المشرف العام
الداعية الصغير
خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى!
 
تمت الإضافة بتاريخ : 05/02/2018م
الموافق : 20/05/1439 هـ

خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى!

هدى عبد الرحمن النمر

حين نتأمل الوصية النبوية الثمينة في الحديث الصحيح: (خيرُ الصَّدقةِ ما كانَ عَن ظَهْرِ غنًى، وابدأ بِمَن تعولُ) [متفق عليه]، نجد أنه يرسي قاعدتين عظيمتين، من فاته فهمها فوّت على نفسه خيرًا عظيمًا، بل لعله يهلك لجهله به!

 

وقبل التعرّض للقاعدتين المستفادتين، نتوقف هنيهة عند شرح ابن حجر في كتابه (فتح الباري شرح صحيح البخاري) للحديث: "والمختار أن معنى الحديث أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال، بحيث لا يصير المتصدق محتاجاً بعد صدقته إلى أحد، فمعنى الغنى في هذا الحديث: حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية كالأكل عند الجوع المُشوِّش الذي لا صبر عليه، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به عنه نفسه الأذى، وما هذا سبيله فلا يجوز الإيثار به بل يحرم، وذلك أنه إذا آثر غيره به أدّى إلى إهلاك نفسه، أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقّه أولى على كل حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صحّ الإيثار وكانت صدقته هي الأفضل؛ لأجل ما يتحمل من مضض الفقر وشدة مشقته..." اهـ.

 

القاعدة الأولى- "نفسك أولاً فابدأ بها":

فالحاصل أننا في غمرة سعينا للتطوير الذاتي، نبدأ بالآخرين قبل أنفسنا! وبقدر ما يكون التطوُّع ومساعدة الغير مُجزياً نفسياً في البداية، بقدر ما ينقلب عبئاً نفسياً بل روحياً على صاحبه، فإما أن يشعر بأنه صار ثقيلاً أو مملاً عليه، أو أنه شخص "بوجهين"، يظهر للناس بقناع "مزيف" لا يعكس صورته أمام نفسه، ولا يعني ذلك أنه بالضرورة يعمل أعمالاً سيئة بينه وبين نفسه، لكن يكفي شعور "الخواء الداخلي"، أو "الفراغ النفسي"، أو "الاستنزاف الروحي".

 

فالوصية النبوية ترشدنا إلى ترشيد صرفنا من حسابنا الروحي، فالتطوّع معروف، والمعروف من أنواع الصدقات، وخير الصدقة ما كان عن فضل زائد بعد أن يكفي صاحبه احتياجه، وبالمثل، بعد أن يهذِّب المرء نفسه، ويقبل عليها يتعهدها ويكفيها ويملأ إناءه، سينضح هو تلقائياً، ويفيض بالفضل على من حوله، لكن كيف يفيض الإناء الخاوي!

 

بل إن الحديث صريح في أن المال الزائد هو عن "غِنى" وليس مجرد الكفاف؛ لأنك إن رحت تصرف من رصيدك الأساسي الذي تحتاجه، سيأتي عليك وقت لا تملك ما تنفق به على نفسك أو غيرك، وتصير يداً سفلى بعد أن كنت عليا.

 

إذن القاعدة الأولى: "نفسك أولاً فابدأ بها"، فإن عجزت عنها فأنت عن غيرها أعجز ?.

 

القاعدة الثانية- "القَدْر" أو "لكل ذي حق حقه":

ثم يأتي ترتيب الأولويات بعد أن يكفي المرء نفسه بل ويَفيض عنها ?: "ابدأ بمن تعول"، الدائرة الأدنى لك ثم التي تليها ثم التي تليها، وليس بالضرورة في اعتبار التطوِّع أن يكون الأدنى هو الأقرب في الروابط الأسرية أو دائرة المعارف، وإن كان هذا اعتباراً وجيهاً لازماً في سياق الإنفاق، لكن في سياقات أخرى، الأدنى والأَولى في التطوّع قد يعني الأكثر حاجة لك، ولما تستطيع تقديمه، وإن لم يكن بينك وبينه قرابة الدم.

فالقاعدة الثانية بعد قاعدة النفس، قاعدة "القَدْر"، أنت مسؤول عن كل أولئك، ولكن بأقدار مختلفة، فمسؤوليتك عن نفسك هي أكبر تلك الأقدار، ثم مسؤوليتك عن أهلك، ثم مسؤوليتك عن الناس.

 

فلا يفيدك -مثلاً- أن تسهر في نقاشات فكرية أو تطوعية؛ لإنقاذ الوطن، أو إغاثة الملهوفين، ثم تنام عن صلاة الفجر، وتستيقظ لتصليها قبل الظهر ببضع دقائق! أو تقضي يومك كله في الخارج ساعياً في قضاء حوائج الناس، ثم لا تؤدي الصلاة على وقتها، أو لا تؤدّيها بخشوع، أو تجمعها في ختام اليوم لتصليها جالساً؛ لأنك استنفدت طاقتك!!

 

وإنه لحجة عليك أمام الله أن تحسن للناس، وتمد لهم يد المعروف، ثم تواجه حاجات أهلك -أبويك وإخوتك– بالإعراض والإهمال؛ لأنها ليست بنفس رنين وهيلمان الأثر الاجتماعي، وقد نبه المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قال: (خيركم خيركم لأهله) [رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وغيرهم].

 

كذلك التفاتك لنفسك وأهلك لا يرفع عنك مسؤولية من يقعون ضمن دائرة تأثيرك، أو الانتفاع بما منحك الله من قدرات، سواء في عمل الخير أو التدريس أو التطبيب ... إلخ، وإنما يضبط مسؤولياتك تجاه كل تلك الدوائر مفهوم "القدْر".

 

وهذا ما عبّر عنه سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه: "إنَّ لربِّكَ عليك حقًّا، ولأهلِك عليك حقًّا، ولجسدِك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه"، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "صدق سلمان"[رواه البخاري].

 

إهمال أي ركن من هذين الركنين، سينتج عنه ذلك الشعور بالاضطراب أو الاستياء، حتى وإن كان ما تفعله خيراً وحسناً، وتظهر أعراض الشعور بالانفصام بين ظاهر الخير، وباطن التفريط!

         أضف تعليق