المشرف العام
الداعية الصغير
السماحة في المعاملة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 20/02/2018م
الموافق : 5/06/1439 هـ

السماحة في المعاملة

الشيخ عبدالعزيز الخولي

عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "رحمَ الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى، وفي رواية: وإذا قضى" رواه البخاري والترمذي وابن ماجه.

السمح يطلق على السهل وعلى الجواد، والأول هو المناسب هنا. والاقتضاء طلب قضاء الحق - يدعو النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة وإسباغ النعمة للرجل السمح السهل. ودعاؤه عند الله بمكانة عظيمة لأنه صادر من النفس الطاهرة المخلصة، من اللسان المرطب بذكر الله فتفتح له أبواب الإجابة ? إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ? [فاطر: 10]، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم السماحة في أربعة أشياء: في البيع والشراء والاقتضاء والقضاء.

فالسماحة في البيع ألا يكون شحيحاً بسلعته مستقصياً في ثمنها مغالياً في الربح منها مكثراً من المساومة فيها، بل يكون كريم النفس راضياً بيسير الربح، مقلاً من الكلام. والسماحة في الشراء أن يكون سهلاً في كياسة، فلا يدقق في الدانق والمليم خصوصاً إذا كانت السلعة شيئاً هيناً كفجلة أو بصلة والمشتري غنياً والبائع فقيراً معدماً، ولا يُسئم البائع بالأخذ والرد وتعطيله عن المشترين الآخرين أو مصالحه الأخرى، ولا يكثر التقليب في البضاعة بعد أن سبر غورها ووقف على حقيقتها: والسماحة في الاقتضاء أن يطلب حقه أو دينه في هوادة بلا عنف وفي لين بلا شدة ويراعى حال المدين، فإن كان معسراً نظره وأخره، بل إن كانت حاله لا تسمح بالسداد تصدق عليه بحقه أو من حقه ? وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ? [البقرة: 280].

ومن السماحة في الاقتضاء ألا يطالب المدين على مشهد من الناس ومسمع خصوصاً إذا كانوا لا يعلمون بالدين أو يتأذى المدين بالجهر، وألا يلحف في الطلب أو يطالبه في أوقات راحته وهناءته فينغص عليه صفوه وهو من أحرص الناس على قضاء الحقوق؛ وألا يرفع أمره إلى القضاء وهو مستعد للدفع في وقت قريب فيغرمه الرسوم وأجر المحاماة ويشغل باله ويستنفد من وقته من غير جدوى تعود عليه إلا الإضرار بأخيه. كل ذلك من حسن الاقتضاء.

وأما السماحة في القضاء فأن يرد الحق لصاحبه في الموعد المضروب ولا يكلفه عناء المطالبة أو المقاضاة، ويشفع القضاء بالشكر والدعاء أو الهدية إن كان لها مستطيعاً، إلى غير ذلك مما ينطوي تحت المسامحة.

فالحديث يرغبنا في حسن المعاملة وفي كرم النفس، وفي مراعاة المصلحة وفي حفظ الوقت.

 (الهدي) أين معاملة المسلمين بعضهم بعضا في هذا الوقت من هذا الدستور المحمدي الرحيم؛ فلو أنهم اتخذوا هذه الوصي الحكيمة شعاراً لهم ما التجأ ذو دين إلى محكمة، ولا ماطل مدين في دفع ما عليه، ولوقفوا عند أمر الله في قوله ? وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ? [البقرة: 188].

نعم لو اتعبوا هذه الوصية الحكيمة لما ضاعت الثقة فيما بينهم إلى الحد الذي نراه الآن فأصبح الزبون يساوم في شراء أي شيء ويبالغ في المساومة لأنه لا يثق بتقدير صاحب السلعة ثمن سلعته معتقداً أنه لا بد غاشه وأنه لا ذمة لتاجر.. وترى التاجر من جهة يبادل الزبون هذه العاطفة! معتقداً أنه جاء لاختلاس بضاعته فهو يضاعف ثمنها بادئَ بَدءٍ، ولا يصدقه في تقدير ثمنها مبدئياً، فعنده أنه لو صدقه فيه لنزل به الزبون إلى النصف كعادة الناس جميعاً في المساومة مهما كان الثمن المعروض معقولاً، لذلك فهو يعامله من جنس معاملته لفقد ثقة أحدهما بالآخر. ولو قلد تجار المسلمين زملاءهم الأجانب في تحديد الأسعار لاستراحوا وأراحوا، حتى لقد أصبح كثير من الناس يرتاد محلات التجارة الأجنبية مع علمه بغلاء أثمانها، ولكنه آثرها على مثلها من محلات مواطنيه توفيراً لوقته وراحته. ونعرف طائفة قليلة من التجار الوطنيين اتبعوا هذه الخطة فنجحوا أي نجاح، وقصدهم الناس للفكرة نفسها.

ومما يؤلم حقاً أن يكون أصاب السلع الصغيرة من أكثر الباعة غشاً في النوع والثمن والميزان، فيعاملهم الناس بعدم الثقة بهم فتكثر المساومة معهم ويضطر أغلبهم لإعادة وزن ما يوزن عند غيرهم؛ ومن أخذ شيئاً بلا إعادة ميزان أخذه غيره مطمئن، مع أن هذه الطائفة من أحوج الناس إلى العطف والسماحة معها في المعاملة والإحسان إليها ببذل أكثر مما تساويه السلعة، ولكن هناك من يدقق مع أولئك البؤساء من غير حق فيحاسبهم على الفتيل والقطمير ويقلب الفاكهة التي مع أحدهم مثلاً وهي ملء عربة صغيرة لأفة أو نصف أقة يريد شراءها، وربما فعل ذلك وترك هذا المسكين من غير أن يشتري منه شيئاً، فما عاد عليه منه إلا الضرر فيمتلئ صدره عليه وعلى الناس جميعاً حقداً وعقلا، وينتهز كل فرصة لغش من يستطيع غشه منهم بل وسرقته إن أمكنه!!

ولو عمل هؤلاء بالسماحة والتجاوز عن بعض الحقوق التافهة لاستلت السخائم من قلوبهم، ولكان لهذه المعاملة الرفيقة أثر بعيد في إعادة الثقة إلى نفوسهم، وإرجاعهم إلى حظيرة الاستقامة، فلا يلجؤون إلى غش في الميزان، ولا إلى مغالاة في الأثمان، والراحمون يرحمهم الرحمن.

         أضف تعليق