المشرف العام
الداعية الصغير
مــن أخلاقنــا الجميلــة – العــدل
 
تمت الإضافة بتاريخ : 11/10/2017م
الموافق : 21/01/1439 هـ

مــن أخلاقنــا الجميلــة – العــدل

جمال فتحي نصار

العدل ضد الظلم، يقال: عدل الشيء وعدله أقامه وسواه، وعكسه: الجور، والحيف، والظلم، فالجور: العدول عن الحق، والحيف: الميل في الحكم والجور فيه، والظلم: مجاوزة الحدّ، ومفارقة الحق، ووضع الشيء في غير موضعه إما بزيادة، أو بنقصان (1).

والمراد بالعدل: أن يُعطَى كل ذي حق حقه بلا بخس ولا ظلم ولا إفراط ولا تفريط (2).

وقد حث القرآن الكريم على العدل، وجعله هدف الرسالات السماوية يقول تعالى: ?لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ? (الحديد: من الآية 25).

فالرسالات السماوية كلها، على اختلاف أزمانها وأماكنها، إنما جاءت لتقر في الناس مبادئ الحق والعدل، فهي تضع ميزانًا واحدًا، ومعيارًا واحدًا يقاس به الناس، فلا محاباة لجنس على حساب الآخر، ولا محاباة للون على آخر، وإنما هذا الميزان كفيل بأن يقيم العدل بين الناس؛ لأن منزِّله هو رب الناس جميعًا، الذي لا يحابي أحدًا على حساب أحد، ولا يحابي أمة على حساب أمة أخرى، إنما جعل للناس المنهج الذي يضمن لهم الحياة في ظل الحق والعدل.

يقول الله تعالى: ?إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)? (النحل).

ويقول- أيضًا-: ?وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)? (الرحمن).

ويقول تعالى:?وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ? (المائدة: من الآية 8).

وقد حثت السنة النبوية الشريفة على إقامة العدل بين الناس، فمن ذلك ما روي عن النبي– صلى الله عليه وسلم-: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن- وكلتا يديه يمين- الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلوا) (3).

وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم: إمام عادل...) (4).

وقال النبي– صلى الله عليه وسلم-: (يكون في آخر أمتي مسخ وقذف وخسف، ويبدأ بأهل المظالم) (5).

وحض النبي- صلى الله عليه وسلم- على ضرورة مقاومة الظلم، وحذر من مغبة التقاعس عن ذلك فقال: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله تعالى بعذاب منه) (6).

وأبعد من هذا دلالة على وجود العدل أن الله تعالى قد حرَّم الظلم على نفسه، ففي الصحيح أن النبي– صلى الله عليه وسلم- قال- إن الله تعالى قال في الحديث القدسي-: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا) (7).

ويقول ابن تيمية: إن الله عز وجل ينتصف من العباد، ويقضي بينهم بالعدل، وإن القضاء بينهم بغير العدل ظلم يتنزه الله عنه، وأنه لا يحمل على أحد ذنب غيره (8).

ودعوة المظلوم مستجابة: يقول- صلى الله عليه وسلم-: (اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) (9).

ويقول الله تعالى: (وعزتي لأنصرنكِ ولو بعد حين) (10).

ولله در القائل:

لا تظلمن إذا كنت مقتدرًا          فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه         يدعو عليك وعين الله لم تنم

هذا التقدير الكامل للعدل، والإدانة الشديدة للظلم هما اللذان يفسران لنا عدل عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- الذي بلغ حدًّا لا يحلم ببلوغه خيال الفلاسفة المتفائلين، ويفسران تخوف كبار فقهاء المسلمين من مناصب القضاء، وتهربهم من توليها، حتى بلغ الأمر بالولاة الاضطرار إلى سجن بعض العلماء والفقهاء قسرًا على قبول منصب القضاء (11).

المنصور العباسي حبس الإمام أبا حنيفة- رحمه الله- وضربه بالسياط؛ بسبب إصراره على رفض منصب القضاء (12)، وقصة المنصور مع أبي حنيفة ليست الوحيدة في هذا الباب (13)، والعدل يصون خيرات كثيرة عديدة أساسية وحيوية، كالحياة والمال والعرض، وغيرها.

من صور العدل

لا شك أن العدل هو: الإرادة الراسخة والدائمة لاحترام كل الحقوق وأداء كل الواجبات (14)، وللعدل صور كثيرة، نذكر منها:

أولاً: العدل مع النفس:

وذلك بالتوازن بين حق البدن: من الراحة والعناية والطعام والشراب، وحق الروح من الزاد الإيماني والعبادات المحضة، ومن جانب آخر يوازن المسلم بين حق النفس، وحق الله، وحق الأهل، والأولاد، فلا يجعل حقًّا من هذه الحقوق يطغى على حق آخر، فإن في ذلك ظلمًا.

ويقول الرسول– صلى الله عليه وسلم-: (إن لبدنك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا) (15).

فعلى المرء أن يعدل مع نفسه أولاً؛ حتى لا يعرضها لعذاب الله بانحرافها عن الحق والعدل، فهو إن فعل ذلك يكون ظالمًا مع نفسه، يقول تعالى: ?وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ? (الطلاق: من الآية 1).

ثانيًا: العدل مع الأهل والأولاد:

فمن صور العدل أن يعدل الزوج مع زوجته فلا يظلمها، وينبغي على الوالدين أن يعدلوا في معاملاتهم لأولادهم، فلا ينبغي لهم أن يفضلوا أحد الأبناء على الآخرين فيعطونه من الهبة أكثر مما يعطوا الآخرين، أو يخصونه بالعطية دون غيره من إخوته، فإن ذلك يغرس بذور الحقد والكراهية في قلوب الأولاد؛ فينشئ بينهم العداوة والبغضاء.

وقد روى الإمام مسلم بسنده عن النعمان بن بشير- رضي الله عنهما- قال: تصدق عليَّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهِدَ رسول الله– صلى الله عليه وسلم- فانطلق أبي إلى النبي– صلى الله عليه وسلم- ليُشهِدَه على صدقته، فقال له رسول الله– صلى الله عليه وسلم-: (أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا. قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم). فرجع أبي فرد تلك الصدقة.

ثالثًا: العدل بين الزوجات:

فقد أباح الله تعدد الزوجات، وجعل له قيدًا لا بد منه، وهو العدل فيما يملك الإنسان العدل فيه، يقول تعالى: ?وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً...? (النساء: من الآية 3).

أما الميل القلبي إلى إحداهن، فهذا مما ليس للإنسان فيه إرادة، ما لم يبنِ على هذا الميل أمرًا ماديًّا، يقول تعالى: ?وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129)? (النساء).

أما أن يميل الإنسان إلى إحدى زوجاته فيغدق عليها من كل الخيرات ويحرم الأخرى، فإن هذا ظلم حرمه الله؛ بل ينبغي عليه أن يعدل بينهن في كل الأمور المادية.

رابعًا: العدل في الشهادة:

وذلك بأن تُؤدَّى الشهادة على وجهها الصحيح دون تزييف أو تزوير للحقائق، يقول تعالى: ? وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ...? (الطلاق: من الآية 2).

ويقول: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ...? (النساء: من الآية 135).

ويقول أيضًا: ? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ? (البقرة: من الآية 140).

خامسًا: العدل الاجتماعي:

عمل الإسلام على تقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فشرّع الوسائل التي من شأنها أن ترفع من شأن الفقراء، ومن هذه الوسائل:

1- فرض الزكاة لتؤخذ من الأغنياء وترد للفقراء، فقال تعالى: ?إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)? (التوبة).

2- جعل الله للفقراء نصيبًا من الفيء (16) قال تعالى: ?مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)? (الحشر).

3- ولما بعث رسول الله– صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل- رضي الله عنه- إلى اليمن قال: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله-عز وجل- افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) (17).

4- حذَّر الله تعالى من عدم إطعام المسكين، وعدم الحض على ذلك، فمن لم يطعم المسكين كان من أهل سقر المعذبين في النار: ?قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)? (المدثر)، وترك الحض على إطعام المسكين قرين الكفر بالله: ?خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32)إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)? (الحاقة)، والمجتمع الذي تضيع فيه الفئات الضعيفة مجتمع مذموم ?كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18)وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19)وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)? (الفجر).

سادسًا: العدل في الحكم:

إن العدل فضيلة الأب والابن، والرئيس والمرءوس، والقاضي والشاهد، والحاكم والمحكوم، والبائع والمشتري، وكل من يأخذ ويعطي، يثيب ويعاقب، بصرف النظر عن مقدار ما يعطي أو يأخذ؟، والأوامر القرآنية بالعدل تتجه إلى كل هؤلاء، وليست مقصورة على فئة منهم. يقول عز وجل: ?وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا?(النساء: من الآية 58)، فهذا أمر للحكام والقضاة، ولكل من يحكم؛ فالحاكم، أو رئيس الدولة، قاضٍ بين طبقات الأمة وفئاتها، وهو الذي يسن الكثير من القواعد والقوانين- بعد موافقة أولي الأمر- وهو أيضًا يملك السلطة التي تستطيع إنفاذ العدل أو عرقلته، ومن العسير رده عن ظلمه؛ لأنه يمثل قمة السلطة؛ حتى أولي الأمر ربما لا يفلحون في حمله على العدل.

والقاضي يعدل بين الأفراد والجماعات؛ لكنه لا يسن القواعد والقوانين، إنه مجرد منفذ، ومن الممكن رده وإحالة الأمر إلى قاضٍ آخر. وصعوبة مهمته ترجع أساسًا إلى ما يلجأ إليه المتخاصمون عادة من تزوير وتضليل، وبخاصة في هذا العصر (18).

سابعًا: العدل مع غير المسلمين:

من عظمة الدين الإسلامي أنه لا يفرق بين المسلم وغيره من أصحاب الديانات الأخرى في العدل؛ لأن الله- عز وجل- وضعه لينعم به كل الناس؛ بل إن الله استأمن هذه الأمة على إقرار العدالة بين الناس، فهي المسئولة أمام الله– تعالى- عن إقرار قيم العدل والحق في الأرض، يقول الله تعالى: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا? (البقرة: من الآية143)، فلا يدفع الحب إلى المحاباة، ولا يدفع الكره إلى الظلم والجور، يقول تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)? (المائدة)، ويقف الإنسان مدهوشًا أمام ما حدث بين علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب- رضي الله عنهما- وقد تحاكم عليٌّ أمام عمر، وكان الخصم يهوديًّا، وكان عمر– كعادته- ينادي عليه قائلاً: يا أبا الحسن، فلما ناداه في هذه المرة، وهو يتحاكم أمامه، ظهر الغضب على وجه عليّ، فظن عمر أن عليًّا يتبرم من وقوفه مع اليهودي على قدم المساواة، فقال عمر لعلي: أكرهت أن يكون خصمك يهوديًّا؟ فقال علي- رضي الله عنه-: إنما غضبت لأنك لم تسوِّ بيني وبين خصمي اليهودي إذ ناديته باسمه، وناديتني بكنيتي (19).

إلى هذا الحد يريد الإمام علي- رضي الله عنه- أن يسوَّى بينه وبين اليهودي؛ حتى في أسلوب النداء!!.

هلاك الأمم يأتي بالتفريط في إقامة العدل:

فالله- سبحانه وتعالى- إنما استخلف هذه الأمة لتقيم العدل بين الناس، فإن هي تخلت عن هذه الرسالة، فإنها لم تعد صالحة للاستخلاف، بل يؤخرها الله لتكون في مؤخرة الأمم، ولهذا قالوا: (إن الدولة العادلة تبقى وإن كانت كافرة، وإن الدولة الظالمة تفنى وإن كانت مسلمة).

ويقول أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-: "القوى فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له". فهو يقرر أن الظالم يكون ضعيفًا في ظل الحاكم العادل، والضعيف يكون قويًّا؛ لأنه صاحب حق يحميه الحاكم العادل.

ويبين الرسول– صلى الله عليه وسلم- أن استثناء بعض الناس من تطبيق الأحكام لاعتبار الفقر أو الغنى، أو الشرف أو الوضاعة، هو نوع من الظلم الذي ينذر الأمة كلها بالهلاك والفناء، فعن عائشة- رضي الله عنها- أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: "من يكلم فيها رسول الله– صلى الله عليه وسلم ؟ ثم قالوا من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله– صلى الله عليه وسلم؟، فكلمة أسامة، فقال رسول الله– صلى الله عليه وسلم -: (يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟!، ثم قام فخطب فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) (20).

---------------------

(1) لسان العرب، مادة: عدل، 2838/4، والمعجم الوسيط، 609/2.

(2) أخلاق الإسلام وأخلاق دعاته، ص 208.

(3) صحيح مسلم- كتاب الإمارة- باب: فضيلة الإمام العادل، 1458/3.

(4) متفق عليه.

(5) الأدب المفرد،ص 225.

(6) رواه أبو داود والترمذي والنسائي.

(7) رواه مسلم وأحمد.

(8) منهاج السنة النبوية في نقض الشيعة والقدرية، ابن تيمية،1/33.

(9) رواه البخاري ومسلم.

(10) رواه أحمد والترمذي.

(11) كتاب الكبائر، الذهبي، ص 130، والإمام الشافعي، عبد الحليم الجندي، ص 224.

(12) أبو حنيفة، الشيخ أبو زهرة، ص 46.

(13) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، آدم متز، ص 360.

(14) الأخلاق النظرية، د. عبد الرحمن بدوي، ص 165.

(15) متفق عليه.

(16) الفيء: هو ما أخذه المسلمون من الكفار دون قتال.

(17) رواه الجماعة عن ابن عباس.

(18) الفضائل الخلقية في الإسلام، د. أحمد عبد الرحمن، ص 116-117.

(19) أخلاق الإسلام وأخلاق دعاته، ص 212.

(20) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي.

         أضف تعليق