المشرف العام
قدوات
ولكم في سلمان الفارسي عبرة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 11/02/2018م
الموافق : 26/05/1439 هـ

ولكم في سلمان الفارسي عبرة

عبدالله مومن

ما ذنب الشخص الذي لم يسمع عن الله؛ لكونه يعيش في أقاصي الأرض؟

بل ما ذنب ذلك الشعب في تلك الدولة التي لا يوجد فيها مسلمون؟ وكيف لهم أن يعرفوا طريق الله؟

لطالما سمِعتُ هذه الأسئلة من أصدقاء ومثقَّفين أثناء دراستي بالجامعة؛ بل ومن أناس عاديِّين، وهم يحاولون أن يستدركوا على الله، هذا ما وصل إليه إدراكهم وفَهْمُهم ومنطقهم، لكن هل سأل هؤلاء أنفسهم عما إذا كانوا يعلمون من هم؟ بمعنى آخر: هل بحث هؤلاء عن أنفسهم قبل أن يفتح الموت بابه، ويُجبرهم على الدخول، أين كانوا؟ وإلى أين هم ذاهبون؟ ومَن سوف ينصفهم، ويعطيهم حقَّهم؟

بعض المفكِّرين يُعبِّرون عن هذه الأسئلة العميقة بكلمات يسيرة: من أين؟ إلى أين؟ ولماذا؟

بمعنى: من أين أتيتُ؟ إلى أين أذهبُ؟ ولماذا وُجدتُ؟ ويُقال في السير بلا هدف، وعدم اليقين في المقصود من الحياة:

جئتُ، لا أعلم من أين، ولكنِّي أتيتُ

ولقد أبصرت قُدَّامي طريقًا فمشيتُ

وسأبقى ماشيًا إن شئتُ هذا أم أبيتُ

كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟

لستُ أدري!

أجديدٌ أم قديم أنا في هذا الوجود

هل أنا حرٌّ طليقٌ أم أسيرٌ في قيود؟

هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مقود؟

أتمنَّى أنَّني أدْري ولكن...

لستُ أدْري!

(إيليا أبو ماضي)

الشخص لا يحتاج أن يكون فيلسوفًا، أو عالِمًا، أو رجلَ فضاءٍ، حتى يتسنَّى له إدراك حقيقة الوجود؛ وإنما يحتاج أن يكون شخصًا متأمِّلًا، شخصًا لديه رغبة مُتلهِّفة للوصول إلى معرفة الله، وله استعداد لقبول هذه الحقيقة ما دامت أصبحت واضحة.

سلمان الفارسي يبحث عن الله

ولهم أقول مستعينًا بالله: لكم في سلمان الفارسي عبرة، لقد خاض سلمان الفارسي رضي الله عنه رحلةَ بحثٍ صادقة عن الله بعدما رفض عبادة النار، ولم يستسِغْ دين والده، وهرب فارًّا من والده إلى أن التقى رهبانًا من رهبان النصارى، وكان آخِرُهم رجلًا صالحًا عنده علمٌ عن نبي آخر الزمان محمد صلى الله عليه وسلم، قال له سلمان: لقد حضرك ما ترى فبمَ تنصحني؟ فنصحه الراهب أن يذهب إلى بلاد العرب التي سيخرج فيها ووصفها له، شقَّ سلمان طريق البحث حتى هداه الله؛ لصِدْقٍ في قلبه.

رحلة البحث تبدأ من ذواتنا لمعرفة ذواتنا، "فمن عرف نفسه عرف ربَّه"، والخطاب هنا موجَّه للمسلمين وغير المسلمين.

الكثير ممَّن يقولون: إنهم مسلمون ولهم حقائق سابقة عن الله في أذهانهم، لا يعرفون الله؛ لأن حالهم ليس متوازنًا مع معرفتهم بالله، وكأنهم نسوا تلكمُ الحقائق.

لا يمكن أن نعيش في اطمئنان وسلام داخليين ونحن نجهل مصدر ذواتنا الذي هو مصدر سعادتنا، وكيف يسعد من لا يملك أي فكرة عن هذه الدنيا التي نفنى فيها، والتي سوف تحدد نوع خلودنا؟

إذًا الرحلة تبدأ من سؤال النفس، وسبر أغوار الذات، نحن مدعوون إلى استعمال المنطق والتأمُّل والاستنتاج.

السير في طريق التأمُّل يسير، وهذا لا يعني أن الساعي لإدراك الحقِّ سيضل الطريق، لا تطلب ولا تتوقع من أحد أن يفهم رحلتك وأنت تبحث عن الله؛ فالعقل يعلم بعض الأشياء لكن الغريزة - الصوت الداخلي فينا - يعلم كل شيء، لو أننا استمعنا إلى الفطرة التي تؤزُّنا أزًّا بدواخلنا لقادتنا إلى الطريق المستقيم، فقط إلقاء نظرة على الحركة الدقيقة لهذا الكون الهائل أعتقد أنها إن دلت على شيء فإنما تدل على أن هناك إلهًا عظيمًا خلف سعادة الإنسانية جمعاء، فلو كان الكون جامدًا، وخافتًا، وميتًا، لشقَّ إذًا البحث عن الله، لكن كل شيء متحرك؛ يتحرك من الذرات إلى المجرَّات، من أصغر شيء إلى أكبر شيء، الإدراك لا يحتاج الى أجهزة حديثة، ولا إلى دراسات معمقة؛ وإنما إلى الإخلاص المقرون بالعمل، ما علينا فعله فقط هو البحث عن الله وهو يرشدنا.

كل مَنْ تجرَّد لطلب الحق يصل؛ لأن الله تعالى مُطَّلع على قلبه، فإياك أن تعتقد أن هناك على سبيل المثال شخصًا ما يريد الحق ولم يجده، ومات دون علمه بالله، لا يمكن، فهناك حالة من الحالتين: هل الله مطلع على قلبه أو لا؟ لا يمكن ألَّا يطَّلِع على قلبه؛ ? أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ? [الملك: 14].

هل يتصور هؤلاء الذين يطرحون مثل هذه الأسئلة أن الله سبحانه ينظر إلى عبد يبحث عنه، ويتركه في ضرب من التيه؟

هذا جهل بالله، فمن يتصور أن هذا الأمر يمكن أن يحدث فهو لا يعرف الله.

كلُّ مَن صدَق الله في الطلب - يبحث بإخلاص، وإن لم يسمع عن الله (الإسلام) ولو لحظة واحدة - يجد الله؛ المسألة كل المسألة هي مسألة صدق في الطلب، هل أنت تريد الله حقيقة أو لا؟ لأنَّ الأهواء تفعل فينا الأفاعيل، فإذا تحقَّق الشرط - طلب الله حقًّا - فإن الشخص يصل، والقرآن شاهد على هذا الأمر بشكل قطعي؛ ? قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ? [سبأ: 46]، ومن أسمائه الحسنى العدل والحكم، فإذا لم يكن العدل في الله، ففي أي شيء تريد أن تراه؟! لا تتخيَّل أن أحدًا يدخل النار خطأ؛ ? لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ? [سبأ: 3].

التاريخ القديم والمعاصر الذي نعيشه يشهد على ما سبق ذكره؛ فيوسف إسلام - كات ستيفن سابقًا ومغني الراب الشهير سابقًا - يحكي أنه مرَّ بتجارب أشرف فيها على الموت المحقَّق؛ بل ورآه رأي العين، استوقفته تلك المواقف للبحث؛ في حالة صدقٍ قادَتْه إلى الله في ظل بحثه عن الحق...!

وقرأتُ مؤخرًا في جريدة الإندبندنت الإلكترونية أن شخصًا بريطانيًّا وجد الله - الإسلام - من دون أن يلتقي بأي مسلم، إلا أنه صدق في البحث، ولأن الله مطلع على الصدق في قلبه لم يتركه في التيه.

وأقول لمن يقول: إنه بحث في الأديان والفلسفات وفي بطون الكتب، ولم يجد سوى سفسطات وجدل وتناقضات، وما قاده البحث إلا لمفترق طرق، وتيه في تيه؛ أقول له: استمر في البحث إن كنتَ صادقًا في قرارة نفسك تجد الله، وإلا فأنت أسير الأهواء، والهوى إله يُعبد مِن دون الله.

يا أيها الباحثون عن بصيص من الأمل لفهم معاني الحياة، ويا أيها التائهون في متاهات وأسرار هذا الكون، حتى تعلموا مَن أنتم، فليكن الإخلاص سلاحكم، صدِّقوا قلوبكم، وتعقَّبوا فطرتكم، وخذوا عقولكم معكم.

أعجب كل العجب مِن الذين يُولدون ويموتون، ولكن لا يجدون أنفسهم؛ ليس لأنهم لا يستطيعون، ولكن لأنهم يعتقدون أن لا حاجة لهم للبحث عن كينوناتهم لمعرفة الجانب الآخر الذي يظل مجهولًا لهم، فضلًا عن غيره.

إن لم تستطع إيجاد نفسك فابحث عنها؛ فمن لم يستطع أن يجد نفسه فلا معنى لحياته؛ بل إن هذا الشخص ما زال يعيش في العدم.

         أضف تعليق