المشرف العام
التنمية الذاتية
الإبداع فى حياة المسلم
 
تمت الإضافة بتاريخ : 08/01/2018م
الموافق : 21/04/1439 هـ

الإبداع فى حياة المسلم

يسري المصري

يعلّمنا ديننا أن السعي للارتقاء بالنفس إلى معالي الأمور هو من حسن فهم المرء لدينه وإسلامه، ولما كان الترقي والحياة الكريمة حلم كل إنسان، فإن آليات الوصول وأبجدياته في أن يكون الشخص مبدعاً في تفكيره، ومداركه، ونظرته للأمور- لما لذلك من نفع حياتي بالمعنى الشمولي-أمر في غاية الأهمية، ثم إنه يضيف للمرء مهارات كثيرة في تعامله مع الناس، وقدرته على توصيل معلوماته ورسالته كصاحب فكرة، أو خطابه الرسالي وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر كداعٍ إلى الله، وفي هذا المقال سنتحدث عن الإبداع، وأهميته في حياة المسلم.

 

وبداية أود التأكيد على أن أشد الناس رغبة في الإبداع وتحصيله، وجعله واقعاً معاشاً، هم شباب الحركة الإسلامية?، فهم مقلة العين، وأصحاب الجباه الساجدة.

 

لذلك فعلى كل صاحب فكر أو موقع قيادي أن يعزز السعي لجعل الإبداع واقعاً، وأن يعمل على تنميته من خلال مناهج تربوية إبداعية، وتوصيات فكرية تعمل على الارتقاء بالعقل والفكر، وتوظيف وتنمية طاقات الشباب خارج صندوق الروتين والتعطل، والكشف عن مواهب الشباب وتوظيفها، بما يحوّلهم لطاقة عمل وإنتاج، تضاف للبناء الإسلامي الكبير، وتسدّ كل فجوات العجز والكسل، وتفتح الباب على مصراعيه للتجديد والتحديث.

إن الابداع هو الشيء الّذي يكون أوّلاً، ويقال عن مبدع الشيء: إنّه مبدعه بدعاً، وابتدعه، أي: اخترعه على غير مثال. وهذا هو التعريف الذى أميل إليه؛ لأن الأمر عميق ومتعدد الجوانب، مع أهمية الموضوع ومدى أثره وحاجة الأمة إليه فرادى وجماعات.

 

والسؤال الآن: كيف يحدث الإبداع؟ أو ماهي دوافعه؟ والجواب بلا شك يحمل عدة أمور كاشفة ودافعة:

 

أولاً- سجية الفرد:

بعض الأفراد ذو طبيعة مبدعة، لايقبلون حلولاً اعتيادية عرجاء، تؤخرهم وتذهب ريحهم، فدوماً يفكرون في الأحدث والأفضل والأكثر إبداعاً، وتجد أفكارهم تتماشى مع عقلياتهم التي يقيناً تضاف لهم، ولمن معهم في المسير والمسار.

 

ثانياً- الظروف القاسية:

وربما يتعجب القارئ كيف يبدع المرء في هكذا وضع قاس؟! وأقول: إن المحن دوماً كاشفة للقدرات، ومفجرة للمهارات والملكات، ومن ثم فهي تحدث حالة إبداعية سواء في القول أو الفعل ورد الفعل، فالشخص الذى يصيبه الهم، كثيراً ما يحدث حالة عصف ذهني، ينتج على أثرها أفكاراً إبداعية، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، فأديسون -مخترع الكهرباء- كان يوصف "بالغبي"! وطرد من المدرسة، ووضعهم الأسري كان ضعيفاً مادياً ومعنوياً، لكن هذا الوضع حوله هو بفكره إلى أن يخلّد في التاريخ حتى الآن.

ثالثاً- الوضع الحياتي والمادي:

والمقصد واضح، ففي حالات عدة يكون القرار للتفكير والخروج بخطوات إبداعية -سواء في مسار التجارة، أو التدريس ،أو حتى العلم- طوق نجاة لكل من تعثّر في طريقه، فالتقليد لا يأتي بخير، والبضاعة المزجاة ينفض عنها الناس ويهملونها؛ لأثرها الخبيث?، لذلك تلجأ العقليات لتجارب إبداعية متعددة، حتى تصل لمرحلة النمو الإبداعي الناجح الذي يبني ويجمع ويضاف له في حياته مادياً، ويكسبه الثقة بنفسه معنوياً.

هذه الدوافع الثلاثة هي في نظري مظلة جامعة للسعي والعمل الابداعي.

 

والسؤال الثاني: ما أهمية الإبداع للمسلم؟

والجواب: إن الإنسان المسلم، صاحب الفكرة، الساعي لتعبيد الناس لرب العالمين، أحوج الناس وأولاهم لأن يكون مبدعاً في حياته، فتطويره لذاته والسعي لاكتشاف مهارات وملكات جديدة لديه لهو فرض عين، فالنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم أوضح أن: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) [رواه مسلم]، وهذا حديث يدفع للإبداع والاهتمام بالنفس والترقي بها، وقال أيضاً: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة) [رواه مسلم]، وهذا دافع للتعلم والتبحر فى العلوم، ومن ثم فهي همة، وصاحب الهمة مبدع؛ لأنه ارتضى السير والبحث والتفكر ليزداد علماً، وهذا فهم ممتاز للدين، ولا يجب أن يظل المسلم في صومعته الفكرية منغلقاً على نفسه، لايضيف ولا يضاف إليها، فالتجدد في الأفكار، والأخذ بعلوم الحياة إبداع صامت، له مميزات حياتية، وتحولات فكرية نحو التقدم وجادة الصواب.

إن الأمة اليوم في أمس الحاجة لكل صاحب عقل وقلم وتفكير إبداعي، يضيء لها الطريق، وينقذها من تجبر أعدائها، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، لذلك فالإبداع في حياة المسلم يضاف لأمته -خصوصاً- في الجانب العلمي، فالأمة فقيرة جداً في هذا الجانب أو مهضوم حقها، والسبب ضعف الموارد والإنفاق الزهيد، وخبث الخصم في تصديره المناهج، وماكينة إعلامية تسعى لتجريف العقول، وقتل الإبداع عند أولادنا مع بداية مراحلهم التعليمية؛ بهدف إخراج دولنا من منظومة القيم والبحث العلمي، في نفس الوقت الذي تفوق فيها الكيان الصهيوني على الكثير من الدول العربية، وإنفاقه المليارات على ذلك، فالمسلم المبدع الساعي في تطوير ذاته، هو أمل ليس لوطنه فحسب، بل لدينه وأمته أيضاً.

 

إن التاريخ لن يخلد إلا أصحاب الآفاق الإبداعية، والتجارب الناجحة التي تضاف للبشرية، "فالناس موتى وأهل العلم أحياء"، -ويقيناً- إن الشخص المبدع في حياته يظل مذكوراً طيلة العمر، وتتوارث إسهاماته الأجيال تلو الأجيال، فحتى الآن، لازال يذكر التفكير الإبداعي لسيدنا سلمان الفارسي في الخندق، وأنه لولا فكرته بحفر الخندق لربما كان المسلمون هزموا في هذه الغزوة، فهو قد فكر خارج الصندوق وأتى بشئ جديد.

 

فأصل الإبداع هو التفكير الذي ينصبُّ على نجاح فكرتك ورسالتك في الحياة، المهم أن تكون صاحب نفس طويل وهمة عالية، فالطريق ليس مفروشاً بالورد، وهناك معوقات كثيرة في طريق الإبداع، سيتم الحديث عنها لاحقاً.

         أضف تعليق