المشرف العام
مقالات
الصدقة (1 / 3)
 
تمت الإضافة بتاريخ : 03/12/2017م
الموافق : 15/03/1439 هـ

الصدقة (1 / 3)

نايف ناصر المنصور

تتفاوت حالات الناس في جميع الأماكن والأزمان في حالة العيش؛ فمِنهم مَن يَعيش غنيًّا متْرَفًا، مَخدومًا، تلبَّى جميعُ احتياجاته، ومنهم مَن يعيش فقيرًا مُعدمًا، لا يجد قُوتَ يومِه، مهمومًا في إيجاد ذلك.

ومنهم مَن يعيش قويًّا عظيم البِنية، قادرًا على الأعمال الشاقة، ومنهم الهزيل العاجزُ عَن أداء أبسط الأعمال؛ ممَّا سبَّب له العَجْزَ المادي.

 

ومِن مَحاسن الدِّين الإسلامي أنه شرَعَ التَّكافل الاجتماعي، والتَّوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع؛ فهناك صِلة الرحم، وفيها التَّواصل بين الأقارب والناس، والسؤال عن أحوال بعضهم البعض.

وفيه شرع الزكاة، وهي تحصيل المال ممَّن عنده بعد توفُّر شروطها عنده، وإعطاؤها أهلها المذكورِين في القران.

وهناك الصَّدقة التي هي أوسع أبوابًا مِن الزكاة، ومن أيِّ عَمَل، وتعتبر خاليةً من أية شروط؛ فمجال الصدقة متنوِّع، وكذلك الأجور من الله فيها، فلكلِّ عمَلٍ منها أجْر، والله يضاعف لمن يشاء.

 

هل تريد الجنة؟

ما مِن رجل أو امرأة يؤمن بالله إلا وله غاية، ألا وهي رِضَا الله ودخول الجنة والنجاة من النار.

 

فما ظنُّك أخي المسلم وأختي المسلمة بِدَار أعدَّها الله بنفسه، وغرَسَ كرامةَ أهلِها بيده؟ جاء في الحديث القدسي: ((أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عَين رأَت، ولا أذُن سَمعت، ولا خطَرَ على قلب بشر))[1].

 

وإنَّ الكل لَيَعمل في هذه الدنيا؛ فمِنهم مَن فاز، ومِنهم مَن خسر، قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((كلُّ النَّاس يَغْدو؛ فبائِعٌ نفْسَه فمُعْتقها، أو موبقها))[2].

 

أخي الحبيب:

لقد سبَقَك إلى الجنة أبو بكر، وذَهَب إليها عُمر، وبُشِّر بها عثمان وعلي، ودَخلها بلال، وطار إليها جعفر، فأين أنت مِن هؤلاء الصحابة؟!

 

أختي الحبيبة:

تبَتَّلَت مريم، فأصبحَتْ خيرَ نِساء العالَمين، وأحسنَتْ فاطمة، فكانت سيدة نساء الجنة، وصار فيها بيت من قَصَب لخديجة، فمَع مَن تُريدين أن تُحشَري؟ ومِثْل مَن تريدين أن تكوني؟

 

إخواني:

إن الجنة قريبة؛ ((الجنَّة أقْرَب إلى أحدكم مِن شِراك نَعْله، والنار مِثل ذلك)).[3]

إنَّ لِلجنة طرُقًا، وإنَّ مِن تلك الطُّرق الصدقة، فلا تَبخل بأموالك عن الصَّدقة على الفُقراء، وتكون عبدًا لِمالك، خادمًا له، وليس العكس، عاشقًا لجمع المال.

فقد ذكر ابن الجوزي في كتابه "صَيد الخاطر": "فصل: شر البلاء عشق المال": "وفي الناس مَن يبخل، ثم يتفاوتون في البخل حتى يَنتهي البلاء بهم إلى عشق عين المال، فربَّما مات أحدُهم هُزالاً وهو لا يُنفقه، فيأخذه الغير ويَندم المُخلف"، فبادِرْ بالبَذْل وفَّقك الله.

 

تعريف الصدقة:

دائمًا نَسمع عن الصدقة، وفلان تصدَّق بكذا، وفلان تصدَّق بكذا، فما مَعنى "صدقة"؟ وما هو تعريفها؟

 

الصدقة في اللغة:

قال ابن منظور في كتابه "لسان العرب": "صدَّق عليه: كتصدَّق، فعَّل في معنى تفعَّل، والصدقة: ما تصدَّقْت به على الفقراء، والصدقة: ما أعطيتَه في ذات الله للفقراء، والمتصدِّق: الذي يعْطِي الصَّدقة، والصدقة: ما تصدَّقت به على مسكين".

 

وقال أحمد عطية الله في "القاموس الإسلامي": "الصدقة بفتح الأول والثاني: ما يُعْطَى على وجه القُربى لله دون إكراه، يقال: تصدَّق: أيْ أعطى الصدَقة، فهو مُصَدِّق، وجمع صدقة: صدقات.

وهي من الألفاظ التي ورَدَت بصيغتي الفرد والجمع في سبعَةَ عشرَ موضعًا في القرآن الكريم".

 

أما تعريفها في الشرع:

فبِمَعنى العطيَّة التي يُبتغى بها الثواب عند الله، فهي: إخراج المال تقرُّبًا إلى الله - سبحانه وتعالى.

 

وهي سدٌّ منيع بين المتصدِّق والسُّوء، ودافِعةٌ لعظيم البلاء والشر، قال العلاَّمة الأصفهاني: "الصدقة ما يُخرجه الإنسان من ماله على وجه القُربة كالزكاة، لكنَّ الصدقة في الأصل تُقال للمتطوع به، والزكاة للواجب، وقد يسمَّى الواجب صدقةً إذا تحرَّى صاحبُها الصِّدق في فِعله".

 

حكم الصدقة:

إنَّ حُكم الصدقة مستحَبٌّ مِن المؤمن في كل الأوقات في كل الأماكن:

أَنْفِقْ وَلاَ تَخْشَ إِمْلاَلاً فَقَدْ قُسِمَتْ

بَيْنَ العِبَادِ مَعَ الأَرْزَاقِ آجَالُ

لاَ يَنْفَعُ البُخْلُ فِي الدُّنْيَا مُوَلِّيَةً

وَلاَ يَضُرُّ مَعَ الإِنْفَاقِ إِقْبَالُ

 

ما هي الغاية من الصدقة؟

ذَكر ذلك ابنُ القيِّم في كتابه "زاد المعاد" في كلامه عن هَدْيِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الصدقة والزكاة؛ حيث قال: "إنَّ هدْيَه في الزكاة أكْمَل هدْي؛ في وقْتها وقَدْرها ونِصابها، ومَن تجب عليه ومَصْرفِها، وقد رَاعى فيها مصْلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين.

 

وجعَلها الله - سبحانه وتعالى - طُهْرة للمال ولصاحبه، وقيَّد النِّعمة بها على الأغنياء، فما زَالت النِّعمةُ بالمال على مَن أدَّى زكاته، بل يَحفظه عليه وينمِّيه له، ويَدفع عنه بها الآفات، ويجعلها سورًا عليه، وحصنًا له وحارسًا له.

 

ثم إنَّه جعَلَها في أربعة أصناف من المال، وهي أكثر الأموال دَوَرانًا بين الخَلْق، وحاجتُهم إليها ضروريَّة:

أحدها: الزَّرع والثمار..

الثاني: بهيمة الأنعام؛ الإِبِل والبقر والغنم.

الثالث: الجوهران اللَّذان بهما قوَام العالَم، وهما الذَّهب والفِضَّة.

الرابع: أموال التِّجارة على اختلاف أنواعها.

 

الآيات والأحاديث الواردة في فضْل الصدقة:

وهي كثيرة، وقد طبَّق الرسول - عليه الصلاة والسلام - هذا الأمر مبتَدِئًا بنفسه؛ فقد كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - أعْظَمَ الناس صدقةً بما ملكت يدُه، وكان لا يَستكثر شيئًا أعطاه لله - تعالى - ولا يستقِلُّه، وكان لا يَسأله أحد شيئًا عنده إلا أعطاه؛ قليلاً كان أو كثيرًا.

 

وكان عطاؤُه عطاءَ مَن لا يَخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحبَّ شيء إليه، وكان سروره وفرحُه بما يعطيه أعظمَ مِن سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجودَ النَّاس بالخير، يمينُه كالرِّيح المرْسَلة.

وكان إذا عَرضَ له محتاج آثرَه على نفسه، تارَةً بطعامه، وتارةً بلباسه.

وكان ينوِّع في أصناف عطائه وصدقته؛ فتارةً بالهِبَة، وتارةً بالصدقة، وتارةً بالهدية، وتارةً بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعًا؛ كما فعل بِبَعير جابر، وتارَةً كان يَقترض الشيء فيرُدُّ أكثرَ مِنه وأفضل وأكبر، ويَشتري الشيء فيُعطِي أكثرَ مِن ثمنه.

ويَقبل الهدية، ويُكافِئ عليها بأكثرَ مِنها أو بأضعافها؛ تلَطُّفًا وتنوُّعًا في ضُروب الصدقة والإحسان بكل ممكن.

 

وكانت صدقتُه وإحسانه بما يَملكه وبِحاله وبقوله؛ فيُخرج ما عنده، ويَأمر بالصدقة، ويحُضُّ عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيلُ الشَّحيح دَعاه حاله إلى البَذْل والعطاء.

وكان مَن خالطَه وصَحِبه ورَأى هدْيَه لا يملك نَفْسه مِن السَّماحة والنَّدَى.

وكان هدْيُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف؛ ولذلك كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - أشْرَحَ الخَلْق صدْرًا، وأطيبَهم نفْسًا، وأنعَمَهم قلْبًا؛ فإنَّ للصدقة وفِعْل المعروف تأثيرًا عجيبًا في شَرْح الصَّدر، وانْضاف ذلك إلى ما خصَّه الله به مِن شرْح صَدْره بالنُّبوَّة والرسالة، وخصائصها وتوابعها، وشَرْحِ صدره حِسًّا، وإخراج حظ الشيطان منه.

 

جاء في القران ما يدل على فضل الصدقة:

قال الله - تعالى - في الصدقة: ? مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ? [البقرة: 245].

 

جاء في تفسير هذه الآية قال الزَّجاج: أصْل القرْض ما يُعطيه الرَّجل أو يَفعله ليُجازَى عليه، وأصْله في اللغة القَطْع، ومنه أُخذ المِقراض، فمعنى أقرَضْته: قطعت له قطعةً يُجازيني عليها.

 

فإن قيل: ما وجه تسمية الصدقة قرضًا؟

فالجواب من ثلاثة أوجه:

أحدها: لأنَّ هذا القرض يبدَّل بالجزاء.

والثاني: لأنه يتأخَّر قضاؤه إلى يوم القيامة.

والثالث: لتأكيد استحقاق الثواب به؛ إذ لا يكون قرْضٌ إلا والعِوَض مستَحَقٌّ به.

 

فأما اليهود فإنهم جهلوا هذا، فقالوا: أيَسْتَقرِض الله منَّا؟

وأما المسلمون فوثقوا بوعد الله، وبادروا إلى معاملته؛ قال ابن مسعود: لما نزَلَت هذه الآية، قال أبو الدَّحْداح: وإنَّ الله ليريد منا القَرْض؟ فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((نعم))، قال: أَرِني يدَك، قال: إني أقرَضْتُ ربِّي حائطي.

قال: وحائطه فيه سِتمائة نخلة، ثم جاء إلى الحائط، فقال: يا أمَّ الدَّحْداح، اخرجي مِن الحائط، فقد أقرضْتُه ربِّي.

وفي بعض الألفاظ: فعمَدَتْ إلى صبيانها تُخْرِج ما في أفواههم، وتَنْفض ما في أكمامهم، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((كَم مِن عِذْق رَاح في الجنَّة لأَبِي الدَّحْداح))[4].

 

وفي معنى القَرْض الحسَن ستَّةُ أقوال:

أحدها: أنه الخالص لله، قاله الضحاك.

والثاني: أن يَخرج عن طِيب نَفْس، قاله مقاتل.

والثالث: أن يكون حلالاً، قاله ابن المبارك.

والرابع: أن يُحتسب عند الله ثوابه.    أضف تعليق