المشرف العام
مقالات
الإحسان بالإحسان
 
تمت الإضافة بتاريخ : 22/10/2017م
الموافق : 2/02/1439 هـ

الإحسان بالإحسان

د. محمود حسن محمد

إن الإحسان هو قمة كلِّ الطاعات والقرُبات والخيرات، وذروةُ الدين والتدين، وروح قوة كل إيجابية وعطاء، فالشخصيةُ المحسنة زادت عما هو مطلوب من مسؤولياتها، فاتسعت دائرة أعمالها، وانتشر فضلُها وخيرها؛ ولذلك كان جزاؤها من جنس أعمالها، قال تعالى: ? هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ? [الرحمن: 60].

 إن بعض الناس قد يأخذه الفرحُ والسرور في لحظةٍ ما؛ لاستشعاره أن الله عز وجل ينظر إليه في تلك اللحظة، وربما يشتد به الفرح، وتعظُم لديه لذةُ الغرور بروح المراقبة، فيضحك حتى تبدوَ نواجذه، وعندما تقلِّب في حياة هؤلاء الناس، تجد أن هذه الحالة الاستشعارية التي يمرون بها تُخالف حقيقةَ علاقتهم مع الله، فهم إما في نوم، أو غفلة، أو لهو وانشغال بتوافه الأمور، وابتعادٍ عن تعمير الأرض وبناء الحياة، وهذه الأحوال تخالف حقيقةَ الإحسان، وقد تؤدي لمهلكة هؤلاء الناس.

 إن الإحسان إنما يتكون بالإحسان الحقيقيِّ، الذي هو حياة تتسم بإشراقةِ عطاء، تمنح الصلاح لكل جوانب الحياة؛ للأفراد وللأوطان فتنهض بها وترتقي، وذلك عندما تحسن قدرات الناس إتقانَها للأعمال والإنجازات، وتقوم بمهماتها، وتتحرَّك القلوب والأرواح والجوارح لطاعة ربِّها بكل حب وشوق، وخوفٍ ورجاء، وهي تُحس بأن الله عز وجل مطَّلع على ما تفعل، فهو عبادة ومراقبة وتحسين للأحوال المضطربة، التي تحول بيننا وبين السعادة الحقيقية؛ قال تعالى: ? وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ? [البقرة: 195].

إن دائرة الفعل الإحسانيِّ تتسع لتعمُّ بخيريتها كلَّ ما حول العبد الصادق مع الله عز وجل؛ فعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله كتَب الإحسان على كل شيء، فإذا قتَلتُم فأحسِنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذبح، وليُحِدَّ أحدكم شفرته فليرح ذبيحته))[1].

كما أن التفكر في آيات الله، وشَغْلَ الوقت بأعمال الخير والطاعات، وحسنَ المعاشرة بين الناس، والتنفيسَ عن المعسرين، واستيلاءَ الاستقامة على أحاسيس الإنسان وحياته بالليل والنهار، والحوارَ مع الناس بالتي هي أحسن، والتخطيطَ الصحيح للنجاح والتميز وصناعة الحياة، والترفعَ عن الفضول بأن يترك الإنسان ما لا يعنيه، وينشغلَ بالواجبات التي تعنيه - عونٌ للإنسان على تحقيق الإحسان ومقاصده في النفس والحياة، وإن من أقوى أسباب السعادة أن نحقِّق عبوديتنا لله عز وجل وعظمتُه سبحانه لا تفارقنا ولا تغيب عنا، فنشعر بحلاوة الإيمان، وحلاوة العطاء.

 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزًا يومًا للناس، فأتاه جبريل فقال: ما الإحسان؟ قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك))[2].

إن الإحسان هو عماد الإيمان واليقين، وبوابةُ السعادة الأبدية، وبه يتلقى المؤمن همومَ الحياة بنفس مطمئنَّةٍ، وإيمان راسخ، وعندما يرى الله عز وجل هذا الثباتَ المتواصل من المحسنين، فإنه يشملُهم برعايته وعنايته ومحبته، فقال عز وجل: ? وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ? [البقرة: 195].

كما وعد الله المحسنين بالبركة والزيادة، فقال تعالى: ? وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ? [البقرة: 58].

 فحريٌّ بكل مسلم أن يسعى لدخول جنة الإحسان، وهي جنة لا يملأُ عرضَها المشارقُ والمغارب، أما بناؤها فلَبِنَةٌ من حب ولبنةٌ من إخلاص، وملاطُها القلب الخاشع والعمل الصالح، ونورُها اليقين الكامل، ومنها تتفجر أنهار الطمأنينة والسعادة، وهي الفردوس الأرضيُّ الأعلى.

____________

[1] صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان 3/ 1548.

[2] صحيح البخاري: 50.

         أضف تعليق