المشرف العام
مقالات
الانتماء للوطن؟
 
تمت الإضافة بتاريخ : 21/10/2017م
الموافق : 1/02/1439 هـ

الانتماء للوطن؟

شيماء مامون

ما حقيقة شعور المواطن العربي بالانتماء؟ وهل يختلف شعوره به قبل وبعد الثورة؟ ولماذا اختلف ذلك الشعور إن حدث؟

هل الإنسان العربي بعد التغيير الكبير الذي جرى على البنية الاجتماعية والسياسية في المجتمع يدرك معنى الانتماء للوطن؟ وهل يتعارض الانتماء للوطن مع انتمائي للإسلام؟

هل يمكن غرس قيمة الانتماء داخل نفوس الأبناء منذ الصغر؟ وما دور الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والجهات الحكومية والسياسية المعنية بتنمية أو إضعاف روح المواطنة والانتماء داخل المواطن؟

اعتزاز

تقول مروة عبد العاطي (دبلوم فني تجاري 30 سنة): "لم أكن أفهم شيئًا عن الوطن وكنت أتمنى جنسية أخرى غير مصر, لكن بعد الثورة أصبحت أعشق اسمها، ومستعدة أضحي من أجلها بكل ما أملك", ويقول محمد أحمد (محاسب 25سنة): "مفهوم الانتماء الوطني يعني ألا أشعر بالغربة داخل بلدي وبأني جزء منها".

أما سارة خليفة (ربة منزل كلية شريعة إسلامية 28سنة), فتقول: "مفهوم الانتماء الوطني لدي يعني أني أحب بلدي وأحافظ عليها من كل النواحي، أخلاقيًا ومهنيًا واجتماعيًا وسياسيًا..الخ", ويتفق معها محمد عادل (طبيب بشري 26 سنة), فيقول: "الانتماء يعني أن أحب بلدي وأخاف عليه وأسعى لتطويره ليواكب الدول الأخرى".

قبل الحرية وبعدها

وتقول سالي سامح (طالبه): "الانتماء الوطني يعني الهوية التي أنتسب لها وتحملت المسئولية ناحيتها بالحفاظ عليها، أما الانتماء فيعني إطارًا معينًا من الناس والأرض والسلوكيات والعادات والتقاليد والأعراف التي قدر لي أن أعيش فيها, واخترت أن أحافظ على قدري هذا, وأحمي الوطن، لأنَّه أصبح منسوبًا لي وأنا منسوبة إليه".

ويرى محمد عزيز (الناشط السياسي في حركة كفاية) أنَّ "مفهوم الانتماء الوطني لدى الشباب ينقسم إلى: قبل الثورة, نتيجة لممارسات النظام البائد ضَعُفَ الانتماء الوطني، خصوصًا لدى الشباب، بسبب عدم تكافؤ الفرص، وعدم الإحساس بالعدالة والكرامة, أما بعد الثورة, فقد اختلف الأمر كثيرًا حين كان الشاب المصري يموت من أجل وطنه وحريته وكرامته.. الشاب المصري كان يموت قبل الثورة غرقًا في قوارب الهجرة غير الشرعية للخروج من الوطن، واليوم أصبح يموت دفاعًا عن الوطن".

ويوافقه مصطفى الششتاوي (مهندس), ويضيف: "عدم توافر الحرية والعدالة وعدم التوزيع العادل للثروات واحتكار أصحاب النفوذ وإهانة كرامة الشباب وإذلالهم وتعذيبهم تجعلهم لا يفضلون الانتماء للبلد التي تفعل فيهم هذا، أما عندما تتوافر الحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية والمواطنة فإنك تجد هذا الشباب يتكلم ويفعل بكل فخر ما يثبت انتماءه العميق لهذا البلد، وأنه جزء منه، وبأن صوته هو الذي يصنع قراره.. هذه العوامل وغيرها تزيد الانتماء لدى الشباب.

الانتماء والسلوك

أوضح أحمد محمود التلاوي (باحث سياسي) أنَّ "أهم شيء للتعبير عن الانتماء هو الإحساس الداخلي المتوازي مع السلوك العام، مثل فكرة الإيمان، فهي ما وقر في القلب وصدقه العمل، والانتماء للوطن جزء من الإيمان، فلذلك وجب على الشباب أن يعملوا ما بوسعهم لكي يكون حب الوطن والانتماء له شيئًا ملموسًا في سلوكهم، وهذا يبدأ من مستوى عدم إلقاء القاذورات على الأرض، والحفاظ على سلامة الوطن، وصولًا إلى العمل على بناء الوطن وتنميته، والقيام بأعباء الحفاظ على أمنه، والحفاظ على الانضباط في الشارع، وهكذا.

وأضاف التلاوي: "إلى الآن لم يعِ الشباب مفهوم الانتماء الوطني، وهذا يظهر من خلال سلوكهم نفسه، فلا يزال فيه الكثير مما يتطلب الانضباط والتغيير، ولا يزال الكثيرون لا يشاركون ولا يقومون بما عليهم من واجبات تجاه وطنهم, وللأسف فالغالبية العظمى ممن نسمع عن أنهم بلطجية أو منحرفون هم من الشباب, وهذه نقطة خطيرة جدًّا يجب أن نأخذ حذرنا منها, ويجب أن نبحث عن خطط, ونبحث لها عن برامج, لعلاج هذه الظاهرة".

شعور إنساني

وأكد الدكتور رأفت رضوان (مستشار وزير التربية والتعليم ورئيس مركز معلومات مجلس الوزراء سابقًا): أنَّ "الانتماء شعور إنساني تكتمل به شخصية الإنسان، وتختلف أساليب وطرق التعبير عنه, نحن ننتمي إلى أسرتنا، ولكن هذا لا يمنعنا من الاختلاف مع أفرادها أو حتى مع رموز السلطة فيها، وهذا الخلاف أو الاختلاف لا يعني عدم الانتماء نفس الشيء بالنسبة للأوطان, فكل مواطن ينتمي بنفس الدرجة إلى وطنه، والقلة التي تبيع الوطن هي الاستثناء، وهي حالات مرضية نادرة، لذا فمن غير المنطقي القول بنقص الانتماء عند أي فئة عمرية".

وأشار إلى أن مشاعر الانتماء يمكن أن تكون سلوكًا دائمًا ومستقرًا إذا شعر المواطن بأنه "مالك هذا الوطن" أو تتحول إلى ردود فعل لحظية ترتبط بفرحة أو كارثة، إذا كان المواطن مقهورًا ومهمشًا.

وشدد رضوان على أنَّ "الانتماء الوطني يحتاج إلى عمل مستمر وجهد لا يتوقف، من المؤسسات الثلاث المسئولة عن تركيبة العقل والوجدان المصري: التعليم, والثقافة, والإعلام، ومن خلال الدوائر التي تحيط بالفرد: الأسرة, والأصدقاء والأصحاب والزملاء والمعارف, ثم المجتمع والدولة.

ويجب أن يتشارك الجميع الرؤية والأهداف والوسائل والطرق، حتى يتزايد الانتماء، وهذا يتحقق بالمشاركة والوضوح والمصداقية من جانب، واستعادتنا لملكية مصر من جانب آخر، ومن خلال رؤية لمصر نتشارك جميعًا في صياغتها، دون أن تفرض علينا".

وأشار فتحي عبد الستار (الاستشاري التربوي) إلى أنَّ الانتماء للوطن هو جزء من منظومة الأخلاق المتكاملة، التي يجب أن يتشربها الطفل من صغره، ويجب أن يحرص عليها الآباء حرصهم على بقية المكارم والأخلاق.

وأكد أن الدين لا ينفك عن الأخلاق بحال من الأحوال، ومن ضمنها الانتماء للوطن, والوسائل في ذلك كثيرة، منها ربط حب الوطن بالدين والتدين، وأنه من الإيمان, وضرب الأمثلة من حياة النبي والصحابة والصالحين عبر التاريخ في حبهم لأوطانهم, وضبط مساحة الوطن في حياة الطفل، وأنه جزء منه, والتعبير الدائم عن الفخر بالانتماء لهذا الوطن, وتوضيح أسباب منطقية يستوعبها عقل الطفل لهذا الانتماء، مثلًا توضيح تاريخ الوطن، وكفاح أبنائه، وما يتميز به الوطن من خيرات ومآثر ونعم ومزايا, وزيارة المعالم التاريخية والمتاحف الوطنية, والقراءة في سير أبناء الوطن الناجحين عبر التاريخ من علماء وأدباء ومفكرين, وتعريف الطفل ما يتهدد هذا الوطن، ودرونا في حمايته، وأنه مسئول عن ذلك حسب عمره ومكانه.

انتماءٌ جامع

وأوضح معتز شاهين (باحث واستشاري تربوي)، أنَّ الانتماء يجب أن يكون للإسلام أولًا وآخرًا, وأن دعوات القومية أو الطائفية كلها دعوات متهالكة أثبتت فشلها, فكل بلاد الإسلام وطن لكل المسلمين, وكل المسلمين مواطنون لهم حقهم في بلاد الإسلام أجمع, وهو الانتماء الذي يجب أن يعقد الإنسان عليه ولاءه.

وأكد على أن ديار الإسلام كانت كتلة واحدة، وقطرًا ليس فيه حدود ولا حواجز, فجاء الاستعمار وقسم البلاد والأوطان, ولاشك أننا جميعًا نتطلع لليوم الذي تتوحد فيه بلاد الإسلام تحت راية واحدة، هي راية لا إله إلا الله محمد رسول الله. لكن الإسلام أيضًا لم يهمل تلك العاطفة الجياشة التي تتكون في قلب كل إنسان نحو المكان الذي نشأ به وتربى وترعرع فيه، فهو يتعامل مع عاطفة الإنسان نحو وطنه باتزان، فلا تفريط ولا إفراط فيها، فالإنسان يرتبط عاطفيًا بموطنه الذي له فيه الذكريات والأحداث والأشخاص الذين يحبهم ويحبونه، وفيه أقرباؤه وأصدقاؤه ومحبوه, ويؤكد على ذلك الارتباط ويعظمه، حنين الرسول- صلى الله عليه وسلم- لمكة المكرمة، عندما خرج منها مكرهًا، فقال بعد أن التفت إليها: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إليّ, ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت).

وهنا نرى أنه لا تعارض بهذا المفهوم السابق بين الانتماء للإسلام وحب الأوطان، طالما لم يتعارض أو يتعاظم حب الوطن عن حب الإسلام، أو تقديم محباته على حب الله ورسوله وكتابه، والولاء إلى الإسلام والتضحية من أجل دينه؛ قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )آية 24– سورة التوبة.

وشدد على أن الحفاظ على الوطن وصيانته هو قيمة إسلامية أيضًا، فأوطاننا قطعة من جسد الإسلام، وأهله جزء من أجزائه، ومؤسساته جزء لا يتجزأ منها؛ ولله الحمد والمنة، فمجتمعاتنا إسلامية، ونداء التوحيد يرتفع في كل لحظة, وحب الله ورسوله وقرآنه راسخ في قلوب الناس , لذا حث الإسلام أتباعه على حب أوطانهم بهذا المعنى، والاعتزاز بها، والدفاع عنها، والوقوف في وجه كل المعتدين أو المفسدين لها.

وقال: للأسف، تعيش مجتمعاتنا العربية نوعًا من التغييب المتعمد لمسألة الانتماء بالمعنى الذي نتحدث عنه, فهي إما أنها تعرض مفهوم الأوطان جامدًا، بمعنى المكان الذي ينتفع منه الناس ويتكسبون فيه أرزاقهم, أو بمعنى اضطراري إرغامي لازم أو غيره, أما عرض مفهوم الانتماء لأبنائنا على اعتبارها قيمة إنسانية فكرية عاطفية دينية ومبدأ ينتمي لمبدأ الانتماء للإسلام فقليل ما هو. وبالتالي نجد أناسًا يبيعون أنفسهم وأوطانهم بأبخس الأثمان، وآخرون يهرولون للخارج هربًا من صعوبة الداخل.

         أضف تعليق