المشرف العام
مقالات
مجاهدة النفس
 
تمت الإضافة بتاريخ : 17/02/2018م
الموافق : 2/06/1439 هـ

مجاهدة النفس

نهى فرج

كيف نتمكَّن مِن اكتشاف ماهيَّة النفس؟

 

كيف نغُوصُ داخل أعماق نفسنا، فنراها بوضوح، ونبدأ في فحصها وتحليلها؟

 

قد تتساءل:

 

ولماذا نقوم بهذه الرحلة الاستكشافيَّةِ؟

 

ما الهدف منها؟

 

السببُ هو أننا مكلَّفون بتهذيبِ نفوسِنا وتقويمها وتزكيتِها؛ لأن غايتَنا الوصولُ إلى النفس المطمئنَّة، النفس التي تصلُ في النهاية إلى الرضا، إلى السكينة، إلى الجنة.

 

لقد وَضَّح اللهُ سبحانه وتعالى في آيات متعدِّدة كلماتٍ مميَّزةً تُعبِّر عن صفات النَّفْس، كيف يكونُ منها الخير والشر والتقوى.

 

ووصَفها بالنفس المطمئِنَّة، والنفسِ التي مِن شأنها أن تُوسوِس وتُؤذِيَ صاحبها، وذلك في حالة أَنِ استمع لهذه الوسوسة النفسيَّة.

 

• هناك طريقان: الخير والشر، ومصيران: الجنة والنار.

 

أما الطريق المتَّبَع، فهو مسؤولية الإنسان وإرادته المطلَقة، خلال رحلةِ حياته بأن يفعل ما ينفعه في آخرته، فبعد انتهاء الرحلة يتحدَّد المصير.

 

مجاهدة النفس، لماذا؟

 

لأن غايتك وهدفك هو الوصولُ إلى جنة الخلد ونعيمِها؛ ولأنك المسؤول عن تقويم وتهذيب نفسك، خلَق الله لك عقلًا، وميَّزك بالفكر والإمكانيات الذهنية المتعددة، إنها إرادتك ومسؤوليتك أن تحاسب نفسك، ? وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ? [الشمس: 7 - 10].

 

مجاهدة النفس من ماذا؟

 

مِن كل المتسبِّبات في إلحاق الضرر بها، على سبيل المثال: الحسد، الغَيرة، الطمع، الكِبر، اتِّباع الهوى، سُوء الظن بالله تعالى، وسُوء الظن بالناس، آفات اللسان بصورِها المتعددة؛ كالغِيبة والنَّميمة والكذب وغيرها.

 

وهنا يأتي السؤال:

 

كيف تكتشف نفسك؟

 

كيف تُحدِّد ما يحتاج إلى التهذيب والتقويم والإرشاد؟

 

كيف تكون خطواتك نحو الصراط المستقيم؟

 

عليك أن تتحدَّث إلى نفسِك، أن تتحاورَ معها وتسألها: ما الذي يُحرِّكك ويتسبَّب في سلوكك وأفعالك؟

 

استمع إلى صوت نفسِك، أنت وحدَك مَن يُدرِك ويطَّلِع على هذا الحوار الخاص مع نفسك.

 

هل السبب الحسد والغَيرة من الآخرين، والرغبة في زوال النِّعَم التي أنعَمَها الله عليهم؟

 

ربما يكون سُوء النية وافتراض سُوء الظنِّ بالآخرين!

 

هل هناك أدلة، أم أنك تبنِي عَلاقاتك مع الآخرين على أساس الافتراضات، وتُحرِّكك الأوهامُ والظنون دون أن تواجه أو تتكلم بشكل مباشر لتتضح لك حقيقة الأمور؟

 

هل تتَّبِع هواك، أم أنَّك تُخلِص النية لله تعالى، وتبحث دائمًا عمَّا أمرك الله، وتتَّبِع تعليماته ومنهجه؟

 

آيات عديدة تُشِير إلى خطورة اتِّباع هوى النفس؛ وذلك لأنها طريقُ الضلال والندم والحسرة وظلم النفس.

 

قال تعالى: ? وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ? [الكهف: 28].

 

وقال تعالى: ? فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ? [طه: 16].

 

وقال تعالى: ? فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ? [القصص: 50].

 

أنت وحدَك القادرُ على معرفةِ عيوبِ نفسك، وما يُوجِّه تفكيرَها، ويسيطر على أفعالك وتصرفاتك وسلوكك.

 

بعد أن تنتهيَ من اكتشاف نفسك، والغوص داخلها، وفتح الأبواب والسراديب المُؤصَدة، ستنطلق إلى مرحلةٍ أهم، وهي الطرق المختلفة التي مِن شأنها أن تُعِينك على مجاهدة نفسك.

 

بعض النقاط الهامة التي تعينك على مجاهدة النفس:

 

1- إخلاص النية لله تعالى:

 

أن تكون نيتُك دائمًا خالصة لله تعالى في جميع أُمور حياتِك وعَلاقاتك بالآخرين؛ فإنك تُسامِح الناس لأنك تَسْعى نحو مغفرةِ الله تعالى وعفوه عنك، وأن يرحمك برحمته التي وَسِعت كل شيء.

 

تربيةُ أبنائك على عبادة وتَقْوَى الله والأخلاق والقيم الحميدة، ونيتُك خالصة لله، فتأمل أن يعينك الله حتى يكون أبناؤك من الصالحين، وأن يَدْعُوا لك بعد موتك.

 

لا تتعلَّق بالآخرين، واجعَلْ قلبك متعلقًا بالله، مشغولًا به وبالتفكير في الطرق التي تقربك إليه.

 

2- الاقتراب من الله:

 

لقد أنعم الله علينا بنِعَمٍ لا تُعد ولا تُحصى، وأمرنا بعبادته وطاعته، والقربُ مِن الله يكون من خلال:

 

• العبادات: احرِص على الالتزام بالعبادات؛ من صلاة وصوم وزكاة بشكل دائم.

 

• الدعاء: اسأَلِ الله وتقرَّب إليه ولا تيئس مِن رحمته، واصبر، وتذكر سيدنا يونسَ عليه السلام، ونجاته من بطن الحوت، ? وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ? [الأنبياء: 87، 88].

 

استمرَّ في الدعاء والالتجاء إلى الله وحده، فالله سبحانه وتعالى قادرٌ على أن يُثبِّت قلبك على الإيمان والتقوى، قال الله تعالى: ? وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ? [البقرة: 186].

 

• الاستغفار: فوائد الاستغفار جمَّةٌ؛ منها: مغفرة الذنوب، ورحمة الله، وتفريج الهموم، وصور شتى من الرزق؛ كالأموال والبنين، والهدف الأكبر هو نعيم الجنة، قال سبحانه وتعالى: ? وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ? [النساء: 110]، ? فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ? [نوح: 10 - 12].

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن لزِم الاستغفارَ، جعَل الله له مِن كلِّ همٍّ فرجًا، ومِن كلِّ ضيقٍ مخرجًا، ورزَقَه مِن حيث لا يحتسب))؛ رواه أبو داود عن ابن عباس.

 

• حسن الظن بالله: وهذا يعني ألا تيئسَ مِن رحمة الله ومغفرته، وتفترض الخير دائمًا، وأن تصبر على الابتلاءات؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكَرني؛ فإن ذكَرَني في نفسِه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكَرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأ خيرٍ منهم، وإن تقرَّب إليَّ بشبرٍ تقرَّبت إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً))؛ رواه البخاري ومسلم.

 

• الصبر: من أكثر الأشياء التي تُعِينك على مجاهدة نفسك الصبرُ؛ الصبر على الابتلاءات والشدائد، الصبر على تأخُّر استجابة الله لدعائك، ? وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ? [البقرة: 45].

 

• السجود: أكثِر من السجود والتضرُّع إلى الله، واستَشعِرْ عظمة وقدرة الخالق، اسجُد له حمدًا وشكرًا على نِعَمِه التي أنعمها عليك، واسجد إليه طمعًا في رحمته ومغفرته واستجابته لك.

 

• مخالفة الهوى: مَن يجاهد نفسه ويبتَعِد عن هوى نفسِه، فجزاؤه نعيم الجنة؛ قال الله تعالى: ? وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ? [النازعات: 40، 41].

 

3- العلم:

 

المؤمن مكلَّفٌ شرعًا بأن يُفكِّر ويتعلَّم العلم الصالح من كتابِ الله وسُنَّة رسولِه صلى الله عليه وسلم، وقصص الأنبياء والصحابة، وأن يتحرَّى دقة المعلومات الواردة، وأن يعتمد على الكتب الموثوق في مصادرها وصحتها.

 

4- الصحبة الصالحة:

 

ابحث عمَّن يزيد همتك ويقوِّيك، مَن يتعاون معك على البر والتقوى، قال الله تعالى: ? الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ? [الزخرف: 67]، المتَّقون هم الذين تحابُّوا في الله، وكانت نيتهم خالصةً لإرضاء الله وطاعته وعبادته حق العبادة.

 

5- أعمال الخير والصدقات:

 

تأمل هذه الآية الكريمة: ? فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ? [الزلزلة: 7، 8]، مثقال ذَرَّة الخيرِ يُحاسِبك الله عليها، وتذكَّر أن الله يُضاعف لمن يشاء، ? خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ? [التوبة: 103]؛ الابتسامة صدقةٌ، ردُّ التحية والسلام، تخفيف كُرْبةِ أحدٍ ومساعدته، عون أخيك، إنها أشياء يسيرة، ولكن منزلتها عند الله عظيمة.

 

6- السلام النفسي:

 

تخلَّص من كل المشاعر السلبية؛ من كره، وبُغْض، وكراهية، ورغبة في الانتقام من الآخرين، افترض حسن النيات للآخرين، استبدل بمشاعرك السلبية مشاعرَ إيجابية تُساعِدك على تحقيق السلام النفسي والهدوء والطمأنينة، تسامَحْ، وعليك بكظم الغيظ والإحسان، قال الله تعالى: ? وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ? [آل عمران: 133، 134]، باب الرحمة والمغفرة ما زال أمامك، جاهِدْ نفسَك وانتَصِرْ على شرورها، لا تتكاسَل ولا تيئس من رحمة الله، عندما تتمكن من فتح الأبواب المغلقة داخل نفسك، حينها ستبدأُ أول خطوةٍ نحو الخروج من ظُلمة نفسك إلى نور التقوى، مجاهدة نفسك لن تنتهي إلا مع آخِرِ نَفَسٍ لك في هذه الحياة، وهدفك أن تجد مِفتاحَ بابِ جنَّتِك.

         أضف تعليق