المشرف العام
التنمية الذاتية
التعاون بناء ونماء
 
تمت الإضافة بتاريخ : 01/11/2017م
الموافق : 12/02/1439 هـ

التعاون بناء ونماء

خميس سعد النقيب

هل رأيت  عمارة شاهقة  البناء واسعة الأرجاء ، لها مداخل رائعة ومصاعد قوية ونوافذ جميلة  ؟ وسألت نفسك: من قام على بناء هذه العمارة ؟ هل يمكن أن يقوم بذلك فرد واحد ، أم قام به أفراد كثيرون ؟ لا شك أن أفراد كثيرون  تعاونوا فيما بينهم حتى ظهر هذا البناء ؟

هذا البناء  ثمرة تعاون المهندسين ، والبناءين، والنجارين، والحدادين، وغيرهم ..

التعاون من أهم الصفات التي تتصف بها الكائنات جميعًا في الكون ، والإنسان لا يمكن أن يعيش إلا متعاونًا مع غيره ، فكل منا يحتاج الآخر ، فأنت تحتاج إلى الطبيب والمهندس والمعلم ، والصانع والخباز ، والنجار والحداد ، وسائق الطائرة والقطار والسيارة ، ولا يوجد إنسان يجيد كل تلك الأعمال ، فكل صاحب مهنة محتاج إلى غيره "أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ "( الزخرف:32)  بهذا تسير الحياة وتدور حركتها ، وبغير ذلك تتوقف الحياة ولا تتقدم إلى الإمام...

ونداءات الله تعالي في القرآن الكريم للمخلوقين في جلها  بصيغة الجمع ..!! يا أيها الذين آمنوا .. يا أيها الناس ...حتي يا أيها الأنسان .. كل إلإنسان الفقير والغني ، الضعيف والقوي ، الأبيض والأسود المؤمن والكافر ، المقيم والمسافر ، الحاكم والمحكوم ، الرئيس والمرؤس وفي فاتحة القرآن  الدعاء بصيغة الجمع .. اياك نعبد وإياك نستعين ... اهدنا الصراط المستقيم .. يريد الله لنا أن نتعاون ..!! والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا ، والإنسان لأخيه الإنسان كاليدين تغسل إحداهما الأخري ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، .. كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة .. رواه البخاري ،  وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :"عليك بإخوان الصدق فعش في أكنافهم فإنهم زين في الرخاء في الرخاء وعدة في البلاء".و كان يقال : أول المودة طلاقة الوجه , والثانية : التودد , والثالثة قضاء حوائج الناس  .قال بعض البلغاء : صَدِيقٌ مُسَاعِدٌ , عَضْدٌ وَسَاعِدٌ"أدب الدنيا والدين"

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان  .

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى  .

وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه.

وكان صلي الله عليه وسلم مع أصحابه في سفر ، أرادوا أن يعالجوا شاةً ، فقال أحد أصحابه : يا رسول الله عليّ ذبحها ، وقال الثاني : عليّ سلخها ، وقال الثالث : وعليّ طبخها ، وقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمع الحطب ، معقول ؟! سيد الأمة ، زعيم الأمة ، نبي الأمة ، رسول الله ، وقائد الجيش يساوي نفسه مع أخوانه تماماً ؟ . نعم أراد أن يعلمهم التعاون فضلا علي القدوة الحسنة ،وعن أنس بن مالك كان  النبي صلى الله عليه وسلم يعمل معهم في الخندق وهو يقول  : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة …

رغم بعد المكان واختلاف الزمان  وربما لم يعرف احدهما الآخر ولم يري أحدهما الآخر إلا أنها الرابطة القلبية العظيمة فإن كثير من الدعاة يرددون الدعاء المأثور عند الشروق والغروب ليحثوا بعضهم البعض علي التعاون والتعاضد والإتحاد " اللهم انك تعلم ان هذه القلوب قد اجتمعت علي محبتك والتقت علي طاعتك وتوحدت علي دعوتك ، وتعاهدت علي نصرة شريعتك ،  فوثق اللهم رابطتها وأدم ودها واهدها سبلها وأملأها بنورك الذي لا يخبو ، واشرح صدورها بفيض الايمان بك وجميل التوكل عليك واحيها بمعرفتك وأمتها علي الشهادة في سبيلك انك نعم المولي ونعم النصير "

قال تعالي : " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ "(المائدة:2)  في هذه الآية الكريمة يأمرنا الله تعالى: أن نتعاون فيما بيننا على البر، وهو فعل الخيرات، وأن نتعاون على التقوى وهي ترك المنكرات، وينهانا عن التعاون على الإثم وهو المعاصي والسيئات، و الاعتداء على الناس والحرمات التعاون على البر والتقوى يشمل فعل الخيرات كلها..

 صور التعاون علي البر : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من التعاون على البر والتقوى، لما في ذلك من إصلاح المجتمع وإبعاده عن أسباب الدمار والفساد وإيصاله إلى الخير العاجل والآجل، وتعليم العلم النافع من التعاون على البر والتقوى لما فيه من إزالة الجهل والدعوة إلى الخير والتحذير من الشر ومعرفة الحق والعمل به وأداء حقوق الله وحقوق المخلوقين- والإنفاق على الأقارب والمحتاجين وخاصة في شهر رمضان ، وإنظار المدين المعسر، وإقراض المحتاج من التعاون على البر والتقوى، وبذل الكفالة والضمان لمن يحتاج إليهما هو من التعاون على البر والتقوى، وبذل الجاه والوساطة في قضاء حاجة المسلم عند ولاة الأمور وغيرهم من التعاون على البر والتقوى....

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اشفعُوا تُؤجروا" وإقامة المشاريع الخيرية من بناء المساجد والمدارس الخيرية وتأمين مياه الشرب والوضوء من التعاون على البر والتقوى، وإقامة المصانع التي تنتج للمسلمين ما يحتاجون إليه ويستغنون به عن الخصومات والمنازعات والتأليف بين القلوب من التعاون على البر والتقوى؛ فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضلَ من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة"، رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه.

وقيام الموظفين بأعمالهم وأداء واجبهم الوظيفي هو من التعاون على البر والتقوى، لأن المسلمين بحاجة إلى خدماتهم وخبراتهم، ومجال البر والتقوى واسع، ولما كان الإنسان عاجزاً عن الإحاطة به فضلاً عن القيام به كله، صار التعاون على تحقيق المصالح ودفع المفاسد أمراً ضرورياً للمجتمع المسلم، وصار القيام به من أفضل الأعمال وأمر الله به ورسوله، وترتب على فعله الخير الكثير والثواب الجزيل.

التعاون في أداء حقوق المخلوقين والإنفاق على الأقارب والمحتاجين من الفقير والمسكين وإنظار المدين المعسر وإقراض المحتاج وكفالة اليتيم .

 التعاون في إقامة المشاريع الخيرية مثل المستوصفات الطبية وغير ذلك ...

وكل عضو في المجتمع يبذل ما يستطيع لكي تتحقق النهضة : العالم يعين الناس بعلمه، والغني يعين الناس بماله. والشجاع يعين بشجاعته في سبيل الله، والمسلمون يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وقيام الوالدين بتربية أولادهم التربية الإسلامية وتنشئتهم على الخير هو من التعاون على البر والتقوى لأنهما ينشئان جيلاً صالحاً يكثر سواد المسلمين، ويقوم بنصرة الدين.

في الهجرة  تعاون رائع : كان سر نجاحها ، حيث كان القائد هو محمد رسول الله، وكان المساعد هو ابوبكر الصديق، وكان التموين مع أسماء بنت الصديق، وكان التمويه والتامين عامر بن فهيرة، وكان الذي يأتي بالإخبار والإعلام عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان الدليل عبد الله بن اريقط  ، هذه كلها أسباب تدل علي عبقرية النبي صلي الله عليه وسلم، علاوة علي ذهابه لأبي بكر وقت الظهيرة، وخروجهما من الباب الخلفي، وعدم إذاعة سر الرحلة  وتركه لعلي بن أبي طالب في منزله ..!!

وأجمل صور التعاون:  ظهر في مبدان التحرير ، الكبير والصغير ، الغني والفقير ، النخبة وعامة الشعب المسلم وغير المسلم ، تعاونوا جميعا علي اسقاط الظلم والفساد والاستبداد ، سقط ذلك بسقوط النظام وأن كان هناك بعض الانقاض  والمخافات تحتاج الي مزيد من التعاون

صور التعاون علي اللاثم : من التعاون على الإثم والعدوان الإدلاء بشهادة الزور لينصر بها ظالماً أو يرد بها حقاً، قال صلى الله عليه وسلم: "عدلت شهادة الزور الإشراك بالله عز وجل ثلاث مرات" ثم قرأ: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ)  ..!! قال صلى الله عليه وسلم: "لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار" رواه الترمذي. وقال صلى الله عليه وسلم: "من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله"، رواه ابن ماجة والأصبهاني ورواه البيهقي من حديث ابن عمر ، ثم ختم الله الآية بقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) مؤكداً بذلك ما أمر به في أولها من التعاون على البر والتقوى، وما نهى عنه من التعاون على الإثم والعدوان ومحذراً من عقوبته لمن خالف، وخاصة في تزوير الانتخابات وتغييب الكفاءات ، وتهجير المبدعين والمبدعات ولكن في الناحية الاخري تأمل  أخي الحبيب قوله صلى الله عليه وسلم " من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازياً في أهله بخيرٍ فقد غزا " .

قال العلماء  :  هذا من التعاون على البر والتقوى فإذا جهز الإنسان غازياً يعني براحلته ومتاعه وسلاحه ثلاثة أشياء : الراحلة والمتاع والسلاح إذا جهزه بذلك فقد غزا أي كتب له أجر الغازي لأنه أعانه على الخير .

ومن ذلك ما جرى لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حين خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهله في غزوة تبوك فقال : يا رسول الله اتدعني مع النساء والصبيان فقال له : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " يعني أن أخلفك في أهلي كما خلف موسى هارون في قومه حينما ذهب إلى ميقات ربه .

فاحرص أخي الحبيب على التعاون على البر والتقوى وهذا أمر مطلوب من الجميع أفراداً وجماعات وعلى كافة المستويات ... وكل الميادين .

نتائج التعاون علي البر : ينجز الأعمال الكبيرة التي لا يقدر عليها فرد وحده قال الشاعر :

تأبي الرماح اذا اجتمعن تكسرا   وإذا افترقن تكسرت آحادا

والتعاون  دليل حبِّ الخير للآخرين ، وهو ثمرة من ثمرات الإيمان فضلا عن كونه حاجة ملحة للإنسان ، و أساس التقدم والإنتاج والنجاح والتفوق ، و ينزع الحقد من القلوب الضعيفة ويزيل أسباب الحسد ،  وطريق موصل إلى محبة الله ورضاه وجنته ، وسبب من أهم أسباب الألفة والمحبة بين الناس، ويحقق سنة الله في خلقه ويوافق طبيعة الأشياء .

ما أحوج المسلمين اليوم إلى التعاون على البر والتقوى –وقد تداعت عليهم الأمم وتكالبت عليهم قوى الشر من كل جانب، ما أحوجهم إلى التعارف والتآلف وإزالة الأحقاد ودفع الفساد عن مجتمعهم، ما أحوجهم إلى التعاون على تربية أولادهم ونسائهم وإصلاح بيوتهم، وإخراج أهل الشر من بينهم وتنقية مجتمعهم من عناصر الفساد والإفساد، ما أحوجهم إلى الحذر من الدعايات "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "( الحج)

اللهم شرفنا بالعمل لدينك ، ووفقنا للجهاد في سبيلك ، امنحنا التقوى وأهدنا السبيل وارزقنا معيتك ، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل ،ولا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ،وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي أهله وصحبه وسلم ،والحمد لله رب العالمين       

         أضف تعليق