المشرف العام
مقالات
الصدقة (3 / 2)
 
تمت الإضافة بتاريخ : 06/12/2017م
الموافق : 18/03/1439 هـ

الصدقة (3 / 2)

نايف ناصر المنصور

 هل للصدقة شُرُوط؟ إنَّ للصدَقة شُرُوطًا وآدابًا، منها:

أنْ تكون الصدقة مِن كسْب حلال طيب؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيِّبًا، وقد قال - سبحانه وتعالى -: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ? [البقرة: 267].

 

وجاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من تصدَّق بعِدْل تمرة من كسب طيِّب، ولا يصْعَد إلى الله إلا الطيِّب، فإنَّ الله يتقبَّلها بيمينه، ثم يربِّيها لصاحبه كما يربِّي أحَدُكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل)).[1]

 

وأن تكون الصدقة خالصةً لوجه الله؛ لقول الرسول - صلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكلِّ امْرِئ ما نوى)).[2]

 

وعنه - صلَّى الله عليه وسَلَّم - ((إنَّك لن تُنفق نفقةً تَبتغي بها وجْهَ الله إلاَّ أُجِرْتَ عليها، حتى ما تَجْعل في فِي امْرأتك))[3].

 

قال ابنُ الجوزي في كتابه "بستان الواعظين ورياض السامعين":

"ذُكِر أنَّ العبد إذا قدم إلى ميزانه، وأُخرجت سجِلاَّت سيِّئاته أعظَمَ مِن جبال الدنيا، فإذا وُجِدت له صدقةٌ طيِّبة، تصدَّق بها لم يُرِد بها إلاَّ وجه الله - تعالى - ولَم يطلب بها جزاءً مِن مخلوق، ولا رياءً ولا سُمعةً، ولا مَحْمدةً ولا شكرًا؛ فإِنَّ تلك الصدقة تُوضع في الميزان بأَمْر المَلِك الخلاَّق، فترجح على جميع سيِّئاته ولو كانت سيِّئاته مِثل وزن الجبال، وأنشدوا:

يَا جَامِعَ الْمَالِ يَرْجُو أَنْ يَدُومَ لَهُ

كُلْ مَا اسْتَطَعْتَ وَقَدِّمْ لِلْمَوَازِينِ

وَلاَ تَكُنْ كَالَّذِي قَدْ قَالَ إِذْ حَضَرَتْ 

وَفَاتُهُ ثُلْثُ مَالِي لِلْمَسَاكِينِ

 

واعْلَموا - عبادَ الله - أنَّ الميزان إذا نُصِب للعبد فهو مِن أعظمِ الأهوال يوم القيامة؛ لأنَّ العبد إذا نظر إلى الميزان انخلع فؤاده، وكَثُرَت خُطوبه، وعَظُمت كُروبه، فلا تَهْدأ رَوْعة العبد حتى يرى أيَثْقل ميزانه أمْ يَخِفُّ؛ فإِنْ ثَقُل ميزانه فقد سَعِد سعادةً لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خف ميزانه فقد خسر خسرانًا مُبينًا، ولقي مِن العذاب أمرًا عظيمًا".

 

وأن تكون الصدقة مما تُحَبُّ؛ لما جاء أيضًا في الحديث عن أنس - رضي الله عنه - قال: "كان أبو طلحة أكثَرَ الأنصار بالمدينة مالاً مِن نخل، وكان أحبَّ أموالِه إليه بيرحاء وكانتْ مُسْتقبلة المسجد، وكان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَدْخلها ويَشرب من ماء فيها طيِّب".

 

قال أنس: "فلما أُنزلت هذه الآية: ? لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ? [آل عمران: 92]، قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسول الله، إن الله - تبارك وتعالى - يقول: ? لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ? [آل عمران: 92]، وإنَّ أحبَّ أموالي إلَيَّ بيرحاء، وإنها صدقةٌ لله، أَرجو بِرَّها وذُخْرها عند الله، فضَعْها يا رسول الله حيث أراك الله".

 

قال: "فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سَمعْتُ ما قلْتَ وإني أرَى أن تَجعلها في الأقربين))، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقَسَمها أبو طلحة في أقاربه وبَنِي عمِّه"[4].

 

وألا تستكثر - أيها الإنسان - صدقتك؛ لقول الباري - تعالى -: ? وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ? [المدثر: 6]؛ فإنها في سبيل الله، وسوف تجدها يوم القيامة عند الكريم.

ولا تَحْقِرها أيضًا؛ فإنَّ أدْنَى الصدقة والمعروف أن تُلاَقِيَ أخيك المسلم بالبشاشة والضحكة؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تَحْقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أنْ تَلْقى أخَاك بوجْهٍ طَلْق))[5].

 

بادِرْ بالصدقة في أي وقت:

خالصةً لوجهه؛ فقد قال - تعالى -: ? إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ? [البقرة: 271]؛ أيْ: فنِعْم شيْئًا هي، وهذا مَدْح لها موصوفة بكَوْنها ظاهرةً باديةً، فلا يَتوهَّم مُبْدِيها بُطلانَ أثَرِه وثوابِه، فيمنعه ذلك مِن إخراجها، وينتظر بها الإخفاء فتفوت، أو تعترضه الموانع ويُحَال بينه وبين قلبه، أو بينه وبين إخراجها، فلا يؤخر صدقة العلانية بعد حضور وقتها إلى وقت السِّر، وهذه كانت حال الصحابة.

 

ثم قال: ? وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ? [البقرة: 271] فأخبر أنَّ إِعْطاءها للفقير في خفية خير للمنفِق من إظهارها وإعلانها.

وتأمَّلْ تقييده - تعالى - الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصَّةً، ولم يَقُل: وإن تخفوها فهو خير لكم؛ فإنَّ مِن الصدقة ما لا يُمكن إخفاؤه، كتجهيز جيش، وبناء قنطرة، وإجراء نهر، أو غير ذلك.

 

وأمَّا إيتاؤها الفقراء؛ ففي إخفائها مِن الفوائد الستر عليه، وعدَم تَخجيله بين الناس، وإقامته مقام الفضيحة، وأن يرى الناسُ أنَّ يده هي اليد السفلى، وأنه لا شيء له، فيزهدون في معاملته ومعاوضته، وهذا قدْرٌ زائد من الإحسان إليه.

 

تصدَّقْ على أهلك وقرابتك:

وتُفَضَّل الصدقة على القريب المحتاج؛ لحديث الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((صدقَتُك على المسكين صدقة، وهي على ذِي الرَّحِم ثِنْتان؛ صدقة وصِلة))[6]، ولِقصَّة أبي طَلْحة وسعد بن أبي وقاص كما تقدَّم.

زِيَادَةُ الْمَرْءِ فِي دُنْيَاهُ نُقْصَانُ

وَرِبْحُهُ غَيْرُ مَحْضِ الْخَيْرِ خُسْرَانُ

أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُمُ

فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ

 

أنت أبْصَر:

وعنه - أيْ: أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: ((تصدَّقوا))، قال رجل: عندي دينار، قال: ((تصدَّقْ به على نَفْسك))، قال: عندي دينار آخر، قال: ((تصدق به على زَوْجك))، قال: عندي دينار آخَر، قال: ((تصدَّق به على وَلَدِك))، قال: عندي دينار آخر، قال: ((تصدَّق به على خَادِمك))، قال: عندي دينار آخر، قال: ((أنت أَبْصَر))[7].

 

هل تحِلُّ الصدقة لكل إنسان؟

إنَّ ممَّا يتعيَّن على كل مؤمنٍ أنْ يَصونَ نفْسَه عن مسْألةِ الناس، إلاَّ عند الضَّرورة، أو الحاجة الشَّديدة التي لا بُدَّ له منها، ولا غِنَى له عنها؛ وذلك لِمَا ورَد عن قَبِيصة بن مُخَارق الهلالِيِّ، قال: تحمَّلْتُ حَمَالةً، فأتيتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - أسأله فيها، فقال: ((أقِمْ حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها))، قال: ثم قال: ((يا قبيصة، إنَّ المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة؛ رجل تحمَّل حَمالةً فحلَّت له المسألة حتى يُصيبَها ثم يُمسك، ورجل أصابَتْه جائحةٌ اجتاحت مالَه، فحلَّت له المسألة حتى يُصيب قِوَامًا من عيش، أو قال: سِدادًا من عيش))، ((ورجل أصابَتْه فاقة حتَّى يَقُوم ثلاثةٌ مِن ذَوِي الحِجَا من قومه: لقد أصابَتْ فلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش))، ((فما سِوَاهن من المسألة يا قَبِيصة سُحْتًا يَأكلها صاحبُها سحتًا))[8]، والله أعلم.

 

عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((لأَنْ يَأخذ أحَدُكم أَحْبُلَه ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة مِن حَطَب على ظَهْره فيَبِيعها، فيكفَّ الله بها وَجْهَه، خيرٌ له من أن يَسأل الناس؛ أعْطَوه أو مَنَعوه))[9].

فالعاقل يَعْمل جهْدَه، ولا يميل إلى الكسل والملل، وحبِّ الراحة.

فالصدقة لا تَحِل إلا لخمس: لعامِلٍ عليها، أو رجلٍ اشتراها بماله، أو غارِمٍ، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكينٍ تُصُدِّق عليه منها، فأَهْدى منها لغني.

 

مَن هم أهْلُ الصدقة؟

الصَّدقة باب واسع وفي مجالات متعدِّدة، ولكل كائن حي دُون أية شروط، كما جاء الحديث عن أنس - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - قال: ((ما مِن مسلم يَغْرس غرْسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طَيْر أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة))[10].

 

والحديث: ((مَن حفر ماءً، لم يَشرب منه كبد حَرَّى من جِن ولا إنس ولا طائر، إلا آجرَه الله يوم القيامة))[11].

ويختصُّ فيها أهل الصدقة كما جاء في القران في أهل الزكاة، كما جاء في سورة التوبة قوله - تعالى -: ? إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ? [التوبة: 60].

 

وهُم على النَّحو التالي:

1- الفقراء: وهم الذين يَملكون أقلَّ مِن النِّصاب، أو يَملكون نصابًا مُستغْرَقًا بالدَّين.

2- المساكينُ: وهم الذين لا يَملكون شيئًا، ولا يستطيعون أنْ يَكْسبوا ما يَكفيهم.

3- العاملون عليها: وهم السَّاعُون في جَمْعها، وهؤلاء وإن كانوا أغنياءَ يُعْطَون منها؛ جزاءً لعملهم.

4- والمؤلَّفة قلوبهم: وهم الذين كانوا قد دخلوا في الإسلام حديثًا لتقوية قلوبهم.

5- وفي الرقاب: وهم العبيد الذين لا سَبيل إلى عِتْقهم، والأسرى.

6- الغارمون: وهم المَدِينون الذين يَعْجزون عن الوفاء بدُيونهم، ولم يكونوا قد اقترضوها إسرافًا وتبذيرًا.

7- وفي سبيل الله: وهو مَصْرف عامٌّ تحدِّده الدَّولة، ومنه تَجهيز المجاهدين وعلاج المَرْضى، وتعليم العاجزين.

8- وابن السبيل: وهو الذي يَكون في مكان لا يَجِد فيه المأوى والطَّعام، وله مال في وَطَنه، قد انقطع عنه، ومِن واجبات المجتمع أنْ يَحْتضنه، ويتفقَّد أحواله، ويمُدَّ إليه يد العون والمساعدة.

يُفْنِي الْبَخِيلُ بِجَمْعِ الْمَالِ مُدَّتَهُ ??? وَلِلْحَوَادِثِ وَالْوُرَّاثِ مَا يَدَعُ

 

ثوب عائشة مرقَّع:

جاء في كتاب الزهد لِهَنَّاد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن تَمِيم، عن عُروة بن الزبير قال: لقد رأيتُ عائشةَ - رضي الله عنها - تَصَدَّقُ بسبعين ألفًا، وإنَّها لتُرَقِّع جانب درعها[12].

 

أخْفِ صدقتك:

هناك فضل كبير في إخفاء الصدقة؛ لِمَا يحصل بها الإخلاص التام لله - سبحانه - ولقد جاء ذلك في قوله - تعالى -: ? إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ? [البقرة: 271].

 

وفي الحديث: ((سبعةٌ يُظِلُّهم الله في ظلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظلُّه؛ الإمام العادل، وشابٌّ نشأ في عبادة ربِّه، ورجل قلْبُه معلَّق في المساجد، ورَجُلان تحابَّا في الله؛ اجتمعا عليه، وتفرَّقا عليه، ورجل طلبَتْه امرأة ذات مَنْصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدَّقَ أَخفَى؛ حتَّى لا تَعلم شمالُه ما تُنفق يمينه، ورجل ذكَرَ الله خاليًا ففاضَتْ عيناه))[13].

 

صدقاتُنا في يد ربنا - سبحانه وتعالى:

فعَن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول: قال: ((إنَّ الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل))، ثم قرأ عبد الله: ? وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ? [الشورى: 25][14].

 

هل لك قدرة أو تستطيع أن تتصدق بمالك كله؟

أخرجه أبو داود وصحَّحه الترمذي والحاكم من طريق زيد بن أسلم عن أبيه: سمعتُ عمر يقول: أمَرَنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - أن نتصدَّق، فوافَقَ ذلك عندي مالاً، فقلتُ: اليومَ أَسْبِق أبا بكر، إنْ سبَقْتُه يومًا، قال: فجئتُ بنِصْف مالي، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((ما أبقيتَ لأهلك؟))، قلتُ: مِثْلَه، وأتى أبو بكر بكلِّ ما عنده، فقال: ((يا أبا بكر، ما أبقيتَ لأهْلِك؟)) قال: أبقيتُ لهم الله ورسولَه، قلتُ: والله لا أسبِقُه إلى شيء أبدًا[15].

 

تصدَّقِي يا أَمَة الله:

وتقول أمُّ سِنَان الأسلميَّةُ في تبَرُّع النساء لجيش العسرة: "لقد رأيتُ ثوبًا مبسوطًا بين يدَيْ رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - في بيت عائشة - رضي الله عنها - فيه: مسك ومعاضد، وخلاخل وأقرطة وخواتيم، وقد مُلِئ مما بَعَث به النساء يُعِنَّ به المسلمين في جهازهم.

 

وعن عائشة أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - قال: ((إذا تصدَّقَت المرأة مِن طعام زوجها غير مُفْسِدة، كان لها أجرُها، ولزوجها بِما كسب، ولِلخازن مِثل ذلك))[16].

 

         أضف تعليق