المشرف العام
مقالات
قضايا سلوكية
 
تمت الإضافة بتاريخ : 18/02/2018م
الموافق : 3/06/1439 هـ

قضايا سلوكية

د. مصطفى عطية جمعة

نعني بذلِك مختلفَ المظاهرِ السلوكية التي رصدها الرسول صلى الله عليه وسلم في تصرفات من حوله، حيث لم يكن يدع الأمور تمر مر الكرام، بل يغتنم الفرصة ليرشد ويوجه في حوار لطيف، وإرشاد هادئ.

? عن أبي واقد الليثي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما: فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه [1].

إننا أمام موقف يحدث كثيراً في الحياة، وفي تجمعات طلب العلم، موقف يعبر عن طبيعة الشخصيات وكيف تتصرف في الحياة. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في مجلس علم وإفادة، فأقبل ثلاثة من الناس، أحدهم نظر للحلقة، ثم عاد بظهره وانصرف، والثاني وجد مكانا صغيرا (فرجة) فجلس يستمع، والثالث جلس خلف الحلقة. لم يفوت الرسول الفرصة، فقد كان القوم جالسين ناظرين للموقف، فانتظر الرسول حتى فرغ من حديثه، ثم علّق على الموقف، رابطا بين التصرف الحادث وبين نظرة الله تعالى، وهو أعلم البشر، لأن الله تعالى يلقي في نفسه، فما ينطق نبينا عن الهوى، شرح الرسول الموقف: فالأول الذي انصرف أعرض عن طلب العلم والخير، فأعرض الله عنه وانصرف. والثاني: أقبل محبا للعلم والتفقه في الدين، فأقبل الله عليه بالثواب والفهم والرضا، أما الثالث، فهو جلس خلف الحلقة والقوم، لم يستمع ولم يشارك حياءً، وقد استحيا الله منه، فلم ينظر إلى ما فعل.

لم يذكر راوي الحديث أسماء هذه الشخصيات، وهذا من الممكن، نظرا لأن المجتمع وقتئذ صغير، متعارف، وهذا عائد إلى فهم الراوي للأمر؛ فمناط القضية ليس ذكر الأسماء بل استعراض الموقف وكيفية معالجته، وذكر إرشاد الرسول. أيضا الرسول صلى الله عليه وسلم آثر أن يكون التوجيه عاما، ولو شاء لنادى كل فرد من الثلاثة على حدة وأرشده، ولكنه أراد أن يسمع الجالسين، لتتسع مساحة الإفادة، لأن الإعراض والحياء في طلب العلم مرفوض شرعاً.

? عنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏ إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَىَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَىَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ ‏"‏.‏ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالَ ‏"‏ الْمُتَكَبِّرُونَ ‏"‏[2] وَالثَّرْثَارُ هُوَ الْكَثِيرُ الْكَلاَمِ وَالْمُتَشَدِّقُ الَّذِي يَتَطَاوَلُ عَلَى النَّاسِ فِي الْكَلاَمِ.

يتناول هذا الحديث قضية أخرى إنها قضية الأخلاق بشكل عام، فذوو الأخلاق الطيبة والسلوك الحسن ينالون محبة الرسول وصحبته والقرب منه يوم القيامة. ونلحظ أن الخطاب النبوي كان بصيغة الجمع، لأنه يتوجه إلى عامة المسلمين، فالأخلاق الحسنة أمر مهم وأساس في حياة المسلم. كما أن الأخلاق الحسنة أمر اجتماعي في الأساس، لأنها تصرفات وسلوكيات مع الناس جميعا. هذه البشارة عامة للجميع: نيل حب رسول الله والقرب منه، أي الجنة يوم القيامة، ثم يأتي تخصيص وتحذير، فهو يحذر من ثلاثة: الثرثار، والمتشدق، والمتفيهق، وهي سلوكيات قولية، فالثرثار من يكثر كلامه، فيزعج من حوله، فإنما الصمت والهدوء من سمات المسلم. أما المتشدق فهو الذي يتكلم مبرزا فصاحته [3]، وهذا سلوك متكلف مذموم، فيه تعالٍ، ودليل على ادعاء ما ليس في النفس، وتكبر خفي على من يسمعه. أما الثالث: فهو المتفيهق الذي يتطاول في الكلام، والتطاول قد يكون بادعاء العلم والفهم في أشياء لا علم له فيها، وإنما يريد أن يكون بارزا ظاهرا متصدرا للمجالس.

هناك قواسم مشتركة بين الثلاثة وهي: أنهم يتصفون بصفات قولية مذمومة، وجميعهم يرغب في الشهرة وحب الظهور، وأنهم يكثرون الكلام، كل على شاكلته وما ذهبت إليه نفسه، وأيضا هذه النوعية من البشر تنفرد دائما بالتصرف وعدم احترام من حولها في آرائهم وشخوصهم، فهي ذات نظرة تنفي الآخرين، وسلوك فيه أنانية، وحط من شأن من حولها.

فالتحذير من هؤلاء، هو تحذير من سلوكيات مبغضة من الناس، وسرعان ما يلفظهم الناس من مجالسهم.

? عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‏"‏إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ"‏ [4]‏.

هذا الحديث يشير إلى تصرف بسيط، ولكنه غاية في التأثير، ويأتي مع نفس المنظومة الأخلاقية التي ذُكرَت في الحديث السابق، خاصة البعد القولي، وهو يتناول تصرفا يحدث كثيرا، دون قصد، وهو إذا كان هناك ثلاثة متصاحبين في سفر أو جلسة، فلا يتحدث اثنان من الثلاثة، لأنه هذا يحزنه، والنجوى هي الكلام في السر، والحديث الهامس [5]) والنجوى تشمل أموراً عدة: التحدث بصوت هامس بين الاثنين والثالث يراقبهما، أو أن يعتزلا الثالث ويتناجيان، وفي جميع الأحوال يكون الشخص الثالث معزولا، نائياً عنهما، فتلعب الظنون بنفسه؛ أن يكونا الاثنان يتحدثان عنه سخرية، أو لا يحبانه، أو لا يقدران عقله وشخصه لذا لا يهتمان بالسماع إليه. وقد نهى الله تعالى عن النجوى عامة: ? إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ? [المجادلة: 10] [6].

? عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ أَمُرُّ بِهِ فَلاَ يَقْرِينِي وَلاَ يُضَيِّفُنِي فَيَمُرُّ بِي أَفَأَجْزِيهِ قَالَ ‏"‏ لاَ، أَقْرِهِ ‏"‏.‏ قَالَ وَرَآنِي رَثَّ الثِّيَابِ فَقَالَ ‏"‏ هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ ‏"‏. قُلْتُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ قَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ مِنَ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ. قَالَ ‏"‏ فَلْيُرَ عَلَيْكَ ‏"[7] وَمَعْنَى قَوْلِهِ ‏"‏ أَقْرِهِ ‏"‏ أَضِفْهُ وَالْقِرَى هُوَ الضِّيَافَةُ.

هذا الحديث يشير إلى قضيتين سلوكيتين أخرى وهي المعاملة بالمثل مع الناس وحسن المظهر، وعبر هذا البناء الحواري، فالصحابي الجليل يشتكي من أنه يمر برجال لا يكرمونه، ولا يقومون بواجب ضيافته، ثم يحدث العكس، أن يمروا هم به، فهل يضيّفهم؟ أجابه الرسول بجواب موجز، وطلب منه أن يكرمه ويستضيفه، لأنه يتعامل بأخلاق الإسلام: الكرم، وعدم المعاملة السيئة بالمثل. ثم ينظر الرسول إليه، فيراه بثياب بالية، قديمة، فيسأله عن أحواله المادية، فيخبره الصحابي أن لديه الإبل والغنم، فيطلب منه الرسول أن يظهر ذلك عليه في ملبسه، فإن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

هاتان قضيتان ليستا هامشيتين، إنهما تتصلان بتعامل المسلم مع الناس: في المعاملة بالمثل خاصة واجب الضيافة، فهي من أهم وسائل جذب القلوب وتحبيب النفوس إلى بعضها، وأيضا في مظهر المسلم، فالنفس البشرية تميل إلى المظهر الحسن، فهذا يساهم في الألفة، والقبول الاجتماعي.

وفي ضوء هذا السياق، يأتي هذا الحديث:

 

? عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ وَلاَ يَدْخُلُ النَّارَ يَعْنِي مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ ‏"‏. قَالَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا وَنَعْلِي حَسَنَةً. قَالَ ‏"‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْجَمَالَ وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطَرَ الْحَقَّ وَغَمَصَ النَّاسَ ‏"‏[8].

الرسول ينهى عن التكبر عامة، فلن ينال الجنة المتكبرون، الذين يرون أنفسهم أفضل من الآخرين، ولو كان أقل القليل، وهذا يأتي ضمن المنظومة الأخلاقية العامة للإسلام؛ التي تنهى عن التكبر، وتأمر بالتواضع، ومن التكبر الثرثرة والتفيقه والتشدق في القول الذي مرّ بنا فيسأله رجل أنه يعجبه أن يكون حسن المظهر: ثوبا ونعالا، فيوضح الرسول صلى الله عليه وسلم القضية بأنها لا تتصل بالمظهر، بل بالقلب، فما في القلوب ينعكس على التصرفات المتكبرة. وهذا الرأي من الرسول صلى الله عليه وسلم يتناغم مع الحديث السابق الذي يأمر فيه الرسول الرجل بالمظهر الحسن.

_____________-

 

[1] صحيح البخاري، ج1، كتاب العلم، ص 40، رقم (66).

 

[2] سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، رقم 2150. (حديث حسن غريب).

 

[3] القاموس المحيط، مادة شدق، ص 1158.

 

[4] صحيح مسلم، كتاب السلام، رقم (5826).

 

[5] القاموس المحبط، مادة نجو، ص1723.

 

[6] سورة المجادلة، الآية (9).

 

[7] سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، رقم 2137، (حديث حسن صحيح).

 

[8] سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، رقم 2130، (حديث حسن صحيح غريب) وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ ‏"‏ لاَ يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ ‏"‏.‏ إِنَّمَا مَعْنَاهُ لاَ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ‏.‏ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ ‏"‏.‏ وَقَدْ فَسَّرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ هَذِهِ الآيَةَ:‏ ‏(رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ‏)‏‏.‏ فَقَالَ مَنْ تُخَلِّدُ فِي النَّارِ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ).

         أضف تعليق