المشرف العام
مقالات
“اقرأ”.. الفريضة الغائبة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 22/11/2017م
الموافق : 4/03/1439 هـ

“اقرأ”.. الفريضة الغائبة

د. سيرين الصعيدي

الواقع المعاصر يرديك في مهاوي الردى، لولا أنّ العناية الإلهية تتداركك وتربط على قلبك وتصبرك بأنّ ما قبل الفجر ظلام دامس، فواقع مجتمعاتنا وجامعاتنا ومعاهدنا ومدارسنا يعطيك صورة قاتمة، وكأنها صخرة جاثمة على صدرك، تكتم أنفاسك، وهي تمثل واقع أمة "اقرأ"، فاقرأ اليوم تختلف مضمونًا وحقيقة عن "اقرأ" الأمر الإلهي، والذي هو عبادة من جملة عبادات كثيرة غُيبت عن الساحة اليوم.

"اقرأ" في ذاك الغار(غار النور) الذي منه أشرقت شمس الهداية؛ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، فكانت:{اقرأ}،] العلق:1[، "اقرأ" هي أول الغيث من الرحمة المهداة لهذه الأمة، وأول مشعل من مشاعل النور الذي يبدد الظلمات في سبيل السائرين.

تطوف بك كل هذه المعاني، ونحن نستقبل عامًا دراسيًا جديدًا، نرقب فيه حركة الناس في الاستعداد المادي؛ لتوفير كل ما يلزم من مستلزمات للطالب، ابتداء من رياض الأطفال، وحتى المرحلة الجامعية، كل شيء جديد من زي وقرطاسية وغيرها، إلا أنه لا جديد لنقف عليه من معاني "اقرأ"، والذي من أجله أقيمت العلوم والجامعات يوم أن كانت "اقرأ" تحمل من النور ما يبدد الظلمات.

نواصل الاستعداد لهذا العام على مدار أيام بل أسابيع وأشهر، غير أن قلة قليلة منا من يستقبله بقلبه وفكره على أنه عبادة نرتقي ونتقرب منها إلى الله تعالى، إذ لا عجب من ذلك، فالكثير من المسلمين اليوم اعتاد أن يؤدي العبادات شكلاً لا مضموناً متجرداً عن المقصد الأسمى من فرض هذه العبادة.

    الكثير من المسلمين اليوم اعتاد أن يؤدي العبادات شكلاً لا مضموناً متجرداً عن المقصد الأسمى من فرض هذه العبادة

ترقب كل هذا، وأنت تستحضر أهمية العلم والسعي في الحصول عليه، ويتلو الناس من معجزة الإسلام الخالدة: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، [ فاطر:28]، بل ويقسم الله بأهم أداة من أدوات العلم: القلم، وتُسمى السورة باسمه: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ }،] القلم، آية:1[، ونسمع قوله صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (رواه ابن ماجه)

لكن نمر على كل هذا مرور الكرام، فإن المكتبات التي توجد في مدينتك أو بلدك تئنُّ شوقا للقارئين، في حين تضج المقاهي والمطاعم والمتنزهات من الاكتظاظ الهائل والتهافت الكبير عليها، في وقت باتت فيه تغذية الأبدان مقدمة على تغذية الأذهان، ومن يشبع بطنه يقل عمله، ويكثر نومه فيزداد كسله فيتراجع إنتاج مجتمعه، وإن الأمم التي كان العلم سبيل نهضتها فإن الجهل بالمقابل يهوي بمن يركن إليه أسفل سافلين.

وما أفلت شمس أمتنا فصار التخلف والجهل حليفنا بالرغم من خيرات بلادنا وخيرة أبنائنا؛ إلا بهجرنا وتركنا لأسباب تقدم حضارتنا بل وسطوع شمسها على الأمم الأخرى، تلك الأمم التي كانت يوم أن كان لنا وقفة مع "اقرأ"، كانت تجلس إلى موائد علومنا وتنهل من علمنا وعلمائنا، لكن اليوم أصبحنا أضحوكة تضحك من جهلها الأمم.

إنّ #العلم هو السبيل لتطور الحضارات ونهضتها، فإن كان الغذاء يقيم أود الإنسان ويحفظ عليه صحة بدنه، فإن العلم غذاء الفكر والروح ويحفظ للأمة حضارتها ونهضتها، وإن كان سوء التغذية يهتك جسد الإنسان وصحته، ويجعله عرضة للأدواء فإنه ليس هناك أخطر من داء الجهل على الأمم وحضارتها ورقيها.

    إذا كان سوء التغذية يهتك جسد الإنسان وصحته، ويجعله عرضة للأدواء فإنه ليس هناك أخطر من داء الجهل على الأمم وحضارتها ورقيها

على أمة "اقرأ" اليوم أن تبحث جيدًا في إعادة غرس المفاهيم في أذهان بناة المستقبل حول العلم وأهميته عقيدة وحضارة، وتسليح الجيل الواعد بإعادة ثقته بحضارته وثقافته ومبادئ دينه، وصياغة البرامج المفيدة لهم والتي تدفعهم للعلوم دفعا، وأن تدعم غذاء الفكر كما تبذل على برامج الفنون وغيرها مما يدّعون أنه وجه حضاري يفرض وجودنا بين الأمم، فإننا مهما بذلنا لن نجد سفيراً خيراً من سفير العلم لنا؛ ليعيد مجدنا وعزتنا ورقينا وحضارتنا، ومن غير هذا سنبقى نهوي انحطاطًا.

وأمة "اقرأ" -التي أول ما كلفت به هو القراءة- عليها أن تتيقن بأن لا فجرَ مشرقا لها من غير الإحاطة بحقيقة "اقرأ" وما يترتب عليه عقيدة وشريعة.

         أضف تعليق