المشرف العام
مقالات
مبادىء أولية في منهجية القراءة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 21/11/2017م
الموافق : 3/03/1439 هـ

مبادىء أولية في منهجية القراءة

محمد احمد الراشد

لا زالت الكلمة المقروءة تُمثل أهم وسيلة لنقل المعلومات.

و لهذا فان مهارة (فن القراءة) أمرٌ لابد من التمكن منه لتصبح كفاءة القارىء عالية.

و كفاءة القارىء تقاس بمعيارين: سرعة قراءته و درجة استيعابه.

و هناك ظن شائع مفاده أن بطء القراءة يعني استيعاباً أكبر. و هذا صحيح بالنسبة للمبتدىء في القراءة كصحة المشي الحذر بالنسبة لطفل يتعلم المشي حديثاً. و لكن عندما يشب الطفل يصبح البطيء حالةً مرضية.

هذا هو حال القراءة البطيئة بالنسبة للكبار، بل إن البعض يعتبر بطء القراءة لدى الكبار أُمية قرائية.

أما الاستيعاب فضرورته تعود إلى أن القراءة بدون استيعاب عبث، و القراءة باستيعاب قليل تخلف.

و مثلما لا يولد الناس و هم يعرفون القراءة و الكتابة، كذلك لا يولد الناس و هم يجيدون فن القراءة. و هذا يعني أن فن القراءة مهارةٌ يمكن اكتسابها بالتدرب و المران. و في هذا تطمين لمن يشعر بعسر القراءة أن حالته قابلة للتحسن، و أن فن القراءة يمكن تعلمها مثل تعلم قيادة السيارة باتباع إرشادات معينة، و من الطبيعي أن يتفاوت سائقو السيارات في جودة أدائهم وفق إتقان كلٍ منهم. و كذلك يتفاوت القارئون في سرعتهم و استيعابهم وفق إتقانهم.

و في ما يلي لمحات من إرشادات معينة تساعد إن شاء الله على تحسين القراءة، علماً بأن ثمرة التطبيق لن تبدو إلا بالممارسة. فكما أن إرشادات تعليم قيادة السيارة قليلة و التجويد لا يكون إلا بالممارسة المستمرة الواعية، فكذلك فن القراءة.

لماذا تقرأ؟

على القارىء أن يسأل نفسه: " لماذا اقرأ ؟ ".

و هذا ليس من باب الترف الفكري.

فالإجابة المقنعة ستكون دافعاً يحفز القارىء إلى المواظبة و تحمل المعاناة، و العكس صحيح. فالإجابة الفاترة ستكون مدعاةً للاسترخاء و لإيثار الكسل.

إن الإجابة المحتملة من رجلٍ عادي على السؤال ( لماذا تقرأ؟) هي: أقرأ من أجل الوظيفة... أقرأ من أجل تزجية الفراغ... أقرأ لأن القراءة ميدان للتفاخر... أقرأ لأني أحب القراءة... إلخ.

و من وجهة نظر إسلامية فان هذه الإجابات فيها المكروه و المشروع؛ المكروه مثل: ( أقرأ من أجل تزجية الفراغ )، و المشروع مثل: ( أقرأ من أجل الوظيفة).

وجهة النظر الإسلامية مفادها باختصار أن القراءة كأي عمل، يجب أن تكون في سبيل الله. و سبيل الله يتضمن تقوية المسلم في دنياه علماً و مكانةً اجتماعية و استجلاباً للرزق، و يتضمن ادخار المسلم للحسنات إلى يوم الحساب عندما سيُسأل عن عمره فيم أفناه، و يتضمن مُقارعة الكفر و مُجالدة الآراء الزائغة في فكرها و تأثيرها حتى تكون كلمة الله هي العليا.

ماذا تقرأ؟

إن الانجذاب للقراءة المشوقة أو الصبر على القراءة الحَرون يعتمد اعتماداً كبيراً على

( ماذا تقرأ) أي نوعية المادة المقروءة.

فمن المواد المقروءة ما ترتشفه ارتشافاً و منها ما تتجرعه و لا تكاد تسيغه.

و الحصيف هو الذي يَرِد المنبع العذب و يتنكب الملح الأجاج.

ولما كان العمر لا يتسع لسبر غور كل آبار القراءة فلابد للمسلم أن يستخدم معيار الإسلام لمعرفة ماذا يرتشف و على ماذا يصبر و ماذا يتنكب.

فالمسلم يرتشف القرآن و السنة، و يصبر على علوم الدنيا كالاقتصاد و الفلك، و يتنكب تخريفات الفلاسفة و انحدار القُصاص و تهويمات الشعراء.

و لما كان الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فان الباطل قد تسرب حتى إلى بعض تفاسير القرآن، و بعض نصوص الحديث و كثير من الأدب و التاريخ. و لا خوف من هذا و لا رعب. بل إن من دور المسلم أن يكشف عن مواضع العطن و يزيلها. و هنا يحتاج إلى مُساءلة الخبراء و مجالسة النصحاء ومذاكرة القُرّاء.

• إذن فاسأل من كان بالقراءة مسلماً عليماً.

هل تألف القراءة؟

لا يخفى أن المسلمين المعاصرين لا يألفون القراءة، حتى قال دايان- وزير الحرب الإسرائيلي -: ( إن العرب لا يقرأون ) مجيباً على سؤال مستغربٍ ( كيف تذيعون تنبؤات حرب 1967 قبل وقوعها؟).

و الذي لا يألف القراءة لا يتودد إليها و لا يسعى إليها بوصال و إن صادفها استثقلها و استثقلته.

أما الذي يألف القراءة فإنه يتفقدها إذا غابت عنه و يهش لها إذا صادفته.

إن ألفة القراءة تُعطي أليفَها استمراريةً محمودة تطيلُ عمر قراءته، و تحفظُ رغبته فيها مثلما يحفظ التكييفُ لطافةَ جَوهِ بعد توقف إلى أن يعاود الاشتغال بعد حين.

أما ترى الأجانب يقرأون في المكتبة، و في الباص، و في المطعم، و قبل النوم... فلماذا لا تفعل مثلهم!.

إذا كنت تريد مغالبتهم فخذ بأسبابهم... و الغلبة لك.

هم يحرصون على الكم و حسب، و أنت تحرص على الكم و النوع.

هم بنوا إمبراطوريتهم الرومانية بخمسة قرون و أنت أيها المسلم بنيتَ بخمسين سنة دولتك الإسلامية. هم دامت لديهم ثلاثة قرون و أنت دامت لديك ثلاثة عشر قرناً.

• إذن إئلف القراءة.

هل لديك نواة مكتبة؟

مثلما تُغري مجالسة الصالحين بفعل الصلاح، فان حضور الكتُب في مكان ما يُغري أعتى النافرين بتقليب صفحات كتابٍ ما يوماً ما.

كيف تريد أن تألف القراءة و بيتك لا رفّ فيه و لا كتاب.

كيف تريد أن تنقل إلى أبنائك حب القراءة و أنت لا تزور المكتبات إلا كما يزور الغيثُ الصحراء الكبرى.

لابد للمسلم من كتاب تفسير... لابد للمسلم من كتاب حديث... لابد للمسلم من كتاب فقه...لابد للمسلم من موسوعية دينية...و لا تتبرم بهذه (اللا بُدّات) فهي لن تتجاوز عدد الأصابع.

ليس المطلوب من كل مسلم أن يحوي كتب الغابرين و الحاضرين. يكفي المسلم أن تكون لديه نواة مكتبة.

• إذن كوّن لك نواة مكتبة.

هل أنت متخصص؟

إن الذي يدرس مادة ما، كمبادىء الاقتصاد مثلاً، قد يحتاج إلى ساعات طويلة لإنجاز ذلك أول مرة.

أما عند قراءة كتاب ثانٍ عن مبادىء الاقتصاد فان عدد الساعات سينخفض بشكل كبير.

و في المرة الثالثة سينخفض أكثر و هكذا حتى يصل الأمر إلى عدد بسيط من الساعات.

بل أن المحترف قد لا يحتاج إلى أكثر من دقائق يقلب فيها الكتاب ليعرف ما فيه.

هذه السرعة في القراءة راجعة إلى أُلفة المفاهيم الاقتصادية، كالعرض و الطلب و الإنتاج الواسع... إلخ. مما يجعل العين و من ثم الذهن يستطيع طيها بسرعة عالية.

أما رأيت أنك إذا زرت مدينة لأول مرة بسيارتك فإنك ستحتاج إلى وقت أطول لتتعرف على الطريق و إشاراته و منعطفاته و مَطبّاته.

فالتخصص مدعاة للإنجاز الأسرع، و القراءة السريعة، و لا نقول العابرة، و دليل الكفاءة.

فخذ بناصيتها: تخصص حتى تألف المفاهيم، تكن قراءتك أسرع و تسمو كفاءتك.

و تخصصك لا يعني أن تدير ظهرك لما سوى تخصصك.

إن الذي يتخصص في ( الحديث) و لا يعرف ما هو التضخم الاقتصادي (كلمة تقرع بها الجرائد آذننا كل يوم) إنما هو رجل لا يعيش عصره.

إن الثقافة العامة منصةٌ واسعة أفقياً تسند بناءً فرعياً ثقافياً سامقاً في سماء المعرفة.

• إذاً تخصص و لا تنس عصرك.

كم تحفظ؟

يبدو أن قصة الملك الذي كان يحفظ القصيدة من مرة واحدة و وزيره الذي يحفظها مرتين و حاجبه الذي يحفظها من ثلاث.. قد عفا عليها الدهر.

فالناس أصبحوا لا يستطيعون الحفظ و لذلك فهم ينفرون من الحفظ ومن القراءة.

و هذا وهم، و الحقيقة عكس هذا.

فالناس ينفرون من الحفظ و من القراءة لذلك فهم لا يستطيعون الحفظ، فالغربة في الحفظ تمكّن منه و تجوّده. و الحفظ يشجع على مزيد من القراءة.

خذ القرآن مثلاً:

كان المسلمون يحفظه الكثير منهم. فماذا جرى الآن؟

قد يقول قائل إن في المسجلات مندوحة. من قال اهجروا المسجلات.

و لكن للحفظ دور لا تؤديه المسجلات: هل تقول لمن تريد أن تستشهد له بآية أو تحاججه بآية انتظر حتى آتيك بالمسجل.

هل نسينا قوله صلى الله عليه و سلم: إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخَرب.

إن الذين هجروا الحفظ هجراً غير جميل إنما عطّلوا ملايين الخلايا العصبية و هي أثمن نعم الله تعالى بعد الإيمان.

إن تراثنا ما كان ليبقى لو اعتمد السطور دون الصدور.

• الحفظُ رصيدُ عقلك فاحرص على رصيدك.

هل تريد مضاعفة معلوماتك أضعافا؟

إذا أردت مضاعفة رصيدك العلمي فحاول أن تلتزم إلقاء دروس على أقرانك أو من هم دونك الذين يمكن إن تتحفهم بشيء.

إن الاستعداد للدرس سيجبرك على التحضير و الحفظ و التذكر، و يستفز طاقتك الاجتهادية.

كذلك التزم كتابة بحوث أو مقالات صحفية، ستكون حتى أحلامك في نومك علمية فكرية، ستغزوك الأفكار المبتكرة وأنت تأكل أو تستحم مثل أرخميدس، ستهتف مثله: وجدتُها!.

• الانطواء العلمي قاتل..

ميز بين مطبوع و مطبوع:

إذا كنت تقرأ جريدة يومية فإنك لن تحتاج إلى أن تقرأها - في الغالب - أكثر من مرة. و لن تحتاج إلى أن تتذكر منها - في الغالب - إلا القليل المهم.

هذه طريقة حسنة و مقبولة تصلح للجريدة، و لكنها لا تصلح للكتب الأخرى إلا على أساس أنها خطوة أولى.

لا تعامل الكتاب كالجريدة و تكتفي. اقرأه مرة أولى كالجريدة و لكن عد إليه مرةً ثانيةً لتتلبّث أكثر. و عد إليه ثالثةً لتستلخص الزبدة.

تََلبّث:

هل أنت الآن في مرحلة التلبّث؟

إذن فأنت قرأت القراءة العابرة التي أعطتك فكرة عما هو الفصل الذي تقرأه.

و الآن جَدّ الجِدّ. اصبر و أجرُك على الله.

اقرأ بإصرار.

خذ قلماً و خُطّ تحت ما تراه مهماً.

ما هذا الذي يعترضك؟ شي لا تفهمه؟ إذن اكتب عنه سؤالاً.

هل هذه كلمة لا تفهمها؟ لا تبتلعها!.. اهرع إلى المعجم و اعرف معناها.

تَلبّث عند الصعوبة و أسرع عند السهولة.

لََخِّص:

هنيئاً لك لقد تجاوزتَ مرحلة التلبّث فاجمع غنائمك الآن:

فقرة من هنا. معادلة أو علاقة من هناك.. صورة لا تحتاجها لأنك تتذكرها بسهولة.. إعجاب بالكاتب.. استشكال.. لملم غنائمك في جعبةٍ و اكتب عليها الخلاصة.

و في التحسينات الكمال:

الوقت المنظم أعونُ على القراءة من الوقت الممزّق.

و أجواء المسجد ذات بركة.    أضف تعليق