المشرف العام
التنمية الذاتية
متعة القراءة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 21/11/2017م
الموافق : 3/03/1439 هـ

متعة القراءة

صالح احمد الشمري

بعد صُدور كتابي: "متعة الكتابة"، قابلْتُ أستاذًا في القانون، وكانتْ تربطني به علاقة جيدة، فقال لي: توقعتُ منك أن تكتبَ في القراءة لا الكتابة؛ لِمعرفتي باهتمامك بالكتاب، وحُبك للمُطالعة.

قلتُ له: أقدِّر جيدًا ما تقول، ولكن القراءة موضوع قد كَتَب فيه الكثيرون، ولو قُمتَ بزيارةٍ لإحدى المكتبات، وطلبتَ من أحد موظفيها أن يخرجَ لك قائمةً بأسماء الكُتُب التي تناولت القراءة، لخَرَجَ لك بمجموعةٍ من العناوين العديدة والمتنوعة، ولكنِّي أجتهد في أن ما طرحته في موضوع الكتابة بحاجةٍ إلى مزيد بيان وتوضيح، كنتُ قد بيَّنته في مُقدمة الكتاب، ولا داعي لذكرها الآن.

ولا أكتم سرًّا بأن حديث الأستاذ قد ترك أثرًا في الخاطر حول ما يُمكنني التحدُّث فيه حول القراءة، وحيث إنِّي أُحاول جاهدًا ألا أُكَرِّر ما ذَكَرَهُ غيري - ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً - توفيرًا لوقت القارئ، فإنِّي لن أتحدَّث لكم حول فضل القراءة، وما ذُكر حولها، وحول العلم من الآيات الكريمة، أو ما في السنة المطهرة - على صاحبها أفضلُ الصلاة وأتَمّ التسليم - بل لن أذكر لكم ما تزخر به بُطُون الشعر، وأمهات كُتُب الأدب العربي وغير العربي، كل ذلك أجزم أنكم تعرفونه أكثر منِّي إلى درجة الإصابة بالتخمة!

ولكن الحديث معكم - أيها القراء الكرام - حول القراءة والمطالعة، من حيث كونُها متعةً ولذة فكريَّة وذهنيَّة، وكيفيَّة وُصُولنا جميعًا إلى هذه الدرجة من الاستمتاع.

لعلكم سَمِعْتم أو قرأتم أن من بين ما قيل في القراءة: إنها تختصر لك الزمن، وقيل أيضًا: إنَّ القارئ عبر المطالعة يتصفَّح عُقُول الرجال، وغيرها من الحِكَم التي تصف رَوْعة المطالَعة، وقد صدَقوا في ذلك أيما صدق.

أما اختصار الزمن، فإنَّ الإنسان في حياته قد تَمُرُّ عليه ظروفٌ يُدرك من خلالها أنه مُقبل على مرحلة زمنيَّة مُعينة، لها أحكامها وظروفها الخاصة، فالشاب العَزَب حين يعقد قرانَه على فتاةٍ يُصبح بعد فترة - من ثلاث إلى أربع سنوات - ربَّ أُسرة، وأبًا لأطفال، وهي مرحلة تختلف تمامًا في الشعور والمسؤوليات أو المتطلبات عما كان عليه حال عزوبيته.

هذا الشابُّ يُمكن له أن يعيشَ تلك المرحلة بكُلِّ ظروفها وتفاصيلها مما يكون عليه أحوال أرباب الأسَر، وما ينبغي عليه أن يكونَ عبر القراءة في الكُتُب التي تناولت الأسرة وتنشئتها، وكيفية الوصول بها وبأفرادها إلى برِّ الأمان، على مختلف الأصعدة وشتى المستويات.

أَّما ما يتعلَّق بالقراءة، بوَصْفها أداة تعيننا على تصفُّح عُقُول الرجال، فيبدو ذلك في العلم الذي تعتبر القراءة فيه أولى وأهم بواباته، أرأيت كيف تناقله أهله عبر القرون، وتوارثتْه الأجيال جيلاً بعد جيل؛ فهذا فقيه، وذاك محدِّث، وهنا مفسِّر، وهناك لُغَوي، وكلُّ واحد من هؤلاء صنَّف في علْمِه وبابه علومًا شتى، ومعارف جمة، وبالتالي فإنَّ القارئ بقراءاته ومُطالعاته عبر تلك المؤلفات والمصنفات قد أضاف - لا أقول: عقلاً - بل عقولاً إلى عقله، وأفكارًا إلى فكره.

إن مما يوصف به القراء مما يبيِّن عظمتهم وما يمتلكونه من قوة معرفيَّة: أنهم دائمًا في سباقٍ مع زمنهم وعصْرهم، ولعلنا نسمع مَن يصف فلانًا بأنه: ذو عقلٍ كبير، أو عقلُه أكبر مِن سنِّه، والسبب في ذلك قطْعًا هو القراءة.

دعونا نوضح أكثر:

إنَّ العديد ممن لا يقرؤون يُمارسون في العادة أنشطة متباينة؛ بغَرَض التسلية والمتْعة، وإمضاء وقت الفراغ، وربما للتعلُّم، فزيارة الأصدقاء واصطحابهم في المنتزهات، أو السفر إلى أماكن مختلفة، أو متابعة البرامج عبر الفضائيَّات، أو ممارسة الرياضات المتنوعة في النوادي وغيرها - إن كلاَّ مما سبق سيترك حتمًا أثره ومنافعه ومضاره، بحسب ما واجه أو تفاعل هذا الإنسان، وسيظل ذلك راسخًا في مُخَيلتِه، مما يُشَكِّل مركب الخبْرة التي تُمَيِّز فردًا عن غيره من أبناء المجتمع، أمَّا القارئ فإنَّه يحصل له من المتْعة والفائدة ضعف ما حصَّله أولئك من غير القُراء، فقد يجلس مع الأصدقاء وهو يقرأ كتابًا في العلاقات والتعامُل مع الناس، وقد يُسافر هنا وهناك وحقيبة سفره لا تخلو من كتابٍ يقرؤه في الشعوب وعاداتها، وقد يتناول طعامه في مكان متميِّز ويقرأ كتابًا في الصِّحة والغذاء، يتابع برامجه المفَضَّلة في القنوات ويقرأ كُتُبًا في الإعلام، يُمارس رياضته المفَضَّلة ويقرأ في التربية البدَنيَّة، وتمارين الأَيْرُوبيك أو اليوغا ونحوها.

أرأيتم ذلك الكم الهائل من المعلومات والمعارف والخبرات التي اكتَسَبَها هذا القارئ المطَّلِع علميًّا وعمليًّا دون غيره من الناس؟ فإذا أدركنا ذلك ووعيناه كان السؤال الأهم هو: كيف لي أن أصبح من أهل القراءة والمطالعة؟ وهو ما سنتطرق إليه في السطور التالية:

أولاً: لا بُد أن تدركَ جيدًا أن القراءة والمطالعة بقصْد التعلم والمعرفة نعمةٌ من نعَم الله عليك، وفضلٌ أولاك إيَّاه؛ قال تعالى: ? وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ? [النساء: 113]، فإنْ وافَقْتني في ذلك، فإنَّ النِّعمة حتى تدوم لا بد لنا من شُكرها؛ كما في قوله: ? لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ? [إبراهيم: 7]، وشُكر النِّعمة لا يقتصر على تلفُّظك بالحمد، بل لا بد من أن تؤدِّي حقَّ الله عليك من الطاعة والعبادة، وانتهاج سبيل المتَّقين، هذا السبيل كفيل بتعليم الله لك، تأمل قوله تعالى: ? وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ? [البقرة: 282].

يقول الإمام القرطبي في تفسيره: "الجامع لأحكام القرآن"، الجزء الرابع، ص 464 تعليقًا على هذه الآية ما نصه: "وعْدٌ من الله تعالى بأن مَن اتقاه علَّمه؛ أي: يجعل في قلبِه نورًا يفهم به ما يُلقى إليه، وقد يجعل الله في قلْبه ابتداءً فرقانًا؛ أي: فيصلاً يفْصل به بين الحق والباطل، ومنه قوله تعالى في سورة الأنفال: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ? [الأنفال: 29]،، والله أعلم. انتهى كلامه - رحمه الله.

ثانيًا: أشرنا قبْل قليل إلى أن دوام النِّعمة مقْرونٌ بشُكرها، وطريق شُكرها هو العبادة، ومن العبادات التي غفل عنها كثيرٌ من الناس عبادة الدُّعاء، وفي الحديث: ((الدعاء هو العبادة))، والله - سبحانه وتعالى - يقول: ? ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ? [غافر: 60]، لذا فإن مَن يدعو الله، ويتضرع إليه بأن يوفِّقه ويفتح عليه بطلَب العلم والقراءة أو الكتابة، وتخصيص ذلك بالنافع والمثمر، وأن تكون خالصة له - جل وعلا - سيلحظ أثرَ ذلك لا محالة، وكونك خصَّصت دعاءَك بما ينفع ويثمر حتى لا تقعَ فريسة لكل غثٍّ وهُراءٍ، تَمَّ نشرُه هنا وهناك تحت ذريعة العلم والمعرفة، بل إنك بذلك تختصر على نفسك المسافة الزمنيَّة التي تسهم في تشكيل خبرة معرفية، ملؤها النفع والنضوج.

ألست ترى حولك من الناس - وربما سمعتَ وشاهدتَ بعضهم - ممن أفنى شبابَه وأضاع سِنِي عمره فيما لا طائل من ورائه، وربما نال حسْرة وندامة يوم القيامة! - عياذًا بالله.

وأذْكُر في هذا الصدد قصَّة تُبَيِّن أثر الدُّعاء في اكتساب حبِّ القراءة حدَّثنا بها أحدُ طلبة العلم، ومَن عُرف بنهمه لقراءة الكُتُب؛ حيث يقول عن نفسه:

أدركتُ بعد الالتزام أهمية طلَب العلم، وأنه من الطرق الموَصِّلة إلى الجنة، ومعلوم أنه لا طلب بغير قراءة، وهنا تكمُن مُشكلتي، فأنا من أشد النافرين من المطالَعة في الكتب، ولا أطيق القراءة بتاتًا، فاحترتُ في ذلك، حتى قررت أن أذهب لأداء العمرة، وأدعو الله لهذا الغرَض، وفعلاً سافرتُ وشربتُ من زمزم حتى تضلعتُ، وأنا أدعو الله أن يرزقَني حب القراءة، ويفتح عليَّ فيها، وألححتُ في الدُّعاء، ثم عدتُ لبلدي وإذا بي ألْتَهِم الكُتُب التِهامًا - والفضلُ لله وحده.

ثالثًا: الاهتمام بمبدأ التدرُّج؛ وأعني به: أن تبدأ بالسهل من الكتب والعلوم، ثم الانتقال والتوسُّع شيئًا فشيئًا في الكُتُب الأعلى مستوى، سواء بكثرة عدد صفحاتها أو أفكارها وفقراتها، هذا المبدأ - التدرُّج - معلوم عند أهل العلم، وقلَّما تجد مَن لا يوصي به، والجميل فيه أنك ستلحظ مدى تقدُّمك في القراءة والاطِّلاع عبر سرعة تصفُّحك لكتاب ما، فالمعلومات إن كانتْ جديدةً عليك سترى بُطئًا في قراءتك، وإن كانت المعلومات سبق وأن مرتْ بك ستكون دافعًا لك في سُرعة قراءَتِها وتصفُّحها؛ حتى تنهيَ الكتاب في فترةٍ وجيزة مقارنة بوقت سابق.

أما الأمر الآخر المتعلِّق بالتدرُّج، فهو التدرُّج بالوقت، وهو ما جربته على الكثيرين، وما زلتُ أوصي به المتدربين، وتفصيل ذلك على النحو التالي:

اقرأ من عشر إلى خمسَ عشْرةَ دقيقة في الأُسبوع الأول، ولْيكُن في النهار، ثُمَّ زدْها خمس دقائق الأسبوع الثاني، وزدها خمسًا أخرى في الثالث، وزدها خمسًا غيرها في الرابع، يُصبح المجموعُ 30 دقيقة، ثم استمر في ذلك دون انقطاع، وفي الأسبوع الخامس افْعل كما فعلتَ في الأسبوع الأول وفي ذات الوقت من عشر إلى خمسَ عشْرة دقيقة، ولكن هذه المرة مساءً، مع استمرارك في الثلاثين دقيقة نهارًا، وفي الأسبوع الثامن - أي: في غُضُون شهرَيْن مِن قيامك بهذا التمرين - صرت ممن يقرأ ساعة في اليوم، وهو إنجازٌ كبيرٌ للمبتدئ، ستظهر آثارها عليك في فترةٍ وجيزةٍ، وأرى أنك تستحق المكافأة من نفسك لنفسك بالكيفيَّة التي تلائمك، بل إنِّي أُبَشِّر القارئ الذي يصل إلى هذا المستوى بأن القادم من الأيام سيكون أفضل - بإذن الله - مِنْ سابقه، حيث سيمضي الساعات ولا يجد غضاضة في ذلك - خاصة في أيام الإجازات - وهو بين أحضان الكتب، وهذا فضْل الله يُؤتيه من يشاء، والله ذو الفضْل العظيم.

         أضف تعليق