق التي ربَّى عليها الإسلام أهلَه أدب الاستئذان، هذا الأدب الذي رفع الأسرة المسلمة إلى قمة النقاء والطهارة، والعفة والستر النظيف، وجنَّبَها ما يُحرِج أفرادها من مفاجآت كشف المستور، والاطلاع غير المشروع.

والاستئذان أدب رفيع، يدل على حياء صاحبه وشهامته وتربيته وعفته ونزاهة نفسه، وتكريمها عن رؤية ما لا يجب أن يراه عليه الناس، أو سماعًا لحديث لا يحل له أن يسترقه دون معرفة المتحدثين، أو الدخول على قوم وإيقاعهم بالمفاجأة والإحراج، ومع تقدم الحضارة وصناعة البيوت المقفلة والأبواب المحكمة فما زال هناك من يدخل دون سلام، أو يغشى غرفة غيره أو يقتحم مجلسًا دون إعلام واستئذان.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27]: هذه آداب شرعية أدّب الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان، أمرهم ألّا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا؛ أي: يستأذنوا، قبل الدخول ويسلموا بعده، وينبغي أن يستأذن ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا انصرف، وينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف تلقاء الباب بوجهه؛ وليكن الباب عن يمينه أو يساره، ولا يقول المستأذن: أنا، إذا قيل من؟ لأن هذا مكروه، وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية(1).

والاستئذان إما أن يكون من خارج البيت أو من داخله، والذي يكون من خارج البيت إما أن يكون من أهل البيت، أو من الأقارب، أو من الزائرين، فإن كان الداخل من أهل البيت وجب عليه إعلام من بالبيت بدخوله؛ وذلك بالقيام بحركة تُشعر أهله بقدومه، قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «إذا دخل الرجل بيته استُحب له أن يتنحنح ثم يسلم».

فالاستئذان على البيوت يحقق للبيوت حرمتها التي تجعل منها مثابة وسكنًا، ويوفر على أهلها الحرج من المفاجأة، والضيق بالمباغتة، والتأذي بانكشاف العورات، وهي عورات كثيرة، تعني غير ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذه اللفظة؛ إنها ليست عورات البدن وحدها، إنما تضاف إليها عورات الطعام، وعورات اللباس، وعورات الأثاث، التي قد لا يحب أهلها أن يفاجئهم عليها الناس دون تهيؤ وتجمل وإعداد، وهي عورات المشاعر والحالات النفسية، فكم منا يحب أن يراه الناس وهو في حالة ضعف يبكي لانفعال مؤثر، أو يغضب لشأن مثير، أو يتوجع لألم يخفيه عن الغرباء؟! وكل هذه الدقائق يرعاها المنهج القرآني بهذا الأدب الرفيع، أدب الاستئذان، ويرعى معها تقليل فرص النظرات السانحة والالتقاءات العابرة، التي طالما أيقظت في النفوس كامن الشهوات والرغبات، وطالما نشأت عنها علاقات ولقاءات يدبرها الشيطان، ويوجهها في غفلة عن العيون الراعية، والقلوب الناصحة، هنا أو هناك! ولقد وعاها الذين آمنوا يوم خوطبوا بها أول مرة عند نزول هذه الآيات، وبدأ بها رسول الله عليه الصلاة والسلام(2).

وذاك حال بقية الأسرة؛ لأن الله جل وعلا أمر بقوله تبارك وتعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور:61]، ومعنى {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ}؛ أي: سلموا على أهليكم، فالداخل إلى بيته حين يسلم على أهله فكأنما سلم على نفسه، فهم جزء منه.

فإذا كان الداخل من الأقارب وجب عليه الاستئذان، ولا يدخل حتى يُؤذن له، لا يدخل الرجل دار أخيه أو دار أخته، أو دار عمه أو دار خاله، أو دار ابنه أو دار ابنته دون استئذان من في الدار، لا بد أن يترك لهم فرصة الاستعداد لاستقباله، لا يطرق الباب ويدخل؛ وإنما يتريث حتى يسمع الإذن، هكذا أرادها الإسلام رابطة أسرية متينة، وعلاقة إيمانية طاهرة ونقية.

في العهد النبوي الزاهر وأحكامُ القرآن تتنزل بما يحتاج إليه الصحابة، ومِن ورائهم حاجة الأمة إلى يوم القيامة، في ذلك العهد البهي جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حالٍ لا أحب أن يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل علي، وإنه لا يزال يدخل عليَّ رجلٌ من أهلي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟» وقبل أن ينطق الحبيب صلى الله عليه وسلم أرسل الله لها الحل والجواب، فنزل جبريل عليه السلام بقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28)} [النور:27-28](3).

وعلى هذا المنهج ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمته.

أورد الإمام مالك في الموطأ عن الصحابي عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال: «يا رسول الله، أستأذن على أمي؟»، فقال: «نعم»، قال الرجل: «إني معها في البيت»، فقال: «استأذن عليها»، فقال الرجل: «إني خادمها»، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استأذن عليها؛ أتحب أن تراها عُريانةً؟!»، قال: «لا»، قال: «فاستأذن عليها»(4).

ولذلك للدخول إلى الحجرات داخل البيوت لا بد من الاستئذان، لا بد أن تستأذن ويُؤذن لك، هذا هو الدين، هذا حفظ للأنفس، وبهجة للحياة، وخُلق رفيع يجمع الأسرة على المودة والرحمة، ويؤلف بينها على البر والتقوى، فإذا كان القادم من الأقارب أو من الزائرين، ففي ذلك أدب من آداب الاستئذان، فعلى القادم أن يطرق الباب بلطف، وبطريقة يُسمع بها من في البيت دون إزعاج، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «كانت أبواب النبي صلى الله عليه وسلم تُقرع بالأظافر، ثم يُستأذن ثلاثًا».

الحكمة من الاستئذان:

نظرة متأنية إلى أسرار أدب الاستئذان تكشف عن حكمه وواقعيته، فالإنسان ذو غرائز وشهوات وميول ورغبات، وليس كل أحد يمتنع عن إرسال شهواته ومسبباتها بدافع الضمير الإنساني أو بدوافع المروءة والنخوة كما يمتنع بالوازع الإيماني، والشريعة الإسلامية ذات أحكام ميسرة ونظرات بعيدة متعمقة، فإنها إذا حرمت شيئًا تحرم كل سبب وداعٍ يؤدي إليه.

الاستئذان صيانة لحرمات البيوت وعدم هتك أستارها:

فالاستئذان يحقق للبيوت حرمتها، ويجنب أهلها الحرج الواقع من المفاجأة والمباغتة والتأذي بانكشاف العورات، والعورات كثيرة تعني غير ما يتبادر إلى الذهن، فليست عورة البدن وحدها، وإنما يُضاف إليها عورات الطعام، وعورات اللباس، وعورات الأثاث التي لا يحب أهلها أن يفاجئهم عليها الناس دون تهيؤ وتجمُّل وإعداد، وهي عورات المشاعر والحالات النفسية، فكم منا من لا يحب أن يراه أحد وهو في حالة ضعف يبكي لانفعال مؤثر أو يغضب لشأن مثير، أو يتوجع لألم يخفيه عن الغرباء(5).

إن المرء قد يكون على حالة لا يحب أن يراه أحد عليها، من عمل خاص، أو محادثة سرية، أو معاشرة زوجية، أو معالجة طبية، فيدخل عليه ولد، أو صديق، أو خادم، وهو عار، أو مستغرق في حديثه، أو مستمر في تفكيره، فيخجله ويزعجه، فيصرف عنه وجهه ساخطًا، أو مستحيًا، وهو يتمنى له ذهاب سمعه، وبصره الذي كشف به عورته، واطلع بها على سوأته.

فأدب الاستئذان متضمن لقطع ألسنة السوء من مظنة الريبة، فإذا دخل امرؤ بيتًا بلا استئذان وكان ذلك مباحًا فقد يراه، حال دخوله أو حال خروجه، من يتهمه ويتهم أهل البيت المدخول عليهم بما لم يخطر ببال.

عدم النظر داخل البيت:

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: اطَّلع رجل من جُحرٍ في حُجر النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدري (أي مشط) يحك به رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جُعل الاستئذان من أجل البصر»(6).

قال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لهذا الحديث: «ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم؛ لئلا تكون منكشفة العورة»(7)، فوقوع البصر على عورات من ذُكر لا يحل كما ترى.

صفة الاستئذان:

عن رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت، فقال: «أألج؟»، فقال صلى الله عليه وسلم لخادمه: «اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان؛ فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟»، فسمعه الرجل فقال: «السلام عليكم، أأدخل؟»، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل(8).

أين يقف المستأذن؟ هل هناك فرق بين هذا العنصر والعنصر التالي (كيف يقف عند الباب؟):

عن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: جاء رجل فقام على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن مستقبل الباب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هكذا عنك، فإنما الاستئذان من أجل البصر»(9).

فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام العلة لهذا الرجل، وهي أن الاستئذان من أجل النظر؛ لأن المستأذن إذا وقف تلقاء الباب فإنه سوف يطّلع على ما في الدار عند فتح الباب، بغير إذن أهله، وقد تقدم ما في هذا من الحرج.

كيف يقف عند الباب؟

عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: «السلام عليكم»(10).

يخبر المستأذن عن اسمه:

عن جابر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ديْن كان على أبي، فدققت الباب، فقال: «من ذا؟»، فقلت: «أنا»، فقال: «أنا أنا»، كأنه كرهها(11).

قال ابن الجوزي: «إن السبب في كراهة قول (أنا) أن فيها نوعًا من الكِبْر، كأن قائلها يقول: أنا الذي لا أحتاج إلى أن أذكر اسمي أو نسبي»(12).

فعلى المستأذن أن يوضح لصاحب البيت من هو، فيذكر اسمه أو كنيته، كأن يقول: أنا أحمد، أو محمد، أو أبو عبد الله، أو أم محمد، وهكذا.

عن عبد الله بن بريدة قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد وأبو موسى يقرأ، فقال: «من هذا؟»، فقلت: «أنا بريدة، جعلت فداك»، فقال: «قد أعطي هذا مزمارًا من مزامير آل داود»(13).

وفي الصحيح أن أم هانئ بنت أبي طالب ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره، قالت: فسلمت عليه، فقال: «من هذه؟»، فقلت: «أنا أم هانئ»(14).

الاستئذان ثلاث:

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع»(15).

إن الرجل ليهجم على أخيه في بيته، في أي لحظة من لحظات الليل أو النهار، يطرقه ويطرقه!! فلا ينصرف أبدًا حتى يزعج أهل البيت فيفتحوا له، ولا يقبل أن يرد عن البيت، فنحن لا نتأدب بأدب الإسلام، ولا نجعل هوانا تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ونرى غيرنا ممن لم يعتنقوا الإسلام يحافظون على تقاليد في سلوكهم تشبه ما جاء به ديننا، فيعجبنا ما نراهم عليه، ولا نحاول أن نعرف ديننا الأصيل؛ فنفيء إليه مطمئنين(16).

الحكمة من تثليث الاستئذان:

قال ابن عبد البر في التمهيد: «قال بعضهم: المرة الأولى من الاستئذان: استئذان، والمرة الثانية: مشورة؛ هل يؤذن في الدخول أم لا، والثالثة: علامة الرجوع ولا يزيد على الثلاث»(17).

قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: «اعلم أن المستأذن إن تحقق أن أهل البيت سمعوه لزمه الانصراف بعد الثالثة؛ لأنهم لما سمعوه ولم يأذنوا له دل ذلك على عدم الإذن، وقد بينت السنة الصحيحة عدم الزيادة على الثلاث، خلافًا لمن قال من أهل العلم: إن له أن يزيد على الثلاث مطلقًا، وكذلك إذا لم يدر هل سمعوه أو لا؛ فإنه يلزمه الانصراف بعد الثالثة».

ثم قال: «والذي يظهر لنا رجحانه من الأدلة أنه إن علم أن أهل البيت لم يسمعوا استئذانه لا يزيد على الثالثة؛ بل ينصرف بعدها لعموم الأدلة، وعدم تقييد شيء منها بكونهم لم يسمعوا خلافًا لمن قال: له الزيادة، ومن فصل في ذلك»، قال: «والصواب، إن شاء الله تعالى، هو ما قدمنا من عدم الزيادة على الثلاث؛ لأنه ظاهر النصوص، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا بدليل يجب الرجوع إليه»(18).

السلام أم الاستئذان؟

قال النووي في شرح صحيح مسلم: «أجمع العلماء أن الاستئذان مشروع، وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة وإجماع الأمة، والسنة أن يسلم ويستأذن ثلاثًا، فيجمع بين كلاهما، السلام والاستئذان، كما صرح به القرآن، واختلفوا في أنه: هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان أو تقديم الاستئذان ثم السلام؟

الصحيح الذي جاءت به السنة وقاله المحققون: أنه يقدم السلام فيقول: السلام عليكم، أأدخل؟ والثاني: يقدم الاستئذان، والثالث، هو اختيار الماوردي من أصحابنا، إن وقعت عيني المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام ولا يقدم الاستئذان، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان في تقديم السلام»(19).

يعمل بعلامة في الإذن:

قال ابن مسعود رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذنك علي أن ترفع الحجاب، وأن تسمع سِوَادِي حتى أنهاك»(20).

قال النووي: «وفيه دليل لجواز اعتماد العلامة في الإذن في الدخول»(21).

إلقاء السلام على أهل البيت:

قال تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور:61]، وهو تعبير لطيف عن قوة الرابطة بين المذكورين في الآية، فالذي يسلم منهم على قريبه أو صديقه يسلم على نفسه، والتحية التي يلقيها عليه هي تحية من عند الله، تحمل ذلك الروح، وتفوح بذلك العطر، وتربط بينهم بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها(22).

قال القشيري: «والأوجه أن يقال: إن هذا عام في دخول كل بيت، فإن كان فيه ساكن مسلم يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإن لم يكن فيه ساكن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وإن كان في البيت من ليس بمسلم قال: السلام على من اتبع الهدى، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»(23).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفشوا السلام بينكم»(24).

رد التحية بأحسن منها:

يجب على أهل البيت أن يردوا التحية بمثلها أو أحسن منها؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء:86].

ونقف أمام اللمسات الكامنة في آية التحية هذه:

إنها، أولًا، تلك السمة المتفردة، التي يحرص المنهج الإسلامي على أن يطبع بها المجتمع المسلم، بحيث تكون له ملامحه الخاصة، وتقاليده الخاصة، كما أن له شرائعه الخاصة ونظامه الخاص، وقد سبق أن تحدثنا عن هذه الخاصية بالتفصيل عند الكلام عن تحويل القبلة، وتميز الجماعة المسلمة بقبلتها، كتميزها بعقيدتها.

وهي، ثانيًا، المحاولة الدائمة لتوثيق علاقات المودة والقربى بين أفراد الجماعة المسلمة، وإفشاء السلام، والرد على التحية بأحسن منها من خير الوسائل لإنشاء هذه العلاقات وتوثيقها، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»(25)، هذا في إفشاء السلام بين الجماعة المسلمة ابتداءً، وهو سنة، أما الرد عليها فهو فريضة بهذه الآية، والعناية بهذا الأمر تبدو قيمتها عند الملاحظة الواقعية لآثار هذا التقليد في إصفاء القلوب، وتعارف غير المتعارفين، وتوثيق الصلة بين المتصلين، وهي ظاهرة يدركها كل من يلاحظ آثار مثل هذا التقليد في المجتمعات، ويتدبر نتائجها العجيبة!

وهي، ثالثًا، نسمة رخية في وسط آيات القتال قبلها وبعدها، لعل المراد منها أن يشار إلى قاعدة الإسلام الأساسية (السلام)، فالإسلام دين السلام، وهو لا يقاتل إلا لإقرار السلام في الأرض، بمعناه الواسع الشامل(26).

تعليم الصغار الاستئذان:

قال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:59].

فالخدم من الرقيق، والأطفال المميزون الذين لم يبلغوا الحلم يدخلون بلا استئذان، إلا في ثلاثة أوقات، تنكشف فيها العورات عادة، فهم يستأذنون فيها، هذه الأوقات هي: الوقت قبل صلاة الفجر؛ حيث يكون الناس في ثياب النوم عادة، أو أنهم يغيرونها ويلبسون ثياب الخروج، ووقت الظهيرة عند القيلولة؛ حيث يخلعون ملابسهم في العادة ويرتدون ثياب النوم للراحة، وبعد صلاة العشاء حين يخلعون ملابسهم كذلك ويرتدون ثياب الليل.

وسماها (عورات) لانكشاف العورات فيها، وفي هذه الأوقات الثلاثة لا بد أن يستأذن الخدم، وأن يستأذن الصغار المميزون الذين لم يبلغوا الحلم؛ كي لا تقع أنظارهم على عورات أهليهم، وهو أدب يغفله الكثيرون في حياتهم المنزلية، مستهينين بآثاره النفسية والعصبية والخلقية، ظانين أن الخدم لا تمتد أعينهم إلى عورات السادة! وأن الصغار قبل البلوغ لا ينتبهون لهذه المناظر، بينما يقرر النفسيون اليوم، بعد تقدم العلوم النفسية، أن بعض المشاهد التي تقع عليها أنظار الأطفال في صغرهم هي التي تؤثر في حياتهم كلها، وقد تصيبهم بأمراض نفسية وعصبية يصعب شفاؤهم منها.

والعليم الخبير يؤدب المؤمنين بهذه الآداب وهو يريد أن يبني أمة سليمة الأعصاب، سليمة الصدور، مهذبة المشاعر، طاهرة القلوب، نظيفة التصورات.

ويخصص هذه الأوقات الثلاثة دون غيرها لأنها مظنة انكشاف العورات، ولا يجعل استئذان الخدم والصغار في كل حين منعًا للحرج(27).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلا بإذن»(28).

ينبغي ألَّا يطرق الباب بعنف:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «إن أبواب النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقرع بالأظافر»(29).

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: «وهذا محمول منهم على المبالغة في الأدب، وهو حسن لمن قرب محله من بابه، أما مَن بَعُد عن الباب بحيث لا يبلغه صوت القرع بالظفر، فيستحب أن يقرع بما فوق ذلك بحسبه»(30).

غض البصر:

يجب على الداخل إلى بيوت الناس أن يحفظ بصره عما لا يحل له رؤيته، فيدخل ونظره إلى أسفل، ولا يدخل وهو يتلفت يمينًا وشمالًا، ولو كان في البيت ما يدعو إلى النظر؛ كالزخارف والزينة، لا سيما في هذا الزمن الذي تفاخر الناس فيه بإحداث كل زخرفة ممكنة، وأنفقوا في ذلك الأموال الطائلة، فكل ذلك ربما يدعو إلى فضول النظر، لكن لا يجوز أن تقلب بصرك في بيوت الناس، فالبيوت عورة، ولها حرمة، ما لم يدعوك صاحب البيت للنظر، ومشاهدة ما أحدث في بيته من زخارف وزينة وأشكال .

من فوائد الاستئذان:

(1) يتيح للإنسان أن يتصرف في بيته كما يشاء بما يرضي الله؛ فيأذن لمن يريد ويردّ من يريد بغير حرج.

(2) سد الذرائع؛ إذ إن عدم الاستئذان يستلزم وقوع النظر على ما لا يحل، وقد يكون هذا سببًا لفتنة بعد ذلك.

(3) الاستئذان يرفع الحرج عن المستأذِن والمستأذَن عليه.

(4) الاستئذان يشيع جو الأمان في المجتمع؛ فيأمن كلٌّ عدمَ اقتحام البيت إلا بإذنه.

(5) تؤدي فضيلة الاستئذان إلى الغبطة والسرور.

(6) الاستئذان يؤدي إلى الأنس وإزالة الرهبة والخوف.

(7) الاستئذان يتيح الفرصة لصاحب البيت بأن يداري عوراته وكل ما يكره.

(8) بالاستئذان ترضى النفوس، ولا ينزل بها الغضب، وتحفظ الحرمات(31).

______________

 (1) تفسير ابن كثير (3/ 279).(2) في ظلال القرآن (4/ 2507-2508).(3) الجامع لأحكام القرآن (12/ 213).(4) أخرجه مالك (3538).(5) في ظلال القرآن (6/ 98).(6)

         أضف تعليق