المشرف العام
الداعية الصغير
أهمية الأمانة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 15/02/2018م
الموافق : 30/05/1439 هـ

أهمية الأمانة

أ. صالح بن أحمد الشامي

الأمر بأداء الأمانة ورعايتها:قال تعالى: ? إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ?[1].وقال تعالى: ? وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ?[2].وقال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ?[3].

التعريف بالأمانة:

وُصِفَ النبي صلى الله عليه وسلم بـ "الأمين" قبل البعثة. فهل كان ذلك لمعنى واحد، كان قائمًا فيه صلى الله عليه وسلم؟.

لا شك بأن وصفه بالأمين كان لمجموعة من المعاني: فهو الصادق في حديثه.

وهو المحافظ على الوديعة إذا ائتمن عليها، وهو الحكم العدل إذا حكم في أمر.. وهو..

ويذكر القرآن الكريم في وصف موسى عليه السلام، على لسان ابنة الشيخ الكبير قولها:

? ياأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ?[4].

ولئن قلنا إنها عرفت قوته بقدرته على السقاية على الرغم من آثار السفر المتعبة، البادية عليه، فإننا نتساءل: كيف عرفت أمانته؟ لا شك بأنها لم تستودعه شيئًا، فحفظه لها..

إنها عرفت أمانته من نخوته التي دفعته للسقاية لهما، وعرفت أمانته مما وجدت من عفة لسانه وعفة نظره حين توجهت لدعوته.. فالأمين على العرض أمين على ما سواه.

نخلص من هذا إلى أن الأمانة معنى قائم في النفس، له دوره في شتى ميادين الحياة كبيرها وصغيرها. وليس قاصرًا على المعنى الضيق المتعلق بحفظ الودائع.

ومما يلفت النظر أن لفظ "الأمانة" قد ورد في الآيات التي في الفقرة الأولى بصيغة الجمع، ولعل هذا مما يؤكد أن هناك أمانات..

ميادين الأمانة:

رأينا في الفقرة السابقة أن عمل الأمانة ليس قاصرًا على ميدان واحد، وإنما هي داخلة في كل ميادين الحياة.

وسوف نستعرض بعض هذه المجالات في ضوء هديه صلى الله عليه وسلم.

1- الأمانة واختيار عمال الدولة:

لقد أوضح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم السبيل في هذا الميدان، وبينه بيانًا لا لبس فيه ولا غموض، وما ذاك إلا لما لهذا الأمر من خطر في حياة الأمة.

فهذا الأمر لا يعطى لمن طلبه، لأن طالبه لم يدرك مسؤوليته، ولو أدركها لهرب منها هروبه من الأسد. وبين صلى الله عليه وسلم ذلك فقال:

"إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة"[5].

وقال صلى الله عليه وسلم: "إنا لا نولي هذا من سأله، ولا من حرص عليه"[6].

ويبين صلى الله عليه وسلم الفرق بين أن يطلبها الإنسان وبين أن يلزم بها فيقول: "يا عبدالرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكلتَ إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها"[7].

هذا توجيه كريم لمن فكر أن يطلب الإمارة.

أما الجانب الآخر، فهو مسؤولية من يؤمر رجلًا وهناك من هو أرضى لله منه.

قال صلى الله عليه وسلم: "من استعمل رجلًا على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين"[8].

وقال صلى الله عليه وسلم: "من ولي من أمر المسلمين شيئًا، فأمَّر عليهم أحدًا محاباة، فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا حتى يدخله جهنم"[9].

وهذا أبو ذر رضي الله عنه يروي لنا قصة طلبه الإمارة.

قال: قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها"[10].

وهكذا لم يولِّ الرسول صلى الله عليه وسلم أبا ذر لعدم توفر الأهلية فيه لهذا الأمر.

وقد بين صلى الله عليه وسلم أن ضياع الأمانة من علامات الساعة، فلنستمع إلى تفسيره صلى الله عليه وسلم لضياع الأمانة.

فقد جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: متى الساعة؟ فقال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" قال: كيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"[11].

ولهذا كانت الخيانة في هذا الميدان من أعظم أنواع الخيانة، فقال صلى الله عليه وسلم مبينًا ذلك: "ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة"[12].

2 - الأمانة والودائع:

عندما تطلق الأمانة. فإن أذهان عامة الناس تذهب إلى هذا المجال.

ولا شك بأنها ميدان أصيل في هذا الباب.

وقد كانت أمانته صلى الله عليه وسلم في هذا الباب - كما في غيره - صورة فريدة في التاريخ. فأهل مكة الذين ناصبوه العداء، بعد دعوته إلى دين الله تعالى، واضطهدوا أتباعه واضطروه - في جملة ما اضطروه إليه - أن يذهب إلى الطائف بحثًا عن مكان للدعوة، ثم اضطروه أن يهاجر إلى المدينة.

أهل مكة هؤلاء لم يجدوا مكانًا لودائعهم إلا عنده، ولذا كان من مهمات علي رضي الله عنه بعد هجرته صلى الله عليه وسلم أن يرد الودائع إلى أصحابها.

وتخلف علي رضي الله عنه ثلاثة أيام فرد تلك الودائع إلى أصحابها[13].

وتلك هي ذروة الأمانة.

3- الأمانة في حفظ السر:

وهذا ميدان آخر يجعله الإسلام في جملة مجالات الأمانة: قال صلى الله عليه وسلم: "إذا حدث الرجل بالحديث، ثم التفت، فهي أمانة"[14].

ومعنى التفت - والله أعلم - أي أنه يخاف أن يسمع حديثه أحد، فكان التفاته تعبيرًا عن أن هذا سر يستحفظه إياه.

ومن هذا الباب أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم:

"إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها"[15].

4- الأمانة في المشورة:

جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: "المستشار مؤتمن"[16].

فمن استشار إنسانًا. فقد وضع ثقته به، وائتمنه على الأمر الذي وضعه بين يديه، فمن واجبه أن يكون أهلًا لما ائتمن عليه، وأن يشير بالمصلحة ويجتهد في ذلك. فإذا أشار عليه بما هو المفسدة وكتم المصلحة، فتلك هي الخيانة.

ونكتفي بهذا القدر من الحديث عن مجالات الأمانة.

الأمانة والإيمان:

ربط الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الأمانة بالإيمان في كثير من أحاديثه الكريمة، وقد قرأنا في الفصل السابق قوله في صفات المنافقين والذي تردد في أحاديث كثيرة "وإذا ائتمن خان".

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"[17].

ولهذا كانت الأمانة صفة قائمة بذات الإنسان ملازمة له ولا تخضع لردود الفعل أيًا كان حجمها.

وهذا ما أوضحه النبي الكريم بقوله صلى الله عليه وسلم: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك"[18].

وكذلك - أيضًا - فهي لا تتجزأ، وقد جاء هذا واضحًا في بيانه صلى الله عليه وسلم في الكثير من أحاديثه، منها: "من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة"[19].

وليس هناك شيء يمكن ذكره أقل من المخيط الذي هو الإبرة في هذا المجال. وإذًا، فهي إما أمانة وإما خيانة.

الأمانة العظمى:

وإذا أردنا الحديث عن أعظم الأمانات، فهي تلك التي تحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم، في تبليغ الرسالة وحفظ الوحي ونقله. وقد عظم الله شأن هذه الأمانة بقوله: ? إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ?[20].

وقد بلغ الرسول لله ما أنزل عليه، وأشهد الله على ذلك في حجة الوداع، عندما خطب خطبته الجامعة ثم قال: "ألا هل بلغت"؟ قالوا: نعم، قال: "اللهم اشهد".

وقد حدثت عائشة رضي الله عنها مسروقًا، وكان من جملة حديثها: "ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ? يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ?[21]"[22].

وقالت عائشة رضي الله عنها: "ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية ? وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ?[23]"[24].

وعن أنس بن مالك قال: "جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اتق الله، وأمسك عليك زوجك" قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا لكتم هذه"[25].

والحقيقة أنه يمكن أن نضيف إلى ما قالته عائشة وأنس رضي الله عنهما، أمرًا آخر، وهو ما جاء في قوله تعالى:

? عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ?[26].

فإنه صلى الله عليه وسلم لو كان كاتمًا شيئًا من القرآن لكتم هذه الآية، فليست أقل من الآية السابقة.

دعاء:

ولما للأمانة من المنزلة كان صلى الله عليه وسلم إذا ودع مسافرًا من أصحابه قال: "استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك"[27].

إنه الدعاء والوصية.

ولما للخيانة من أثر سيء في نقض الأمانة كان من دعائه صلى الله عليه وسلم.

"اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة"[28].

____________________

[1] سورة النساء، الآية (58).

[2] سورة المعارج، الآية (32).

[3] سورة الأنفال، الآية (27).

[4] سورة القصص، الآية (26).

[5] أخرجه البخاري برقم (7148). ينبغي شرح الحديث.

[6] متفق عليه (خ 7149، م 1733).

[7] متفق عليه (خ 6622، م 1652).

[8] أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس 4/ 92 وقال: صحيح الإسناد.

[9] أخرجه الحاكم 4/ 92 عن يزيد بن أبي سفيان. وقال: صحيح الإسناد.

[10] أخرجه مسلم برقم (1825).

[11] أخرجه البخاري برقم (59).

[12] أخرجه مسلم برقم (1738).

[13] سيرة ابن هشام (1/ 493).

[14] أخرجه أبو داود برقم (4868) والترمذي برقم (1959).

[15] أخرجه مسلم برقم (1437).

[16] أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وابن ماجه والدارمي من حديث أبي مسعود، والترمذي من حديث أم سلمة (زوائد السنن على الصحيحين، للمؤلف).

[17] أخرجه أحمد والبيهقي عن أنس بإسناد حسن.

[18] أخرجه أبو داود برقم (3535) والترمذي (1264) والدارمي (2597).

[19] أخرجه مسلم برقم (1833).

[20] سورة المزمل، الآية (5).

[21] سورة المائدة، الآية (67).

[22] متفق عليه (خ 4855، م 177).

         أضف تعليق