المشرف العام
مقالات
بر الوالدين .. باب من أبواب الجنة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 05/11/2017م
الموافق : 16/02/1439 هـ

بر الوالدين .. باب من أبواب الجنة

كارم الغرابلي

بر الوالدين من أحب العبادات والأعمال إلى الله تعالى بعد الصلاة، وقدمه النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيل الله. والبر بالوالدين بابٌ واسع من أبواب الجنة، معناه طاعتهما وإظهار الحب والاحترام لهما، ومساعدتهما بكل وسيلة ممكنة بالجهد والمال، والحديث معهما بكل أدب وتقدير، والإنصات إليهما عندما يتحدثان، وعدم التضجر وإظهار الضيق منهما.

ويعد الإسلام البر بالوالدين من أفضل أنواع الطاعات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى؛ لأنهما سبب وجود الأبناء في الحياة، وسبب سعادتهم، فقد سهرت الأم لتربية أبنائها ورعايتهم، وكم قضت من ليالٍ طويلة وهي تقوم على رعاية طفلها الصغير الذي لا يملك من أمره شيئًا!، أما الأب فهو يشقى في الحياة لكسب الرزق وجمع المال؛ من أجل إطعام الأبناء وكسوتهم وتعليمهم، ومساعدتهم على تحقيق أحلامهم.

من أفضل الأعمال

ويؤكد الدكتور ماهر الحولي أستاذ أصول الفقه واصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة أن بر الوالدين من أفضل أعمال البر، وقد حثنا الله تعالى ونبيه (صلى الله عليه وسلم) على ذلك، إذ قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، وقال (عز وجل) أيضًا: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.

من فوائد بر الوالدين إجابة الدعاء، وتكفير الكبائر، وجلب البركة وزيادة الرزق.

وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا}، وأيضًا قال: {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}.

وعن أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن مسعود (رضي اللَّه عنه) قال: سأَلتُ النبي -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: "أَيُّ الْعملِ أَحبُّ إلى اللَّهِ تعالى؟"، قال: "الصَّلاةُ على وقْتِهَا"، قُلْتُ: "ثُمَّ أَيُّ؟"، قال: "بِرُّ الْوَالِديْنِ"، قلتُ: "ثُمَّ أَيُّ ؟"، قال: "الجِهَادُ في سبِيِل اللَّهِ"، وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى رسول اللَّه -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- فقال: "يا رسول اللَّه، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحَابَتي؟"، قال: "أُمُّك"، قال: "ثُمَّ منْ؟"، قال: "أُمُّكَ"، قال: "ثُمَّ مَنْ؟"، قال: "أُمُّكَ"، قال: "ثُمَّ مَنْ؟"، قال: "أَبُوكَ".

وقال: "عن أَسْمَاءَ بنْتِ أبي بكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضي اللَّه عنهما- قالت: "قَدِمتْ عليَّ أُمِّي وهِي مُشركة في عهْدِ رسول اللَّه -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-، فَاسْتَفتَيْتُ رسول اللَّه -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- قلتُ: "قَدِمتْ عَليَّ أُمِّي وَهِي راغبةٌ؛ أَفأَصِلُ أُمِّي؟"، قال: (نَعمْ، صِلي أُمَّكِ)"، وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -رضي اللَّه عنهما- قال: أَقْبلَ رجُلٌ إِلى نَبِيِّ اللَّه -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-، فقال: "أُبايِعُكَ على الهِجرةِ وَالجِهَادِ أَبتَغِي الأَجرَ مِنَ اللَّه تعالى"، قال: "فهَلْ مِنْ والدِيْكَ أَحدٌ حَيٌّ؟"، قال: "نعمْ، بل كِلاهُما"، قال: "فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّه تعالى؟"، قال: "نعمْ"، قال: (فَارْجعْ إِلى والدِيْكَ، فَأَحْسِنْ صُحْبتَهُما)".

ولبر الوالدين فوائد _ تتمثل في: إجابة الدعاء، كقصة أصحاب الغار، وأنه يكفر الكبائر، وسبب البركة وزيادة الرزق. وأكد أنه دَينٌ؛ فمن برَّ والديه بره أبناؤه، ورضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين.

ومن صور بر الوالدين: تجنب غليظ القول، وعدم رفع الصوت، والمناداة بأحب الألفاظ، وعدم مناداتهما باسميهما، وتقبيل اليد والرأس، والإنفاق عليهما، وطاعتهما في غير معصية الله، وألا تتقدم عليهما في المشي، وأن تدعو لهما أحياءً وأمواتًا، وتنفذ عهدهما، وتكرم أصدقاءهما، وتستغفر لهما؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله -عز وجل- يرفع درجة العبد الصالح في الجنة، فيقول: "يا رب، أنى لي هذه؟!"، فيقول: باستغفار ولدك لك".

وأشار إلى أنه من صور البر أيضًا الصدقة عنهما، وصلة أصدقاء الوالدين والإحسان إليهم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "إنَّ أبرَّ البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي الأب".وإنفاذ وصيتهما أيضًا من صور البر كما يوضح الحولي، والبر واجبٌ ولو كان الأبُ كافرًا، وكذا الأم، قال الله: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا}، ومع ذلك قال في الآية نفسها: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.

لا تقسُ عليهما

أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، جاءت تستفتي النبي -عليه الصلاة والسلام- في أمها المشركة، فقالت: "يا رسول الله، قدمت عليَّ أمي وهي مشركة وهي راغبة في صلتي؛ أفأصل أمي؟"، قال: "نعم، صلي أمك". وقال الله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ}، وبعض العلماء فهموا وجوب النفقة على الأبوين الكافرين، فقالوا: "الأبوان الكافران لهما نفقة، أما الاستغفار لهما بعد الممات فممنوع"؛ قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى}.

أنه لو كان الوالدان عاصيين فلا يجوز أن تقسو عليهما؛ فالإمام أحمد (رحمه الله) قال: "يأمر أبويه بالمعروف وينهاهما عن المنكر، فإذا رأى أباه على أمرٍ يكرهه يكلمه بغير عنفٍ ولا إساءةٍ، ولا يغلظ له في الكلام، وإلا تركه، وإذا ما استجاب يتركه ويدعو له، ليس الأب كالأجنبي"، مضيفًا: "ولا يجوز لك أن تتعالى عليهما، وإن وصلت في العلم إلى أرفع الدرجات، وإن كانا أميين؛ فهما سبب سعادتك وعلمك بعد الله تعالى".

عدم جواز أن يبخل الولد عن والديه بالمال؛ فقد جاء رجل يقول للنبي -عليه الصلاة والسلام-: "إن أبي يريد أن يجتاح مالي"، قال: "أنت ومالك لأبيك"، معقبًا: "وهذا الأمر بشرط أن يكونا فقيرين لا مال لهما، وأن يكون المال فاضلًا عن نفقته لمن يعول، ولا يجوز للوالدين أن يمنعا ولدهما من الطاعات والعبادات كطلب العلم وقراءة القرآن ونحوهما، إذ قال عليه الصلاة والسلام: "إنما الطاعة في المعروف"، وقال أيضًا: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، لكن عليكَ بالكلام الطيب والأسلوب الحسن".

صور من برّ الوالدين

مما يعين على بر الوالدين أن يستعينَ الإنسانُ بالله، وأن يستحضر فضائلَ البر وعواقبَ العقوق، وأن يستحضر فضل الوالدين، وأن يضع نفسه موضعهما، وأن يقرأ سير البارين بوالديهم.

صور بر الوالدين قائلا : عن ابن مسعود أنه قال: سألت رسول الله "أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثمَّ أي؟ قال: بر الوالدين".

ومن صور بر الوالدين :

1 - طاعتُهما، واجتنابُ معصيتهما في غير مخالفة لأمر الله.

2 - الإحسانُ إليهما، وخفضُ الجناح لهما، والبعدُ عن زجرهما.

3 - الإصغَاءُ إلى الوالدين، وذلك بالإقبال عليهما إذا تحدثا، وتركِ مقاطعتهما أو منازعتهما الحديث أو تكذيبهما.

4 - من الآداب مع الوالدين التلطُّلفُ بهما، والفرحُ بأوامرهما، والحذر من التأفف والتضجر منهما.

5 - التودّدُ لهما، والتحبُّب إليهما، والجلوس أمامهما بأدب واحترام، وتجنُّبُ المنَّة في الخدمة أو العطية.

6 - مساعدةُ الوالدين في الأعمال، والبعدُ عن إزعاجهما وقتَ راحتهما، أو تكديرِ صفوهما بالجلبة، ورفعِ الصوت، أو بالأخبارِ المحزنة.

7 - تجنُّبُ الشجارِ، وإثارةِ الجدل أمامهما، وذلك بالحرص على حل جميع المشكلات مع الإخوة أو الزوجةِ أو أهل البيت عمومًا، بعيدًا عن أعين الوالدين إلا إذا اقتضت الحكمةُ والمصلحةُ إشراكَهما في الأمر.

8 - تلبيةُ نداءِ الوالدين بسرعة، والاستئذان عليهما حال الدخول عليهما وإصلاحُ ذات البين إذا فسدت بين الوالدين، والحرصُ على التوفيق بينهما وبين الزوجة، وتعويد الأولاد على برهما.

9 - تذكيرُ الوالدين بالله، ونصحُهما بالتي هي أحسن.

10 - الاستئذانُ منهما، والاستنارةُ برأيهما، والمحافظةُ على سمعتهما، والبعدُ عن لومهما وتقريعهما.

11 - كثرةُ الدعاءِ والاستغفار لهما، وصلةُ الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإنفاذ عهدهما، والتصدُّق عنهما.

"مما يعين على بر الوالدين أن يستعينَ الإنسانُ بالله، وأن يستحضر فضائلَ البر وعواقبَ العقوق، وأن يستحضر فضل الوالدين، وأن يضع نفسه موضعهما، وأن يقرأ سير البارين بوالديهم".

عقوق الوالدين انه ذنب عظيم، وكبيرة من الكبائر، فهو قرين للشرك، وموجب للعقوبة في الدنيا، وسبب لرد العمل، ودخول النار في الأخرى، مذكرا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس".

         أضف تعليق