المشرف العام
المناهج
ملامح المنهج التربوي في سورة إبراهيم
 
تمت الإضافة بتاريخ : 27/01/2018م
الموافق : 11/05/1439 هـ

ملامح المنهج التربوي في سورة إبراهيم

د/ وسيم عبد الله

إن هذا المنهج يحتاج في الواقع إلى إفراده ببحث مستقل، ولكننا نستعرض الأمر من جهة تكامل منهج الخطاب الدعوي في هذه السورة لنرى أهمية الاعتناء بحسن التنشئة والتربية بنفس القدر الذي نهتم فيه بتقويم من انحرف عن الجادة وشذ عن فطرة التوحيد التي جُبل عليها. وإن المشهد التربوي في هذه السورة معروض بأكلمه في هذه الآيات حيث قال تعالى:“وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبَنِـيَّ أن نعبد الأصنام. رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم. ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون.ربنا إنك تعلم ما نُخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء. الحمد لله الذي وهب لي على الكِبَر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء. رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبَّل دعاء. ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب” ، ولنتأمل أبرز معالم هذا المنهج التربوي البديع :

 

أولاً: هدف التربية:

إن أي تربية لا تتوجه نحو هدف معين هي تربية فاشلة لأنها هيام على غير هدى ومآلها تخبطٌ في أودية الدنيا، ولهذا كان هدف التربية واضحاً جلياً عند إبراهيم عليه السلام (واجنبني وبَنِـيَّ أن نعبد الأصنام)؛ نعم هدف التربية هو الوصول بالمربي والنشء إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبودية، ولقد تعزز هذا الهدف ببيان ضلال نقيضه (إنهن أضللن كثيراً من الناس)، بل وبإعلان صريح لتمحور الولاء والبراء على سلوك طريق التوحيد هذا (فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم). ولما كان الشرك الذي يعكر على المسلم صفاء عقيدته متردداً بين شرك ظاهرٍ معلوم وشركٍ خفي قد يتسلل إلى النفوس من حيث لا يدري المرء كان الالتجاء إلى الله تعالى وحده – الذي يعلم الشرك الخفي كما يعلم الظاهر – ليعين المربي على تنقية صفحة التوحيد من لوثات الشرك هذه حيث قال (ربنا إنك تعلم ما نُخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء).

 

ثانياً : بيئة التربية :

فالمربي الناجح هو الذي يتخير لناشئته البيئة الصالحة التي تعزز فيهم التزام أمر الله وتعين عليه، وتنفرهم من مخالفة أمره ولا تروج لباطل أهل الزيغ، تأمل معي الإشارة إلى هذا في قوله تعالى (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً)، قلت: وأي أمنٍ أعظم من أن يعلو صوت التوحيد فلا يسمع صوت سواه، ولا يضر بعد ذلك أن يكون المكان (غير ذي زرعٍ) طالما أن كلمة التوحيد ظاهرة وبيئة التربية صافية نقية لا صولة للشيطان فيها ولا جولة. وإن الذي يقيم مع ناشئته في مجتمعٍ تفشو فيه معالم الزيغ والضلالة والفسق والكفر ليس بذاك المربي وليس بذاك الحريص حقاً على تقرير عقيدة الوحيد في قلوب الناشئة اللهم ما لم يكن مغلوباً على أمره قد استفرغ الوسع في تأمين البيئة البديلة.

 

ثالثاً: تحقيق معنى الإيمان عند الناشئة:

فليس الإيمان معرفة قلبية محضة، ولا هو تمتمات محرابية فارغة، بل الإيمان قول وعمل يستقر في القلب ويلهج به اللسان وتتحرك به الجوارح، وأنت ترى هذا المعنى واضحاً حين تكرر بيان الهدف من التنشئة – والذي قلنا بدايةً أنه توحيد الله وتعطيل الشرك به – فإذا بالآية الكريمة تصرح بهدف آخر (ربنا ليقيموا الصلاة)، (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبَّل دعاء) فالهدف إذاً قول القلب – أي طرح عقيدة الشرك وعبادة الأصنام جانباً- وعمل الجوارح وهو هنا الصلاة ، وذكر اللسان وهو هنا الدعاء، وهكذا تكاملت عناصر مفهوم الإيمان على الصحيح عند الفرقة الناجية أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه.

 

رابعاً: تحقيق صفات المربي :

فلا تربية دون قدوة وأسوة، ولا يمكن أن نتأمل خيراً من مربٍ يخالف حالُه مقالَه، ولهذا كان إبراهيم عليه السلام يشمل نفسه في كل دعاء ؛ (واجنبني وبَنِـيَّ أن نعبد الأصنام)، (رب اجعلني مقيم الصلاة)، (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب)، فهذا هو المربي الناجح أو قل المربي الداعية.وهذا هو المربي الذي لا يركن إلى شهود الأسباب ولا يجزع من غيابها، بل دأبه الاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه والالتجاء إليه والافتقار بين يديه إلى الاتصال بحبله المتين لا يثنيه (إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرعٍ) عن (ربنا ليقيموا الصلاة) لأن تكلانه واستعانته بالله تعالى فهو يدعوه (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) وينشغل بتسبيحه وحمده على الدوام (الحمد لله الذي وهب لي على الكِبَر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء). قلت: نِعمَ المربي هذا الذي يقول ويعمل، يأخذ بالأسباب ويتوكل على خالقها، يفتقر إلى الله ليصل إلى الله ويستعين بما طلبه من سبب على عبادة رب كل سبب.

وهذا المربي هو المربي الشفوق بالناشئة الحريص على هدايتهم ومصلحتهم فهو يلتمس من الله تعالى توفيقهم للتوبة والإنابة إليه تعالى (ومن عصاني فإنك غفور رحيم)، ويدعو الله تعالى أن يهيأ لهم أسباب الرفق حتى لا ينشغلوا بتحصيل أسباب العيش عن تحقيق الهدف من وراء العيش ذاته (وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون)

هذه بإيجاز بعض المعالم التربوية في هذه الآيات المعجزة، وحريٌ بمن التزم نهج هذه السورة أن يمنَّ الله تعالى عليه بالعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة؛ أما الدنيا فكما قال تعالى (الحمد لله الذي وهب لي على الكِبَر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء)، وأما الآخرة فرجاء عفوه ومغفرته سبحانه وتعالى (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب)، ولعمر الحق ها نحن نرى آثار دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، فدعوة التوحيد رايتها اليوم خفاقة بعد مئات السنين من تلك الدعوة المباركة، بل ما أرى مقارعة سيوف الحق للباطل اليوم إلا أثراً ممتداً لدعاء أبينا إبراهيم عليه السلام:” ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون” ، فنعمت التربية إذاً ونعم المنهج ونعم الثواب والجزاء من الله تعالى.

الخاتمة

 

إن الوصول إلى خاتمة هذا البحث ضرورة يفرضها واقع البحث وقصور الباحث، وإلا فإن القلب لا يكاد يستسيغ الصدور عن هذا المورد العذب إلا وفيه رغبة للمزيد، ولسوف أوجز في هذه الخاتمة أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث وهي:

1- إن سورة إبراهيم من السور المكية ذات الوحدة الموضوعية البارزة حيث يدور رحاها حول ترسيخ رسالة التوحيد باعتبارها دعوة الرسل أجمعين، ولقد كانت الوحدة الموضوعية لهذه السورة من مظاهر الإعجاز القرآني لغةً وموضوعاً وأسلوباً ومنهجاً جليةً واضحةً لمن تدبر فيها.

2- لقد كانت سورة إبراهيم من السور التي تنزلت ابتداءً لمحض هداية البشر مما يؤكد مرة أخرى على لزوم الدعوة إلى التوحيد وأنها دعوة عالمية الزمان عالمية المكان لا تفتقر إلى مناسبة ولا تنتظر الظروف المواتية، بل هي كلمة الحق التي يجب الصدع بها في كل زمان وفي كل مكان.

3- لقد جاء البرنامج الدعوي في سورة إبراهيم متكاملاً حيث قررت عناصر المنهج الدعوي وبينت صفات الرسل والدعاة من بعدهم، ونبهت على معوقات الدعوة وكيفية مواجهتها وفصلت في وسائل الدعوة وكيفية الإفادة منها في البلاغ عن الله سبحانه.

4- اهتمت السورة الكريمة أيضاً ببيان أساليب توجيه المدعوين إلى النظر والتدبر في آيات الله الكونية وآياته الشرعية لا سيما ما يتعلق منها بمشاهد الآخرة وهي عظيمة الأثر في تقوية داعي الإيمان وردع داعي الهوى في نفوس المدعوين والمخاطبين بالدعوة الإسلامية، مع بيان كيفية تسخير ذلك كله في الدعوة إلى الله وتقرير رسالة التوحيد بين الخلق.

5- نبهت السورة الكريمة إلى ضرورة الاعتناء بمنهج التربية الصحيحة الذي يُنشَّؤ الفرد من خلاله على التوحيد ليكون أصيلاً في نفسه أصالة الفطرة التي أودعها الله تعالى في قلبه وأخذ ميثاقه عليها، حيث نبهت على هدف التربية وضرورة تنقية بيئة التربية من الشوائب التي تحرف الناشئة عن الحق، كما عنت ببيان أهم صفات المربي وضرورة تحقيق معنى الإيمان الصحيح في قلوب الناشئة،فبمثل هذه التربية يتخرج الجيل الدعوي الذي يحمل التوحيد عقيدةً يدين بها ورسالةً يتفاني في تبليغها في أرجاء الكون.

 

هذه باختصار أهم معالم الفوائد المستنبطة من دراسة السورة ولقد جاء تفصيلها في طيات هذا البحث، وحري بكل مسلم أن يعكف على دراسة هذه السورة وأخواتها فهي نعم الزاد لمن أراد أن يسير في طريق الدعوة ونشر رسالة الخير في أرجاء المعمورة، وإني أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتقبل ما كان في هذا العمل من صواب وأن يعفو عما زل به القلم، وأن يعينني على العمل بما عملت حتى أرث علم ما لم أعلم، وإنه لحريٌ بنا اليوم والبشرية تتردى في مهاوي الضلال أن نوقد شعلة الدعوة الصافية لتضيء درب البشرية من جديد فلعمري لم تكن البشرية في حاجة إلى التوحيد يوماً أشد من حاجتها اليوم فيما أحسب بسبب ما تملكته البشرية الهائجة اليوم من وسائل تخريب وترويع وتدمير تكاد تأتي على هذا المخلوق المتكبر بها والمتجبر بتوهمه الاستغناء بها عن خالقه، فأسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى الفوز بخدمة كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

         أضف تعليق