المشرف العام
المناهج
من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته
 
تمت الإضافة بتاريخ : 08/02/2018م
الموافق : 23/05/1439 هـ

من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته

محمد حباش

عن أبي بَرْزَةَ الأسلمي قال: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق، فقال: ((يا معشرَ مَنْ آمَنَ بلسانه، ولم يدخُل الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبِعوا عوراتِهم؛ فإنَّه من تتبَّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورتَه، ومَنْ تتبَّع اللهُ عورتَه يفضحه ولو في جوف بيته))؛ صحيح الجامع.

فقوله: ((يا معشر مَن آمن بلسانه ولم يَدْخُل الإيمان قلبه)): يشترك في هذا المسلم الفاسق والمنافق، والأول أظهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإنه من تتبَّع عورة أخيه المسلم))، ولا أُخوَّة بين المسلم والمنافق.

 ((لا تغتابوا المسلمين)): كفى به زاجرًا عن الغِيبة قوله تعالى: ? وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ? [الحجرات: 12]، فقد شبَّه الله المغتاب بآكل لحم الميتة؛ فما أجدره أن يحترز منها، ويمنعه عن الغِيبة! وكذلك حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: كنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح جيفة مُنتنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين))؛ صحيح الأدب المفرد. وحديث أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لما عُرج بي مررتُ بقوم لهم أظفارٌ من نُحاس، يخمشُون وجوههم وصدورهم، فقلتُ: مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم))؛ صحيح أبي داود.

ومع هذا الترهيب نرى الناس - إلَّا من رحِم الله - مولعين بالغِيبة لحبِّهم انتقاد الآخرين، والحديث عن مَعايبهم، إمَّا تشفِّيًا، أو مشاركة فيما يخوض فيه الرُّفقاء، أو ترفُّعًا بتنقيص الغير، أو حسدًا أو استهزاءً أو ظنًّا سيِّئًا بإخوانهم، ويغفلون عن عيوبهم، وربما كانت أعظم ممَّا عابوا به غيرهم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يُبصر أحدُكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه))؛ الصحيحة.

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: ((عجبتُ من الرجل يفرُّ من القَدَر وهو مُواقعه، ويرى القَذاة في عين أخيه، ويدع الجِذْع في عينه، ويخرج الضغن من نفس أخيه، ويدع الضغن في نفسه، وما وضعت سِرِّي عند أحد فلمتُه على إفشائه، وكيف ألومه وقد ضِقْتُ به ذَرْعًا؟))؛ صحيح الأدب المفرد.

وقال ابن القيم في مدارج السالكين: "ومن النَّاس من طبعه طبع خنزير: يمرُّ بالطَّيِّبات فلا يلوي عليها، فإذا قام الإنسان عن رجيعه قَمَّه، وهكذا كثير من النَّاس، يسمع منكَ، ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوئ فلا يحفظها، ولا ينقلها، ولا تناسبه، فإذا رأى سقطة، أو كلمة عَوْراء، وجد بُغيته، وما يناسبها، فجعلها فاكهته ونقله".

والغيبة وتتبُّع عورات المسلمين من البغي الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بابان مُعجَّلان عقوبتهما في الدنيا: البغي والعقوق))؛ صحيح الجامع.

وكما أن البغي يكون بالفعل، فإنه يكون بالقول، وقد يكون بالقول أشد؛ لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرِّبا اثنان وسبعون بابًا، أدناها مثل إتيان الرجلِ أُمَّه، وإن أربى الرِّبا استطالة الرجل في عِرْض أخيه))؛ الصحيحة.

ومن القواعد التي لا تتخلَّف: أن الله يُدافع عن الذين آمنوا، وأنَّ الجزاء من جنس العمل، فمن اغتاب اغتِيبَ، ومن عاب عِيبَ، ومن بحث عن عيوب الناس بحث الناسُ عن عيوبه؛ فعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ ستر عورة أخيه المسلم سَتَر الله عورتَه يومَ القيامة، ومَنْ كشف عورةَ أخيه المسلم كشف الله عورتَه، حتى يفضَحه بها في بيته))؛ صحيح ابن ماجه.

وقال السخاوي: وقد روينا عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله، أنه قال: "أدركتُ بهذه البلدة - يعني المدينة - أقوامًا لم تكن لهم عيوب، فعابوا الناس؛ فصارت لهم عيوب، وأدركتُ بها أقوامًا كانت لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس؛ فنُسيت عيوبهم".

وقال أبو عبدالرحمن السلمي رحمه الله تعالى: "سمِعتُ محمد بن عبدالله بن شاذان يقول: سمِعتُ زاذان المدايني يقول: رأيتُ أقوامًا من النَّاس لهم عيوب فسكتوا عن عيوب النَّاس، فستر الله عيوبهم، وزالتْ عنهم تلك العيوبُ، ورأيتُ أقوامًا لم تكن لهم عيوب، اشتغلوا بعيوب النَّاس، فصارت لهم عيوب".

وقال إبراهيم بن يزيد النخعي: "إني لأرى الشيء ممَّا يُعاب فلا يمنعني من عيبه إلا مخافة أن أُبتلى به".

وقد يقول المغتاب: أنا أتكلَّم في الناس ولم يحدث لي شيء، وما يدري هذا الغافل أنَّ الله يمهل ولا يهمل، قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: قال ابن سيرين: "عيَّرتُ رجلًا، وقلتُ: يا مُفلس، فأفلستُ بعد أربعين سنةً".

وما يدري لعلَّه مُكر به ومات قلبه وهو لا يدري، قال بكر بن عبدالله المزني: "إذا رأيتُم الرجل مولعًا بعيوب الناس ناسيًا لعيوبه - أو لعيبه - فاعلموا أنه قد مُكِر به".

فلو تَفَكَّر المغتاب ونظر في نفسه: هل فيَّ عيب ظاهر أو باطن؟ وهل أنا أعمل بمعصية سرًّا أو جهرًا؟ فإذا عرَف ذلك من نفسه فليكُفَّ عن ذكر غيره.

وإذا لم يعمل في مداواة عيوب نفسه فليسكُتْ عن عيوب الناس، وليسترْ عليهم، عسى أن يُصلِح اللهُ بذلك عيوبَه.

وإن نظر إلى ظاهره وباطنه، فلم يطَّلِعْ فيهما على عيبٍ ونقصٍ، فليعلم أن جهله بعيوب نفسه أقبحُ الحماقات، وأشدُّ المهالك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث مهلكات: شُحٌّ مُطاع، وهوى مُتَّبع، وإعجاب المرء بنفسه))؛ الصحيحة.

ولو أراد الله به خيرًا لبصَّره بعيوب نفسه، فرؤيته نفسه بعين الرضا غايةُ الغباوة والجهل؛ قال عبدالله بن مسعود: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعدٌ تحت جبل يخاف أن يقَعَ عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذُباب مرَّ على أنفه"؛ صحيح البخاري.

وقد يُزيِّن الشيطان الغيبة لكثير من الناس من عُبَّاد وطلبة علم بحُجَّة النصح، وليس ذلك بسبيل النصح إطلاقًا؛ قال الشيخ العثيمين في شرح رياض الصالحين: "من نصيحتك لأئمة المسلمين من أهل العلم أن تُدافع عن عوراتهم، وأن تسترها ما استطعتَ، وألَّا تسكُتَ إذا سمِعتَ شيئًا؛ بل نبِّه العالِم، وابحث معه واسأله، ربما ينقل عنه أشياء غير صحيحة، وقد نُقل عنا وعن غيرنا أشياءُ غير صحيحة، لكن الناس - نسأل الله العافية - إذا كان لهم هوى وأحبُّوا شيئًا، وعرَفوا أحدًا من أهل العلم يقبل الناسُ قولَه، نسبوه لهذا العالم، ثم إذا سألت نفس الذي نسب إليه القول، قال: أبدًا، ما قلتُ كذا، وقد يُخطئ السائل مثلًا في صيغة السؤال، فيجيب العالِمُ على قدر السؤال ويفهمُه السائلُ على حسب ما في نفسه هو، فيحصل الخطأُ، وقد يُجيب العالِم بالصواب بعد فهم السؤال، لكن يفهمه السائلُ على غير وجهه فيُخطئ في النقل".

أما النصح لعوامِّ الناس فهو أن تأتي إلى الرجل وتنصحه في وجهه، وليس لك أن تستغيبه، فيجب ألا نغفل عن هذا؛ حتى لا نقع فيما حرَّم الله.

وقد يُزيِّن الشيطان لبعض أهل العلم الغيبة بحُجَّة الجَرْح والتعديل؛ قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: "ومن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث: قدح بعضهم في بعض طلبًا للتشفِّي، ويخرجون ذلك مخرج الجَرْح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأُمَّة للذبِّ عن الشرع، واللَّه أعلم بالمقاصد".

وقد يُزيِّن الشيطان لبعض الناس الغيبة موافقة للجلساء أو في قالب ديانة وصلاح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "من الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره، مع علمه أن المغتاب بريء ممَّا يقولون، أو فيه بعض ما يقولون؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهلُ المجلس ونفروا عنه، فيرى موافقتهم من حُسْن المعاشرة وطيب المصاحبة، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم، ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى: تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحدًا إلا بخيرٍ، ولا أُحبُّ الغيبة ولا الكذب؛ وإنما أخبركم بأحواله، ويقول: والله، إنه مسكين، أو: رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله؛ وإنما قصدُه استنقاصُه وهضمٌ لجنابه، ويخرجون الغِيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقاته، وقد رأينا منهم ألوانًا كثيرة من هذا وأشباهه"، إلى أن قال (رحمه الله): "ومنهم من يحمله الحسد على الغِيبة؛ فيجمع بين أمرين قبيحين: الغِيبة، والحسد، وإذا أثنى على شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقُّصه في قالب دين وصلاح، أو في قالب حسد وفُجور وقدح؛ ليُسقط ذلك عنه، ومنهم من يخرج الغيبة في قالب سخرية ولعب ليُضحِك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزَأ به، ومنهم من يُظهر الغِيبة في قالب غضب وإنكار منكر، فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول، وقصدُه غيرُ ما أظهر، والله المستعان".

فكم الذين يقعون في الغِيبة ويستطيلون في أعراض إخوانهم، وهم يزعمون أنهم أهل صلاح وتديُّن! يأكلون لحم إخوانهم، وأسوؤهم الذين يقعون في أعراض الدُّعاة إلى الله وأهل العلم، ويتَّهمونهم بشتَّى التُّهَم بحُجَّة الإصلاح، ويُلبسون الغِيبة لباس النصيحة، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربِّه عز وجل: ((من عادى لي وليًّا، فقد آذنته بالحرب))؛ متفق عليه.

فلينظر هذا الذي آذنه الله بالحرب: هل له إلى النجاة من سبيل؟!

وكما أن الغِيبة تحرُم للمتكلم، فإنَّه يحرُم استماعُها أيضًا، ويجب إنكارها؛ فعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالتْ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ذبَّ عن لحم أخيه بالغِيبة، كان حقًّا على الله أن يُعتقه من النار))؛ صحيح الجامع، وعن عبدالله ابن مسعود - موقوفًا - قال: "من اغتِيب عنده مؤمنٌ فنصَرَه، جزاه الله بها خيرًا في الدنيا والآخرة، ومن اغتِيب عنده مؤمنٌ فلم ينصُرْه، جزاه الله بها في الدنيا والآخرة شرًّا، وما التَقَمَ أحدٌ لُقْمةً شرًّا من اغتياب مؤمن؛ إن قال فيه ما يعلم فقد اغتابه، وإن قال فيه بما لا يعلم، فقد بَهَتَهُ"؛ صحيح الأدب المفرد.

وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: "وكم من ساكت عن غِيبة المسلمين، إذا اغتيبوا عنده فرح قلبه وهو آثم مِن ذلك بثلاثة وجوه: أحدها: الفرح؛ فإنه حصل بوجود هذه المعصية من المغتاب، والثاني: لسروره بثلب المسلمين، والثالث: أنه لا ينكره"، فإن خاف الجليس ضررًا في الإنكار فليُفارقْ ذلك المجلس.

وليعلم المغتاب وجلساؤه أنَّهم زيادة على ما باؤوا به من إثم، فإنهم يعطون حسناتٍ ثمينةً لخصومهم، أو يحملون سيئاتٍ ثقيلةً من سيِّئاتهم؛ قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: قال يوسف بن الحسين، سألت حارثًا المحاسبي عن الغِيبة فقال: "احذرها فإنها شرٌّ مكتسب، وما ظنُّك بشيءٍ يسلبُك حسناتِك فيرضى به خصماؤك، ومن تبغضه في الدنيا كيف ترضى به خصمك يوم القيامة، يأخُذ من حسناتك أو تأخُذ من سيِّئاته؛ إذ ليس هناك درهم ولا دينار، فاحذرها وتعرَّف منبعها، فإنَّ منبع غِيبة الهمَج والجُهَّال من إشفاء الغيظ والحمية والحسد وسوء الظن، وتلك مكشوفة غير خفيَّة، وأما غِيبة العلماء فمنبعُها من خدعة النفس على إبداء النصيحة وتأويل ما لا يصحُّ من الخبر، ولو صحَّ ما كان عونًا على الغِيبة، وهو قوله: "أترغبون عن ذكره؟ اذكروه بما فيه ليحذره الناس"، ولو كان الخبر محفوظًا صحيحًا لم يكن فيه إبداء شناعة على أخيكَ المسلم من غير أن تسأل عنه؛ وإنما إذا جاءكَ مسترشدٌ فقال: "أريد أن أزوج كريمتي فلانًا" فعرَفتَ منه بدعة أو أنه غير مأمون على حرم المسلمين صرفتَه عنه بأحسن صرف، أو يجيئك رجل آخر فيقول لك: "أريد أن أَودِعَ مالي فلانًا"، وليس ذلك الرجل موضعًا للأمانة، فتصرفه عنه بأحسن الوجوه؛ أو يقول لك رجل: "أريد أن أُصلِّي خلف فلان أو أجعله إمامي في علم"، فتصرفه عنه بأحسن الوجوه، ولا تشفِ غيظك من غِيبته".

أما مَن سمِع أنه اغتِيب فلا يحزن، فإنه في زيادة أجْرٍ أو نُقصان وزرٍ، وأنه في هذه الدنيا لا بد له مِن بلاء وامتحان؛ كما قال سبحانه: ? وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ? [الفرقان: 20].

نسأل الله تعالى أن يُبصِّرنا بعيوبنا، وأن يرزقنا سلامة الصدر وصِدْق اللسان، فهما من أجلِّ أخلاق الأبرار، وأفضل طرق الجنة؛ فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أفضل؟ قال: ((كل مَخْمُوم القلب، صدُوق اللسان))، قالوا: صدُوق اللسان نعرِفُه، فما مخموم القلب؟ قال: ((هو التقيُّ النقيُّ، لا إثمَ فيه، ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حسدَ))؛ صحيح ابن ماجه.

وسبحانكَ اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصلِّ اللهم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

         أضف تعليق